خبر
أخبار ساخنة

"شبابيك" | الأغنية التي أخفت وراء العشق حكاية المعتقل | مجدي نجيب (2)

الصفحة الرئيسية


شبابيك (2)



ما تفسيرات تلك العبارات؟:

  • "وسهر والحكاية والحواديت كلها دايرة عليك": هُنا يظهر حضور "الآخر"، فالأغنية لا تتحدَّث عن شخصٍ مُنعَزِلٍ تماماً؛ هناك شخصٌ أو قضيّةٌ تشغل كل الكلام والسهر والحكايات، وإذا أخذنا تفسير "نجيب" نفسه، فإن هذا "الآخر" يُمكِن أن يكون "عبد الناصر" أو صورة "عبد الناصر" في وِجدانه، فالرجل الذي كان يُحبُّه أصبحَ هو نفسُه محور الحكاية: "كيف أحببتُك؟ .. وكيف سجنتَني؟ .. ولماذا فعلتَ ذلك بي؟"، ومن هُنا تأتي المُفارقة المُؤلمة: الحب لم يتحوَّل إلى كراهية وإنما تحوَّلَ إلى عِتاب وهذا أكثر إنسانيةً وتعقيداً من مُجرَّد أغنيةِ احتجاجٍ سياسي.

  • "واللي كان خايف عليك انتهى من بين إيديك": هذه من أهم جُمَل الأُغنية، ورُبما أكثرُها وضوحاً بعد أن شرحها "مجدي نجيب" بنفسه، فقد قال إن هذه العبارة كانت مُوجهةً إلى "جمال عبد الناصر"، وكان معناها بالنسبة إليه قريباً من: أنا الذي كنت أخاف عليك وأحبك وأعتبرك أملي الكبير؛ فكيف أصبحت أنا نفسي في المُعتَقَل؟، وهنا تظهر مأساةُ العلاقةِ بيْن المُثقَّفِ والسُلطة التي يؤمن بها، فهوَ لا يقول: "أنا كُنت ضدَّك" بل يقول العكس تقريباً: "أنا كُنت معك ولهذا كان اعتقالي أكثر إيلاماً"، وهذه النُقطة تجعل "شبابيك" مختلفةً عن أي أُغنيةٍ سياسيّةٍ مُباشِرة لإنها لا تُهاجِم السُلطة من الخارج بل تتحدَّث إليها من داخل علاقةٍ سابقةٍ من الحُب والثِقة، وهذا هو سبب قوّة العتاب فيها.

  • "سرقت عُمري من أحزاني": هذه العبارة تنقلنا من السياسة إلى الإنسان، فالاعتقال لا ينتهي بمجرد فتح باب السجن، قد يخرُج الإنسان من الزنزانة، لكن الزنزانة لا تخرُج بالضرورة من داخله، ولهذا يقول الشاعر إنه سرق عمره من أحزانه في محاولةٍ لاستعادة الزمن الذي ضاع، والأكثر مأساويّةً أن محاولة استعادة العُمر نفسها تبدو مُرتبطة بالـ"شبابيك"، فلقد مرّت السنوات بينما هوَ خلف حاجز أو في ذاكرة الحاجز.

  • "ولا حَد شاف فين مكاني ورا الشبابيك": هذه ربما أوضح صورة شعريّة في الأغنية كلها، فالشاعر موجودٌ في مكانه لكن لا أحدَ يراه، أي أن الإنسان موجود لكن وجوده مخفي وهذا يمكن أن يكون وصفاً حَرفيّاً للسجين، لكنه في الوقت نفسه يتجاوز السجن إلى معنىً أوسع: "العُزلة"، فالإنسان قد يكونُ بيْن الناس لكنه يشعرُ أنه خلفَ شبّاكٍ لا يستطيع أحدٌ الوصولَ إليه، وهُنا تتحوَّل تجربة "مجدي نجيب" الخاصّة إلى تجربةٍ إنسانيّةٍ عامّة. 

  • "وأنا كُنت عاشق": قد يبدو غريباً أن يكتبَ شاعرٍ عن تجرُبةٍ سياسيّة انتهت للسِجن ثم يجعل النَص يبدو كأنه أغنية غَرام، لكن هذا بالضبط هو ذكاء "مجدي نجيب"، فالحب في "شبابيك" ليس بالضرورة حب امرأة، إنه يمكن أن يكون حب الوطن أو حب الزعيم أو حب الحياة أو حب الحريّة أو حب الإنسان الذي كان الشاعر يُؤمِنُ به، والعاشق هنا ليس بالضرورة عاشق امرأة، بل يمكن أن يكون عاشقاً لفكرة، وهذا ما يُفسِّرُ لماذا لا توجد في الأغنية قصة حُب تقليديّة واضحة لأن الحبيب الحقيقي يمكن أن يكون شيئاً أكبر من شخص.

  • "أحب بس يكون حلالي ورا الشبابيك": هذه العبارة بالذات تفتحُ باباً آخرَ للتفسير، فالعاشق يريد الحب لكنه يريد حُبّاً مشروعاً كاملاً لا حُبّاً ممنوعاً خلفَ القُضبان، وهنا يمكن أن نقرأ "الحلال" بمعناه العاطفي المباشر، لكن يمكن أيضاً أن نراهُ بوصفه "حق الإنسان الطبيعي في أن يحب ويعيش ويكون حُرّاً دون أن يُعاقَبَ على مشاعره أو أفكاره"، وهكذا يختلط في الأغنية شيئان: الحُب ـ الحُرية.

  • "أنا بِعت الدموع والعُمر": هُنا يصل النَص إلى مرحلة المُقايضة، لقد دفعَ الشاعرُ ثمناً من دموعه ومن عمره ومن شبابه، لكن ماذا حصلَ في المُقابل؟، ربما لا شيء سوى الصبر.

  • "طرحت جنايني في الربيع الصبر": وهي من أجمل صور الأغنية، فالإنسان يزرع حديقة والربيع هو موسم الإزهار لكنه بدلاً من أن يحصُدَ الفَرْح يحصُدَ الصَبْر (و"الصبر" هنا معناه بيْن العامّة "نبات الصبّار" ذلك النبات ذو المذاق المُر والمُحاط بالأشواك المؤذية)، وهذه صورةٌ شديدةُ الدلالةِ على تجربة السجين السياسي: كان يُفتَرَض أن يكون الربيع زمن الحياة لكنه صار زمن انتظارٍ آخره علقمٌ وأذى.

  • "وقلت أنا عاشق سقوني كتير المُر": هنا تتجمَّعُ المُفارقةُ كلها، فالعاشق عادةً ينتظر الحنان أمّا هذا العاشق فقد تلقّى الألم، وهذا بالضبط هو جوهر تجربة "مجدي نجيب" كما شرحها: "كيف يُمكِنُ لمَن أحبَّ شخصاً أو فكرةً أو قائداً أن يتلقّى المرارة من الجهة نفسها التي كان يضع فيها ثقته؟"، ولذلك فإن "المُر" في الأغنية يمكن أن يكون مرارة السجن أو مرارة خيْبة الأمل أو مرارة السنوات التي ضاعت أو مرارة اكتشاف أن الحُب لا يحمي الإنسان دائماً من الأذى.

هل "شبابيك" أغنيةٌ سياسيّة أم عاطفيّة؟:

الإجابة الأدق: "هيَ الاثنان معاً ولكن على مستوييْن مختلفيْن"، فعلى السطح هي أُغنيةٌ عاطفيّة أمّا في العُمق فهي أُغنيةٌ عن تجربةٍ سياسيّة وإنسانيّة.

وهذا ليس مجرد تفسيرٍ من المُستَمِعين؛ فـ"مجدي نجيب" نفسه شرحَ ارتباطها بتجربة اعتقاله وربطَ إحدى أهم عباراتها بـ"جمال عبد الناصر" لكن تكمُن قوّة الأغنية في أنها لا تحتاجُ إلى معرفة هذه الخلفيّة حتى تعمل كأغنية حُب وهذه ميزةٌ شعريّةٌ كبيرة، فلوْ لم نعرفْ قِصّة "نجيب" سنسمع في الأغنية "قِصّةَ عاشقٍ خلف الشبابيك"، وإذا عرفنا قصته سنسمع في الأغنية "قصّة سجينٍ خلفَ الشبابيك يُخاطِبُ مَن كان يُحبُّه"، والقراءتان صحيحتان في الوقت نفسه.

لماذا لم يقُل مجدي نجيب الكلام بصورةٍ مُباشِرة؟:

كان يستطيع أن يكتب قصيدةً تقول: "اعتقلتني يا عبد الناصر رغم أنني كنت أحبك" لكنه لو فعل ذلك لأصبحت الأغنية وثيقةً سياسيّةً مُرتبطةً بظرفٍ تاريخيٍّ مُحَدَّد، أمّا عندما استخدم: "الشبابيك والعُيون والعِشق والدموع والربيع والصبر والمرارة" فقد صنع نَصّاً ليعيشَ خارج زمنه بل خلَّده ليصلُحَ لجميع الأزمنة، وهُنا تظهر عبقريّة الشِّعر، فالأغنيةُ لا تقولُ كُلَّ شيء، بل تترُكُ مساحةً للمستمع كي يُكمِلَ المعنى بنفسه، وهذا ما أشارَ إليه بعض النُقّاد عند الحديث عن أغاني "مجدي نجيب" مع "محمد منير"، حيث تتميّزُ نصوصه بتعدُّد طبقات المعنى، بحيْثُ يمكن للمستمع أن يصلَ إلى أكثر من قراءةٍ للنَص.

لماذا كان "محمد منير" هوَ الصوْت المُناسب للأغنية؟:

اختيار "محمد منير" لهذه الأغنية لم يكن تفصيلاً عابراً، فـ"مجدي نجيب" كان قد تعرَّفَ إليه في بداياته من خلال الشاعر "عبد الرحيم منصور"، ورأى فيه شخصيةً مُختلفة، ووصفه بأنه شابُّ مليءٌ بـ"خيْر الجنوب"، ورأى فيه مشروعاً فنيّاً مُمَيّزاً، كما قال إنه كتب "شبابيك" خِصّيصاً له واعتبره صديقاً لا مجرد مطرب، وهذا مهمٌّ جداً فصوت "منير" لم يكُن صوتَ مطربٍ يقدِّمُ أغنيةَ حُبٍّ تقليديّة، كان صوتاً يحمل قدرا من الاغتراب والحنين والتمرُّد، ولهذا استطاعَ أن يجعلَ عبارةً مثل "ورا الشبابيك" تحتمل في الوقت نفسه معنى الحبيب والسجين والغريب والإنسان الذي يبحثُ عن مكانه.

كيْفَ حوَّل الملحِّن "أحمد منيب" الأغنية إلى حالةٍ موسيقيّة خاصّة؟:

الكلمات وحدها لا تُفسِّرُ سبب خلود الأغنية، فاللحن الذي وضعه "أحمد منيب" أعطى النَص مساحةً من الحركة بيْن الحزن والأمل، ولم يحوِّلْهُ إلى مرثيّةٍ سياسيّةٍ مُباشِرة، وهذه نُقطةٌ أساسيّة، ولوْ كانَ اللحن حزيناً بشكلٍ تقليدي لأصبحت الأغنية أغنية سجن، لكن موسيقى "منيب" (بالإضافة طبعاً لتوزيع "يحيى خليل" وعزف فرقته) جعلت الأُغنية تبدو حُرّةً رغم أن موضوعها الأساسي هو الحَبْس، وهذه مفارقةٌ فنيّةٌ رائعة فالكلمات تتحدَّثُ عن الشبابيك بينما الموسيقى والصوت يحاولان أن يخرُجا من تلكَ الشبابيك.

الخلاصة: 

ربما تكون هذه هي أجمل طريقة لقراءة الأغنية: الحبيب الظاهر في النَص يُمكِن أن يكونَ امرأة لكن الحبيب الأعمق يمكن أن يكونَ وطناً أو زعيماً أو فكرةً أو حُريّةً أو حتى حياةً كان الشاعرُ يريدُ أن يعيشَها ولم يستطِع أن يعيشَها كما أراد.

ولهذا لا ينبغي اختزال "شبابيك" في أنها أغنية عن "جمال عبد الناصر" فقط، فـ"عبد الناصر" هو جُزءٌ من القصة وليس بالضرورة كل القصة، إنها في النهاية أغنية عن الإنسان الذي يُحِبُّ شيْئاً إلى درجة أنه لا يستطيعُ أن يتحوَّل إلى كراهيةٍ كاملة عندما يؤذيه هذا الشيء، ولهذا تبدو الأغنية حزينةً دون أن تكون أُغنية كراهية، إنها لا تصرخ .. إنها تُعاتِب، ولا تقول: "أصبحتُ أكرهك" .. بل تقول في جوهرها: "كُنتُ أحبك، فلماذا جعلتني خلفَ الشّباك؟".

وهنا تكمُن قوّة "شبابيك" وسبب بقائها، فـ"الشبّاك" هُنا ليس مجرد نافذةٍ في زنزانة، إنه المسافةُ بيْن الإنسان وما يُحِب .. بيْن الوطن والمُواطِن .. بيْن الحلم والواقع .. وبيْن الحُب والخِذلان.

ولهذا؛ فبعد حوال نصف قرن من ظهور الأغنية ما زالَ المستمع يستطيعُ أن يجدَ نفسه "ورا الشبابيك" حتى لوْ لم يدخُلْ سجناً قَط لأن بعض السجون ليست لها قضبان .. ويكفي أحياناً أن يكونَ الشيء الذي تُحِبُّهُ موْجوداً أمامَ عيْنيْك ولكنك عاجزٌ عن الوصول إليه.

google-playkhamsatmostaqltradentX