كِمالة فيلم "الأرض" (2) | "مبروك ع الأرض"
يموت "محمد أبو سويلم" خلال سحله فوق حقله بعد أن تم اقتلاعه من وسط أرضه وزرعه اللذين رواهما بدمه قبل عرقه، وقد فارقت روحه الدُنيا حُزناً وكَمَداً قبل أن يُفارق جسده الحياة نزفاً وتعذيباً.
وشهدَ موْتَه - مع كل الأسى والأسف - أحباؤه وأهلوه الذين تجمّدوا في مكانهم من هوْل المشهد، ولم يتحرّكوا إلّا بعد أن أفلت المأمور الحبل الذي كان يجرّه به جواده وانصرف تاركاً "أبو سويلم" جُثّةً هامدةً في آخر القرية، فأسرعوا إليه يلهثون ولكن بعد فوات الأوان، فقد لفظ أنفاسه وسط نحيب الناس ونشيج ابنته "وصيفة".
وهكذا نجحت الخطة التي رسمها الإقطاعي "محمود بك" في نزع ملكيّة أرض "أبو سويلم" وغيره من الفلّاحين المساكين لفتح طريقٍ زراعيّة تخدم هذا الإقطاعي وبعضاً من أعيان القرية الذي دفعوا الرشاوى لتَفادي مُصادرة أراضيهم ممّا جعل الطريق تسري - في أرض الذين لم يدفعوا - مُلتويةً ومُتلويّةً كأفعي تطارد فريستها فكان مسارُها على حساب أراضي الفقراء فقط.
ومرّت السنين وتغيّرت الأوْضاع بعد قيام ثورة 1952 وطَرْد الملك "فاروق" وتأميم ثروات الإقطاعيّين ومُصادرة أملاكهم وأموالهم التي اغتصبوها من فقراء هذا الشعب المِسكين المُستكين.
وجثمَ على السُلطة مجموعةٌ من الضبّاط الذين هدفوا - في البداية فقط - إلى إنصاف عامّة الشعب المطحون فأصدروا قانون الإصلاح الزراعي في نفس العام الذي أعطى للحكومة الحق في مصادرة أراضي مَن تزيد ملكيّته الزراعيّة عن 200 فدان، ومن ثَم توزيعها على صغار الفلّاحين بحد أدنى فدانين ولا تزيد عن 5 أفدنة للفلاح الواحد (حسب الواسطة والتقارير الأمنيّة)، وتمَّ بالفعل البدء في توزيع تلك الأراضي عام 1959.
وبعد أن استتب الأمر لهؤلاء الضُبّاط عدّلوا القانون عام 1961 فنزلوا بالملكية إلى 100 فدان فقط للشخص، على أن تؤول المساحة الزائدة لهيئة الإصلاح الزراعي التابعة للدوْلة، وأعقبوا ذلك بتعديلٍ عام 1963 نصَّ على مصادرة جميع الأراضي التي يمتلكها الأجانب وضمّها إلى هيْئة الإصلاح، ثم تعديلٍ آخرَ عام 1969 نزلَ بالحد الأقصى للملكية إلى 50 فداناً فقط للفرد وضم باقي الأراضي إلى الهيْئة التي كانت توزِّع جزءاً من أراضيها على صغار الفلّاحين وعلى المحاسيب ورجال الدوْلة والأعمال.
وهكذا تفتَّت تلك الأراضي الزراعيّة على بعض الفلّاحين (تقسّمت للآباء الذين قسّموها بين الأبناء الذين أعادوا تقسيمها على الأحفاد) وعلى طبقة المسؤولين والمنتفعين والمحظوظين أيضاً لينتهي بذلك عصر الإقطاعيّين القُدامى الذين كانوا يمتلكون الأراضي فأصبحوا لا يمتلكون شيئاً وليبدأ عصر المقاطيع الجُدُد (الذين لا يُعرَف لهم أصل) من هؤلاء المسؤولين والمنتفعين والمحظوظين الذين لم يكُن يمتلكون شيئاً فأضحوا من أصحاب الأراضي، في الوقت الذي ظلَّ فيه الفلّاحون البُسطاء على نفس الحال فبعد أن كانوا يمتلكون بعض قراريط أمسوا يمتلكون بضع قراريط ولم ينُب الوطن إلّا ظهور عيوب تفتيت ملكيّة الأراضي الزراعية كالهدر الكبير في المساحات المنزرعة بسبب كثرة الفواصل والتُرع والقنوات وصعوبة استخدام الميْكنة والآلات الحديثة في الزراعة والحصاد لضيق الأرض فبقيت طريقة الفِلاحة والرَي على ما هيَ عليه منذ عصر الفراعنة حتى الآن، كما ضعفت الإنتاجيّة الزراعيّة ومن ثَمَّ قلَّ العائد الاقتصادي للبلاد وللمُزارع أيضاً الذي كان يعمل في أرضه لصالح الإقطاعيّين فباتَ يعمل في أرضه لصالح المقاطيع ولصالح حكومة الدوْلة التي تتحكّم فيما يزرع وتمَنُّ عليه (إذا أرادت) بالبذور والتقاوي والمُبيدات بعد أن تُقرِضه وتُغرِقه في الديون، فتحقَّقَ بذلك المَثَل الفلّاحي "كأنك يا ابو زيد ما غزيت"!
وخلال هذه السنوات تغيّرت شخصيّات الفيلم وسار بهم قطار الحياة كُلّاً إلى وجهته، فقد ظلَّ الشيخ "حسّونة" في العاصمة حتى مات تاركاً أرضه إلى ابن أخته "محمد" أفندي الذي تزوّج "وصيفة" بعد أن مات خطيبها السابق "عبد الهادي" (قبل أن يتزوّجها) مقتولاً إثر اعتقاله وتعذيبه بسبب مقاومته ومشاغبته المستمرّة للسُلطات الظالمة.
وتغيّر لقب "محمّد" بعد الثوْرة المُباركة (رغم إلغاء الألقاب رسميّاً) من "أفندي" إلى "بك" بعد أن ركبَ الموْجةَ واختير عضواً بالاتحاد الاشتراكي ثم انتُخِب نائباً بمجلس الشعب بعد ذلك، فصار كل أهل القرية والمركز ينادونه بـ"محمد بيه" إذا غدا أو راح.
كما أثمر زواج "محمد" و"وصيفة" عن بنتٍ وولديْن، فكبرت البنت وتعلّمت ولكنها لم تُكمِل تعليمها فتزوّجت مُبكِّراً وحملَتْ لقب "هانم"، أمّا أخواها فقد توسّط لهما أبيهما فتخرّجا ضابطيْ شُرطة وورثا لقب "بيه" غالباً و"باشا" أحياناً.
وبالنسبة إلى "دياب" الفلّاح الجاهل الذي ظهر في الفيلم حافياً فقد ظلَّ حافياً كباقي الفلّاحين المُستضعَفين - حتى بعد أن ورثَ أرضاً من خاله "حسّونة" - فقد استغلَّ أخوه "محمد" جهلَه وجعله يبصُمُ على ما يُفيد أنه استلمَ ميراثه من الأرض ثم بصَّمَه في نفس الجلسة (دون أن يدري) على ما يُفيدُ أنه باعها له (رغم أن ذاكَ الجاهل الغَرير لم يتقاضَ عنها أيَّ ثمنٍ من الأساس) فاستمرَّ يفلحُ ويشقى في الأرض وهو حافٍ بعد أن يجودَ عليه أخوه ببعضِ الفُتات كل حين لدرجة أنه لم يشترِ حذاءً يداري به تشقُّقات قدميْه إلّا قبلَ وفاته ببضع سنوات، حتى أن أخاه - عندما رآه بالحذاء أوّل مرّة - ضحكَ مليّاً وطويلاً وقال له ساخراً وهو يقصد حرفيّاً ما يقول:
مبروك ع الأرض!!!
أمّا "علوان" فقد نَزَحَ لمدينة "القاهرة"، هربَ من ضيق القرية لرحابة المدينة ولكنه ذاقَ الأمريْن في البداية فلم يجد عملاً أو مأوىً لدرجة أنه تسوّل عيْشه ونامَ على الأرصفة حتى التقطته إحدى بنات الشوارع وآوته في بيْتها مُقابل أن يتزوّجها ويحميها من سطوة بوليس الآداب فكان عند حسن ظنّها بل أنه أدارَ أعمالَها وضمَّ إليها العديد من الساقطات وافتتحَ ملهىً وماخوراً بشارع "عماد الدين" قصدَه السكارى والفاسدون من كل حَدَبٍ وصوْب فصار واجهةً لنشاطه الخفي كواحدٍ من البهوات أصحاب شبكات الدعارة.
وبعد أن قُتِل "محمد أبو سويلم" و"عبد الهادي" مُباشرةً فقد سنحت الفُرصة لـ"محمود بك" ليُضاعف أمواله وأراضيه دون أن يجدَ مَن يجرؤُ على الوقوف أمام أطماعه، خصوصاً وأنه في أقل من عشر سنوات كان قد حصل على لقب "باشا" كما تمَّ اختياره وزيراً قبل أن تقوم ثورة 1952 وتنكِّل به وبأقرانه من الإقطاعيّين والمُرابين فصادرت أملاكه وعقاراته وحدَّدت إقامتَه حتى أصبح لا يملكُ سوى منزلٍ صغيرٍ في "القاهرة" يعيش فيه على ذِكريات الماضي مع ابنته التي عاشت معه بعد أن رفضت الهروب مع زوْجها الغني لخارج البلاد بعد أن طارده ضُبّاط الثوْرة فهاجر أوروبا وانقطعت أخباره، فاضطُرَّت للعمل عند بلديّاتها "علوان بك" وعَلَقَتْ بخيوط شبكته لتجدَ ما يُعيِّشُها هيَ ووالدها.
ولأن الشيخ "شنّاوي" إمام المسجد كان رجلاً مُطيعاً وموالياً لمَن في يده القرار فقد استطاع أن يشُق طريقه في الدعوة بنجاحٍ منقطع النظير قبل وأثناء وبعد كل تغيُّرٍ حدثَ في كل عهد فرَضيَ عنه أولو الأمر وترقّى كثيراً حتى عُزِلَ من منصبه عند أوّلِ خروجٍ عن الخَط المرسوم له فانقطع عن الناس وانزوى في قريته حتى وافته المنيّة فكرّمه الناسُ وأقاموا له مقاماً صغيراً على جانبٍ من السِكّة الزراعيّة وقد كان - ويا لَلمُفارقة - على بُعد خُطواتٍ من المكان الذي شهد مصرع "محمد أبو سويلم".
وهكذا كانت الثوْرة سبباً في تقليب أرض المجتمع المصري كما يُقلّب الفلّاح أرضه لتهويتها قبل الزراعة، فساهمت الثوْرة في دفن الطبقة الحاكمة المالكة المُسيْطرة التي أفَلَت شمسُها وبزوغ طبقةٍ جديدةٍ على سطح الساحة الاجتماعيّة والسياسيّة فوْقَ أرض الواقِع المرير.
وبيْن هؤلاء وأولئك؛ نسى الناسُ مَن وهبوا حياتهم وبذلوا أنفسهم وضحّوا بمستقبلهم وجادوا بإرواحهم من أجل غيرهم في سبيل الأرض والعِرض.
