وانحنى على ملابس الملك يقبلها ثم اختفى (1)
مضت ساعةٌ وما زالَ الملك جورج الثاني (١٦٨٣ - ١٧٦٠) يتحدَّثُ إلى رجاله، وكان من عادته أن يتحرَّكَ في القاعة ذِهاباً وإياباً دونَ توقُّف، وأن يأمُرَ رجاله بأن يظلّوا في أماكنهم جالسين، ويُقالُ إن نابُليون قد أخذَ عنه هذه العادة غيْر المُريحة، ولم يحدُثْ إلّا نادراً أن دخلَ كبيرُ الياوران ليُعلِنَ شيْئاً غيْرَ عادي، فالملك لا يُحِبُّ أن يُقاطِعه أحدٌ لأي سبب، ولكن هذه المرّة حدثَ شيءٌ عاجل؛ فقد دخلَ كبيرُ الياوران واستأذنَ الملك في أن يُسلِّمَ رسالةً هامّةً إلى واحدٍ من رجاله، وأشارَ الملك بشيءٍ من عدم الاهتمام أن يفعل ذلك بسرعة، فتقدَّمَ كبيرُ الياوِران إلى السيّد هاريس وأعطاهُ رسالة، واستأذن السيّد هاريس في أن يفتحَ الرسالةَ خارجَ القاعة، ولكن الملك أشارَ له بأن يفتحَها أمامه، ففتحها بالفِعل، وفهمَ الملك من تغيُّر الألوان على وجه السيّد هاريس أن الأمرَ خطير، وأشارَ إليه بأن يخرُج، فاستأذنه بأن يغيبَ ثلاثةَ أسابيعٍ أو أربعة، ووافق الملك، وخرجَ السيّد هاريس عائداً إلى بيْته.
وكان من عادة السيد هاريس أن يترك بعض الخدمِ في قصره الريفي، أمّا الأُسرة وبقية الخدم فهم ينتقلون معه إلى مدينة لندن، ولكن يبدو أنه من الضروري أن يعودَ فوْراً إلى قصره الريفي، فالأمرُ خطير، والرسالة التي تلقّاها تقول: "إحضرْ بسُرعة يا سيّدي .. الأشياء الذهبيّة التي تركها الغالي العزيز والدكم قد سُرِقَتْ والأشياء الفِضيّة التي تركها الغالي العزيز علينا جميعاً جدكم الكبير قد سُرِقت أيضاً .. ونحن نأسفُ لِما حدث .. ولكن حضورَكم سوْفَ يكونُ شمساً تُشرِقُ على الحقيقة ونعرف الجاني الأثيم".
وقبل أن ينصرف هاريس من حضرة الملك دار بيْنهما هذا الحوار:
هل ستعود إلى الريف يا هاريس.
نعم يا مولاي الملك .. إذا أذنتم لي.
أهيَ مُغامرة؟
عفواً يا مولاي!
أم هيَ حيلةٌ لكي تَبعُدَ عن الزوْجةِ بضعةَ أسابيع؟
أمرك يا مَوْلاي!
إذن سأبعثُ معك بواحدٍ من رجالي ليُعاوِنك؟
هذا كرمٌ من مَوْلاي!
كم أسبوعاً تكفيكَ لكي تستعيدَ كل ما راحَ منك.
بضعةُ أسابيعَ يا مولاي.
أظُن أربعة أسابيعَ تكفي؟
بل أكثر من الكفاية يا مولاي!
وشكرَ هاريس الملك وخرج، وكانت هذه الرسالة بخَط المُشرِفِ على قصره الريفي.
وذهبَ السيَد هاريس إلى القصر، وهُناكَ التقى بالمشرف على القصر، وكانت حالته النفسيّة أليمة، وكان التأثُّرُ واضحاً عليه، فلم يكد يرى سيده حتى قال له أن هذا عارٌ قد لحقَه بصفةٍ شخصيّة لأنه يُغلِقُ الأبوابَ والنوافذَ كل ليْلة وبإحكامٍ شديد، ولا يدري كيْفَ حدثَ كل ذلك وفي وقتٍ قصير.
وكانَ في القصر الريفي طاهٍ وثلاثةٌ من الخَدَم وخادمتان، وسأله السيّد هاريس:
كيف حدث ذلك؟!
فقال المشرف على البيت أنه في إحدى الليالي عندما أوى إلى فراشه وكان الجوُّ بارداً عاصفاً، استمعَ إلى أصواتٍ في الغُرفة التي تحته، واندهشَ كيفَ تصدُرُ هذه الأصوات، إن أحداً لا يُمكِنُ أن يكونَ قد صحا من نوْمه، فهوَ على يقينٍ من أن الجميعَ قد ناموا، ولكن هذه الأصوات جعلته يشُكُّ في الأمر فارتدى ملابسه، وهبطَ الدَرَجَ واقتربَ من الغُرفة، واستمعَ إلى أصواتٍ هامسة، إنه لم يتبيَّنْ الأصواتَ بوضوح، ولكن الشيءَ الواضحَ تماماً هوَ صوْتُ الآنيةِ الفِضيّة وهي تخرُجُ من الصَناديق، وتدخُلُ في صناديقَ أُخرى، وحاول أن يقترب من الباب أكثر لعلّه يسمعُ صوْتَ الخَدَمِ الذين أفلحوا في التسلُّل في الليْل إلى هذه الغُرفة.
وقالَ له السيّد:
ولماذا لم توقِظْ الخادمتيْن وتذهب أنت إلى رجال الشُرطة؟!
وقال المُشرف:
خطرت لي هذه الفكرة لوْلا أنني خشيْتُ أن يخرُجَ اللصوصُ ويعتدوا على الفتاتيْن ويهربوا!
قال السيّد:
إذن لماذا لم توقِظ الخَدَم والطاهي ليعاونوك في القبض على اللُصوص؟
قال المشرف:
بل كُنتُ أظُنُّ أن الخدمَ والطاهي هُم الذين تسلَّلوا إلى دواليبَ الآنية الفضيّة والذهبيّة.
