خبر
أخبار ساخنة

أرواح وأشباح | أنيس منصور | وانحنى على ملابس الملك يقبلها ثم اختفى (3)


شبح شاب نحيف يجثو على ركبتيه ويقبل ملابس الملك هنري الثاني الذي يرقد على فراشه والشرطة والخدم يعثرون على جثة في حديقة القصر

وانحنى على ملابس الملك يقبلها ثم اختفى (3)



وطلبَ السيّد هاريس من المُشرِفِ على القصر أن يعرِضَ عليه كيفَ يُحرَسُ القصر وكيْفَ تُغلِقُ أبوابَه ونوافذه، وفوجئَ السيد هاريس بأن المشرف يُغلِقُ كُلَّ شيْءٍ من الداخل والخارج: الأبوابَ والنوافِذَ حتى أبوابَ الغُرَفِ الداخليّة، ويفعلُ ذلك بنفسه، ولا يستطيعُ أحدٌ أن يتحرَّكَ في أيّةِ غُرفةٍ غيرَ غُرفته، فإذا حاولَ فأنه لا يستطيع فكل الغُرَفِ قد أُقفلت ومفاتيحُها في جيْب المشرف، وهوَ الذي يفتحُ أبوابَ هذه القلعةِ كل يوْم. 

ولمّا ذهبَ السيد هاريس إلى زوْجته قال لها: 

  • ما هذا الذي يفعله المُشرفُ؟

وقالت الزوْجة: 

  • وما الذي يفعله؟

قال الزوْج: 

  • إنه يقفلُ الأبواب .. ولم يبقَ إلّا أن يقفلَ أفواهَنا أيضاً!

وضحكت الزوْجة وهيَ تقول: 

  • ولكنه يا عزيزي يفعلُ ذلك منذُ ثلاثين عاماً!

قالَ الزوْج: 

  • لم أكُن أعرفُ ذلك!

قالت الزوْجة: 

  • وما الذي تعرفه أنتَ في هذا القصر؟

وعادَ السيد هاريس إلى فراشه وهوَ يُفكِّرُ في هذا القصر الذي أُغلِقَت أبوابُه ونوافِذُه من ثلاثين عاماً، ومع ذلك استطاعَ اللُّصوصُ أن يتسلَّلوا إليه.

وفي اللحظةِ التي امتدَّتْ يده لكي تُطفِئَ الشمعة رأى شابّاً نحيفاً قد دخلَ غُرفته دونَ أن يسمعَ صوْتَ الباب وهو ينفتح، وارتعدَ السيد هاريس ولكن الشابَّ النحيفَ ظَلَّ واقفاً في مكانه، فسأله هاريس وهوَ في حالة فزعٍ شديد:

  • ماذا تُريد؟ .. وكيف دخلتَ إ‘لى هُنا؟

وأشار الشاب إلى فمه بما يدُلُّ على إنه لا يستطيعُ الكلام، وأشارَ إلى السيّد هاريس أن يتبعه فقط، ونزلَ السيد هاريس من سريره وبسُرعة سحبَ سيْفاً وأبقاه معه، وفتحَ الشابُّ بابَ الغُرفةِ الذي كان مُغلقاً بالمفتاح، وخرجَ وسارَ وراءه السيد هاريس الذي لاحظَ - رغمَ خوْفه الشديد - أن هذا الشاب الذي يمشي أمامه في هدوء ليْسَ له صوْتٌ كأنه لا يمشي على الأرض أو كأنه شبحٌ أو روح، لكن بعد لحظاتٍ شعرَ السيد هاريس بالهُدوء الشديد، وخرجَ الشاب من القصر واتجه إلى حديقة القصر، فسارَ وراءه السيد هاريس، ثم اتجه الشاب إلى شجرة بلّوطٍ ضخمة في الحديقة، وأشارَ إليها بيده فتقدَّمَ السيّد هاريس إلى شجرة البلّوط ونظرَ إلى الأرض، ولمّا حاولَ أن يستوْضِحَ الشاب كان الشابُّ قد اختفى!

وعادَ السيد هاريس إلى القصر وأيْقظَ الخَدَم، وطلب منهم ألّا يُحدِثوا أيّةَ ضوْضاء حتى لا تصحو زوْجته وأوْلاده، واتجهوا إلى شجرة البلّوط وطلبَ إليهم أن يحفُروا الأرض فحفروها ليعثروا على جاكتة ثم على جُثّة، وصرخَ الخدم: 

  • إنه الشاب النحيف هنري!

وفي مايو سنة ١٧٣٢ اعترفَ المشرف على القصر بالحقيقة: فقد اتفقَ مع اثنيْن من اللُّصوص على سرقة الأدوات الفضيّة والذهبيّة وبَيْعِها على أن يبعثوا له بنصيبه مع الشاب النحيف هنري، ويبدو أن اللصوصَ قد تشاجروا فيما بينهم، وخافوا أن يفضحهم هذا الشاب النحيف فقتلوه ودفنوه،  إذن لقد ظهرَ شبحُ هذا الشاب النحيف لينتقم. 

وأصدرت محكمةُ لندن حُكمَها على المُشرف على القصر بالإعدام شنقاً وأُعدِمَ بالفِعل، وبعد إعدامه لم يعُد أحدٌ يرى هذا الشابَّ النحيف، وإنْ كانَ الملك جورج الثاني قد استدعى السيد هاريس بعد اعدام المُشرِفِ على القصر بأسبوعٍ واحد، وكان الاستدعاء في ساعةٍ مُبكِّرةٍ من الصَباح، ولمّا وصلَ السيّد هاريس إلى قصر الملك جورج الثاني وجدَ التعليمات بضرورة أن يدخُلَ إليه في غُرفة نوْمه، فدخلها ولكن الملكَ حينَ رآه قالَ له: 

  • هل تعرفُ شابّاً في الثالثة والعشرين من عُمره .. طويلاً نحيفاً .. عيْنُه اليُمنى أصغرُ قليلاً من عيْنه اليُسرى .. وإذا مشى انحنى قليلاً للأمام واضِعاً إحدى يديْه على معدتِه كأنه يشكو مغصاً؟

وقال السيد هاريس: 

  • رأيْتُه يا مولاي .. وهوَ الذي قتلوه في بيْتي عندما تشاجرَ اللصوص!

وهنا اعتدلَ الملك في جلسته وقال:

  • الآن أستطيعُ أن أنام.

وبعد ذلك بأيّامٍ روى الملك جورج الثاني لرجاله ما حدثَ له في تلك الليلة: فقد صحا من نوْمه على صوْتِ الباب الذي انفتح، وعندما أطلَّ برأسه من تحت الغطاء رأى هذا الشاب، ولمّا سأله لم ينطِقْ بكلمةٍ واحدة، ولكنه اقترب منه، ولمّا رأى الملكُ هدوءَه ورِقّته لم يشأ أن يصرُخَ في وجهه أو يستدعي الحُرّاس في الليْل، وكل ما حدثَ أن الشابَّ قد اقترب من غطاء الملك وانحنى عليه يُقبِّلُه في امتنان.

إنه نفس الشاب هنري الذي جاء يشكُر الملك على إعدام المشرف على القصر، واختفى ولم يعُد أحدٌ يراهُ أو يسمعُ عن أحدٍ رآهُ بعد ذلك!



(تــــــــــمَّـــــــــــــــت)

google-playkhamsatmostaqltradentX