سيّدةٌ بيضاء .. تحت وفوق أشجار الزَيْزَفون (2)
وفي عصر الإمبراطور يوهان سجسيموند كان أحد الحُرّاس يدورُ حوْلَ أركان القصر، وفجأةً رأى شبحاً أبيض، إنه يُشبِه تماماً ذلك التمثال الحديدي، واقتربَ الشبحُ منه، ولكن الحارس لم يُصَبْ بأي خوْف، ووقفَ وفي يده سلاحه، وتقدَّمَ من الشبحِ الأبيض وهو يقول:
سيّدتي .. إلى أيْن؟
وكانت السيدة البيْضاء قد لفَّت ذراعيْها على صدرها .. ومدَّت ذراعها ثم هَوَتْ بمفتاحٍ كان فيها على رأس الحارس فسقطَ ميّتاً، ومضت السيّدةُ البيضاء تفتحُ أبوابَ القصر وعددها ٦٠٠ باب، وكان ذلك سنة ١٦١٩.
وفي نفس اليوْم قرَّرَ الإمبراطور أن يرى هذا الشبح الأبيض، ورآه، وآوى إلى فِراشه لآخر مرّة، ومات!
وكانَ من عادة الحُرّاس إذا رأوا السيّدة البيضاء أن يُفسِحوا لها الطريق، وألّا ينطقوا بكلمةٍ واحدة، حتى تُعانِقَ تمثالَها الحديدي وتتلاشى فيه، وأصبح من النادر ألّا يراها أحد.
وفي أيّام الإمبراطور فريدريش فيلهلم الثاني، كان الحراس يروْنها كثيراً، وكانوا يُلاحظون أنها شديدة القلق، وأنها تمشي بسُرعة، وأحياناً تتلفَّتُ وراءها كأنها تخافُ من الموْتِ مرّةً أُخرى.
وعندما قرَّر الإمبراطور فريدريش فيلهلم الثاني أن يغزوَ مُقاطعة شمبانيا في فرنسا، أمرَ رجاله أن يُعلِنوا غزوَ فرنسا وسقوطَها في أيّة لحظة، وضرورة الاحتفال بذلك في كل مكان.
ولكن في نفس الليلة شعرَ الإمبراطور بشيءٍ من القلق، لأوّل مرّةٍ يحسُّ أن الفِراش جاف، وأن الجوَّ حار، وأن ملابسه تُضايقه، وأن الهواءَ في القصر لا يكفيه .. فأمرَ بفتح أكبرِ عددٍ مُمكِنٍ من النوافذ .. ولكن الهواءَ الذي هَبَّ من كل مكان لم يُسعفْه، إنما أحسَّ كأن الهواءَ يهربُ من كل مكان .. كأن هُناكَ مؤامرةً عليه: أن يموتَ مُختَنِقاً، فسألَ الذين حوله:
هل هذا شعورُكم أيضاً؟
قال أحدُ مُستشاريه وهو كاذب:
نعم يا صاحب الجَلالة!
ولم يُصدِّقْهُ الإمبراطور، ولذلك قرر أن يذهبَ إلى خط القِتال.
وفي مدينة فِردون دخلَ إحدى الحانات، وأُخليَت له الحانة تماماً وجلسَ على مائدةٍ في أحد الأركان وطلبَ من جنوده بعضَ النبيذ الفرنسي وأتوا له بكأسٍ لم تُعجِبْه، فقرَّرَ أن ينزلَ إلى القبو الذي تراكمت فيه زُجاجاتُ النبيذ، وراحَ ينتقي ما يُعجِبه منه، أمّا لماذا راحَ يتساند على الزُجاجات؟؛ فلأنه شعرَ بدوخةٍ خفيفةٍ ولم يكُن قد شربَ بعد.
وفجأةً لاحظَ أن الزجاجات تتراقصُ وتتلوّى ويتحوَّلُ بعضُها إلى كائناتٍ بشريّة، ومن بيْن هذه الزُجاجات رأى واحدةً تكبرُ وتتضخَّمُ وتستطيلُ وتستدير، إنها تُشبِهُ تماماً الإمبراطور فريدريش الأكبر ونظرَ وتأمَّلَ وملأَ عيْنيْه، وتأكَّدَ أنه هوَ الإمبراطور، وسمعَ الإمبراطورَ يقولُ له:
اسحَبْ قواتَك من فرنسا .. وإلّا سيحدثُ لك ما ليْس في حسابِك.
وجلسَ الإمبراطور فريدريش فيلهلم الثاني ليستمعَ إلى عباراتٍ أُخرى مُروِّعة:
اسحبْ قواتَك وإلّا ستظهرُ لك السيّدةُ البيْضاء .. إن بيْني وبيْنها ثأرّاً قديماً!
والذي لم يفهمْهُ المؤرِّخون هوَ لماذا سحبَ الإمبراطورُ قُوّاتِه من فرنسا وذهبَ فوْراً إلى برلين؟ .. عشراتُ الأسبابِ قيلَتْ في تفسيرِ ذلك .. ولكن مؤرِّخَ القَصرِ قد اعترفَ بعدَ ذلك بما حدث .. فقد سمعَ هذه القِصّةَ من الإمبراطور وهوَ على فراش الموْت، فقد قالَ له الإمبراطور:
سأقولُ لك شيْئاً بصفةٍ خاصّةٍ وأرجو ألّا يعرفَ أحدٌ ذلك حتى لا يظُنُّ الناسُ أنني كُنتُ مَجنوناً طولَ حياتي!
ثم روى له ما رآهُ في القبو، وبعدَ هذه الحادثةِ لم يعرفْ الإمبراطورُ طَعمَ النوْم، وماتَ بعد ذلك بخمسِ سنوات .. رغمَ أنه كان يقول:
بل مِتُّ هُناك .. فأنا لم أخرجْ من هذا القَبوِحيّاً .. مِتُّ بالفِعل .. ولكن رُبما يتأخَّرُ فقط موْعدُ الجنازةِ والدَفْن!
