وانحنى على ملابس الملك يقبلها ثم اختفى (2)
واستأنفَ المُشرفُ قِصّتَهُ فقال إنه كانَ قد اقتربَ من الباب، وكانَ الهمسُ ما يزالُ مُستمِرّاً، وكانَ المشرفُ قد أمسكَ سيْفَهُ في يده، واندفعَ يفتحُ البابَ بقوّة.
عندئذٍ سأله السيّد:
ومَن وجدت؟
قال:
وجدتُ الشابَّ النحيفَ واثنيْن آخريْن.
وسأله السيّد:
ومَن هوَ هذا الشابُّ النحيف؟!
فأجاب:
إنه شابٌّ استأجرناه في الأيّام الأخيرة .. وهوَ من أُسرةٍ فقيرة .. ولكن أباهُ رجلٌ طيّب .. وقد أحسنَ تربيته.
واستكمل المشرف كلامه بأنه لم يكَد يفتحُ الغُرفة حتى هجموا عليه وأوْثقوه إلى المقاعدَ وسدّوا فمه وهربوا.
واتّجهَ السيد إلى بقية الخدم يسألهم عمّا حدث فأجابَ واحدٌ بأنه من الضروري أن يُقدِّم استقالته وكذلك سوف يفعل زملاؤه، لأنهم يعملونَ في خدمة السيّد منذُ عشر سنواتٍ ولم تُوجَّهْ إليهم هذه التُهمةُ الشنيعة، فاعتذرَ لهم السيّد بأن التُهمة غير مقصودة، وأن المشرف على البيْت كان في حيرةٍ ولم يعرف بالضبط ما الذي يفعله، ثم إنه رجلٌ كبير في مقام الوالد للجميع.
وقالَ الخدمُ إنهم اعتادوا أن يصحوا في السادسة صباحاً ليُعدِّوا طعام الإفطار في السابعة إلّا رُبعاً، وأن ينزلَ المُشرِفُ لتناولِ الأفطار في السابعة إلّا خمسَ دقائق، ولكنه في ذلك اليوْم لم يحضِر في موْعده، وأخذَ الجميعُ يتندَّرون بذلك ويقولون أنه لا بُدَّ الغطاء كانَ ثقيلاً أو أن الشراب كان غزيراً أو أن المشرفَ مريضٌ أو أن شيئاً غيْرَ عادي قد حدثَ له، وتشاوروا فيما بينهم أيُّهم يذهبُ لايقاظه، واقترحَ الخدمُ أن تذهبَ إحدى الخادمتيْن وتدُقُّ بابه وتسأله كم الساعة الآن، وذهبت الخادمة ودقَّتْ البابَ مرّةً مرّتيْن .. ثلاثاً .. ولكن المشرف لم يرُد، فعادت بسُرعةٍ تروي لهم ذلك، فاقتربوا جميعاً من الباب وفتحوه بشِدّة ولكنهم لم يجدوا المُشرف، وإن كانوا قد وجدوا مكانه خالياً على السرير، ومن المُؤكَّدَ أنه كانَ هُناك ولكن لسببٍ ما لم يعثروا عليه، ولمّا اتجهوا إلى غُرفة الشاب النحيف هنري لم يجدوه في فراشه فاستنتجوا أن الاثنيْن قد خرجا إلى النُزهةِ في ساعةٍ مُبكِّرة أو إنهما ذهبا إلى حظيرة الأبقار، وأسرعوا إلى الحظيرة فلم يجدوا أحداً، وفكَّروا في أن يذهبوا إلى غُرفة الأدوات الفِضيّة وهُناك وجدوا المُشرفَ مشدوداً بالحِبالِ إلى المقعد وقد وُضِعَ قماشٌ في فمه حتى لا يصرُخ، وفكّوا الحِبال وانزلوا المشرف من المقعد وراحوا يُدَلِّكون جسمه، ولكن الشاب هنري قد اختفى تماماً.
وأصرَّ الخَدَمُ على أن يُقدِّموا استقالتهم بعد هذه الإهانة البَليغة، وحاولَ السيّدُ أن يسترضيهم، وأفلحَ في تهدئتهم بعدَ أن أضافَ إلى مُرتَّبِ كُلٍّ منهم جُنيهيْن، ووافقوا على مضض، واستدعى السيّد رجالَ الشُرطة وعاينوا كل شيء، وأحصوا المسروقاتِ فكانت كثيرة، من بيْنها شَمعداناتٍ من الذهبِ الخالص أُهديَتْ إلى أُسرة هاريس من المُلوك والأمراء، ومن بيْنها هدايا من كبير الأساقِفةِ وكذلك لوحاتٌ فنيّةٌ قَيّمة.
ومضتْ شهورٌ ولكن الشُرطة لم تهتدِ إلى شيء، ولم يكُن من الصعب على السيّد هاريس أن يعرفَ أنه لا أملَ في شيء وأن الذي راحَ قد راحَ إلى غيْرِ عوْدة، كما أن الشُرطةَ لم تفلحْ في العُثورِ على الشاب هنري، ولم يُصدِّقْ أحدٌ هذه الدهشة والحُزن الحقيقي والعار الذي أحسَّ به أبوه، فلم يتصوَّر أن ابنَه يستطيعُ أن يسرقَ أو يشتركَ مع آخرين في السرقة.
ومضتْ سنة .. وفي إحدى جلسات الملك جورج الثاني في أبريل سنة ١٧٣٠ قالَ الملكُ للسيّد هاريس:
عندي شعورٌ غريبٌ بأنك سوفَ تعثُرُ على مفقوداتك!
وعادَ الملكُ يقول:
لم تسألْني كيْفَ عرفتُ أنا ذلك!
وروى الملك جورج الثاني أنه رأى في نوْمه أن طائراً كبيراً قد هبطَ على الأرض ومعه شَمعدانٌ ذهبي، وعندما ألقى بالشمعدان فوْقَ القصر الريفي للسيّد هاريس انكسرَ الشمعدان، وحاولَ كل أفراد الأُسرة والحاشية أن يعثروا على الشمعدان فلم يجدوه، وقالَ الملك:
إنها مرّاتٍ قليلةٍ التي حَلُمتُ فيها بأشياءٍ ثم تحقَّقت!
وسافرَ السيّد هاريس في إجازته السنويّة إلى قصره الريفي، ومعه كل الخدم والأسرة.
