خبر
أخبار ساخنة

"شبابيك" | الأغنية التي أخفت وراء العشق حكاية المعتقل | مجدي نجيب (1)

الصفحة الرئيسية


شبابيك (1)



مقدِّمة:

هناك أغانٍ نسمعُها فنفهمُها من أول مرة، وهناك أغانٍ أخرى تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها كلما أعدنا الاستماع إليها اكتشفنا وراء كلماتها طبقةً جديدةً من المعاني.

وتنتمي "شبابيك" إلى ذلك النوْع الثاني، فالمُستمِع العادي قد يسمعها بوصفها أُغنية حُب: عيونٌ تشبه الشبابيك .. عاشقٌ يتحدَّث عن عُمرٍ ضاع .. ودموع وصبر ومرارة، لكن حين نعرف الظروف التي ارتبطت بكتابة النص، تتغيَّرُ الصورة تماماً؛ إذ كشفَ الشاعر "مجدي نجيب" أن الأغنية استلهمها من تجربة اعتقاله في عهد الرئيس "جمال عبد الناصر"، وأنها كانت تحمل في داخلها عتاباً للرجل الذي أحبه وآمن به، لكنه سجنه في الوقت نفسه.

وهنا تصبح "شبابيك" أكثر من أغنيةٍ عاطفيّة؛ تصبح قصيدةً عن "الحب والخذلان والسجن والوطن والحُريّة"، لكن كل ذلك مكتوبٌ بلغةٍ تسمحُ للمستمع بأن يراها كما يريد.

ما كلمات الأغنية؟:

شَبابيك .. شَبابيك 

الدُنيا كُلَّها شَبابيك

وسَهَر والحِكاية والحَواديت 

كُلَّها دايرة عَليك

الكَلام كان كان عَليك 

واللي كان خايف عَليك 

انتهى مِن بين إيديك

دي عينيك شَبابيك

الدُنيا كُلَّها شَبابيك

*****

سَرَقْت عُمري من احزاني 

سَرَقْتُه لَكِن ما جاني

ولا حَد شاف فين مَكاني 

ورا الشَبابيك 

دي عينيك شَبابيك 

الدُنيا كُلَّها شَبابيك 

*****

غَيَّرت ياما كتير 

ياما كتير أحوالي 

وانا كُنت عاشِق 

عاشِق وكان يحلا لي 

أحب بَسْ يكون حَلالي 

ورا الشَبابيك 

دي عينيك شَبابيك 

والدُنيا كُلَّها شَبابيك

*****

أنا بِعت الدُموع 

الدُموع والعُمر 

طَرَحِت جَنايني في الرَبيع 

في الرَبيع الصَبر

وقُلت انا عاشِق 

سَقوني كتير المُر

ورا الشَبابيك

دي عينيك شَبابيك 

والدُنيا كُلَّها شَبابيك

ما قصة الأغنية؟:

كان "مجدي نجيب" من الشُعراء الذين ارتبطوا في مرحلةٍ مبكِّرةٍ من حياتهم بالمناخ الثقافي والسياسي في مصر، وتعرض للاعتقال في عهد "جمال عبد الناصر"، واللافت أن "نجيب" لم يكُن يتحدث عن "عبد الناصر" باعتباره خصماً سياسيّاً، على العكس؛ فقد أكَّد في أكثر من حديث أنه كان يحبه، ولذلك كانت تجربته أكثر تعقيداً وألماً، إذ كيف يمكن لشخصٍ أن يحب قائداً ويؤمن به ثم يجد نفسه معتقلاً بأمر السلطة التي يُمثِّلُها هذا القائد؟!

ولهذا وصفَ "نجيب" الأغنية بأنها نوعٌ من الخطاب أو العتاب المتأخِّر لـ"عبد الناصر" وكأنه يقول له: "أنا كنت أحبك وأراك أملاً كبيراً، فلماذا وضعتني خلف القضبان؟".

وهنا ينبغي التوقف عند نقطة مهمة: "مجدي نجيب" قالَ إن فكرة الأغنية كانت "عايشة معاه" أثناء فترة المعتقل، لكنه أوضح أنه لم يكتب الأغنية داخل المعتقل، وإنما كتبها بعد خروجه عندما استعاد تجربة السجن وما تركته داخله من مرارة.

لماذا اختار الشاعر "شبابيك" عنواناً؟:

الكلمة نفسها هي مفتاح الأغنية كلها: "شبابيك .. الدُنيا كلها شبابيك"، فالشباك هوَ الشيء الذي يفصل بين الداخل والخارج، فالسجين يرى العالم من خلال شباكٍ صغير، لكنه لا يستطيع الوصول إليه، يرى السماء ولا يستطيع بلوغها، يرى الحياة وهي تتحرَّك خارج القُضبان بينما هو ثابتٌ في مكانه.

ومن هنا تصبح "الشبابيك" رمزاً شديدَ القوّة للعالم الموْجود في الخارج لكن بيني وبينه حاجز، وهذا يُفسِّرُ أيضاً انتقال الشاعر من "شباك" السجن إلى "عينيك": "دي عينيك شبابيك والدُنيا كلها شبابيك"، فالعين نفسها أصبحت نافذة.

لكن نافذة على ماذا؟، على الإنسان الآخر، وعلى الوطن، وعلى الحياة، وربما على الحُريّة نفسها، ولهذا فإن العبارة يمكن أن تُقرأ عاطفيّاً وسياسيّاً في الوقت نفسه.

فإذا قرأناها كأغنية حب، تصبح عيْنا الحبيب نافذتيْن يطل منهما العاشق على العالم، أما إذا قرأناها في ضوء تجربة "نجيب"، تصبح المسألةُ أكثر مرارة فالعالم كله يتحوَّل إلى نوافذ ونحنُ دائماً خلفها، وهذه إحدى نقاط قوّة النَص: هو لا يقول "السجن" صراحةً، ولذلك يستطيع المُستَمِع أن يدخُلَ إليه من باب تجربته الشخصيّة.



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX