سيّدةٌ بيضاء .. تحت وفوق أشجار الزَيْزَفون (3)
وفي سنة ١٨٠٦ قبلَ موْقعة "يينّا" الشهيرة بيْن نابُليون والجيش الألماني حدثَ شيْءٌ غريب، فقد قرَّرَتْ القيادة الألمانية استدراجَ نابُليون وقصقصة جناحيْه، وضربَهُ عندَ المؤخِّرة، واتَّفقتْ كُلُّ القيادات العسكريّة على ذلك، وكانَ الأمير لودفيج البروسي ضيْفاً على إحدى الأُسر الألمانية، وأعجبته فتاة، وانفردَ بها، وتركتْ لهما الأُسرة البيْتَ كله، وقالَ لها الأمير:
أُريدُ أن أسمعَ منكِ ألحاناً بقدر عدد القَتلى من الفرنسيّين!
وظلَّتْ الفتاةُ الجميلةُ تعزفُ حتى الصباح، ولكن الفتاةَ لاحظتْ أن الأميرَ لم يشربْ كأساً واحدةً من النبيذِ طولَ الليْل، وسألتْ الأمير:
ولكنكَ لم تشرب .. لماذا؟
ولكنكِ تركتِني أنام وذهبتي إلى فِراشك وغيّرتي ملابسَكِ؟
بل لم أبرحْ مكاني لحظةً واحدة.
إذن أنتِ غيّرتي ملابسَكِ وأنتِ تعزفين .. وارتديْتي فُستاناً أبيضَ شفافاً وأنتِ تعزفين .. ووضعتي قدميْكِ الجَميلتيْن على البيانو ورُحتي تعزفين .. إنني مسحور .. إنني أتمنّى أن يرى جُنودي كُلَّ هذا السِحر .. ولا داعي للقِتالِ والدِماء!
وأيْقنتْ الفتاةُ أنه مخمورٌ فِعلاً، فهيَ لم تتحركْ من مكانها، إذن حدثَ شيءٌ سمعَ عنه ولم يرَه، لقد ظهرت السيّدةُ البيضاءُ فتلاشت وقتها هذه الفتاة، ولم يعُد الأميرُ يرى سوى شبحَ تلكَ السيّدة.
وفي اليوْمِ التالي ماتَ الأمير وعلى شفتيْه هذه القِصّةَ الغريبة، ولم يُفلِحِ الألمانُ في سَحْق نابُليون الذي ذهبَ إلى "القصر العتيق" في برلين، ونزلَ به شهريْن، وطلبَ من الحُرّاسِ أن ينقلوا تمثالَ العذراء الحديديّة إلى غُرفةِ نوْمه!
وفرحَ الألمانُ لهذا القرار الأحمق الذي اتخذه نابُليون، وقالوا: "إذن هذه هيَ نهايته!"، ولكن لم يقع لنابُليون شيء، ولا أحدَ سمعه يتحدَّثَ عن هذا التمثال، فقد كانَ نابُليون مشغولاً بشيءٍ آخر، فكان إذا نام ماتت الدُنيا كلها حوْله، ونابُليون ينامُ قليلاً، ولكن القليلَ هذا يذهبُ به بعيداً إلى أعماقِ الأرض فلا يدري شيْئاً حوْله، فأحياناً كانَ ينامُ على حِصانه، وأحياناً ينامُ جالساً، وأحياناً ينامُ بملابسه كلها، وأحياناً وهوَ يستريحُ في حوْضٍ من الماء الساخن، وفي إحدى المرّات استندَ على العذراء الحديديّة ونامَ أكثرَ من عشرِ دقائق، كالخيْل الذي ينامُ واقفاً وكان يفخُرُ بذلك.
ولكن عندما ذهبَ نابُليون إلى ضواحي موسكو روى لرجاله أنه يرى أحياناً دخاناً أبيضَ وسطَ الجنود .. وسطَ جنوده هوَ .. وكان الردُّ على ذلك سريعاً: إنه دُخانُ الحرائق .. أو هوَ الضباب أو هوَ الإرهاق .. ولكن بعضَ مؤرِّخيه تأكَّدَ أن هذه هيَ السيّدةُ البيْضاء ذاتَ اللعناتِ السوْداء!
بل إن واحداً من المُؤرِّخين قد نقلَ إلى نابُليون أن الطبيب المُنجِّم المُتنبّئَ الفرنسي الشهير نوستراداموس (١٥٦٦ - ١٥٠٣) قد ذكرَ في كتابه المَنظوم "قرون" (صدرَ في سنة ١٥٥٥) أنه سيأتي ذاتَ يوْم قائدٌ فرنسيٌّ يغزو الشرقَ والشمالَ والجنوبَ وأنه سوف يرى أشباحاً مُفزِعة وسوف يُصابُ بالرُعب، ولكن كبرياءَه سيمنعه من أن يحكي ذلك لأحد!
وفي ١٣ يونيو سنة ١٩١٤ سمعَ القيْصر فيلهلم الثاني أن أحدَ حُرّاسِهِ قد رأى السيّدةَ البيْضاءَ في القصر، فاستدعاه وحقَّقَ معه، وأوْقفَهُ أمامه وأمرَهُ ألّا يروي ذلك لأحدأ وأدركَ القيْصر أن لا بُدَّ أنَّ نهايته قد اقتربت .. ولكن الذي اقتربت نهايتُهُ ومات هوَ صديقُهُ وَليُّ عهد النِمسا الأرشيدوق فرنتس فريدريش!
وبعد أربع سنواتٍ تركَ القيْصر فيلهلم القصر العتيق وانتهت الحربُ العالميّة الأولى، وزالت إلى الأبَدِ أُسرة هوهنتسولرن التي حكمت أوروبا خمسةَ قرونٍ بالضبط.
وفي ٢٩ أبريل سنة ١٩٤٥ لم يبقَ في هذا القصرِ شيء، تحوَّلَ إلى رماد، واختفت أضواؤه في ظلامه، وتلاشى مجده القديم في عاره الحديث، ولم تعُد هناك تلك الحُجرات الملكيّة ولا القاعات الفخمة، ولم تعُد أشعةُ الشمسِ - في غروبها وشروقها - تُلقي ضوْءاً على العذراء الحديديّة، ومنذُ ذلكَ اليوْم لم يعُد أحد يسمعُ بها، أو يسمعُ أن أحداً رآها .. أو يريدُ ذلك!
