خبر
أخبار ساخنة

أرواح وأشباح | أنيس منصور | سيدة بيضاء .. تحت وفوق أشجار الزيزفون (1)


برج القلعة الخضراء في القصر العتيق ببرلين حيث يوجد تمثال العذراء الحديدية ذو المسامير وأمامه أشباح الضحايا

سيّدةٌ بيضاء .. تحت وفوق أشجار الزَيْزَفون (1)



كان في برلين شارعٌ اسمه "تحت أشجار الزيزفون"، وفي هذا الشارع كان قصرٌ كبيرٌ جداً اسمه "القصر العتيق"، وفي هذا القصر كان بُرجٌ اسمه "برج القبعة الخضراء"، وفي هذا البرج يوجد تمثالٌ من الحديد، التمثال لفتاةٍ جميلة لها صدرٌ بارز، ويبدو أن الفنّان كان حريصاً على أن يؤكد هذا المعنى، وكانت لها ساقان طويلتان مسحوبتان، وكانت كتفها دائريّة، ولسببٍ غيْر معروف لنا الآن جعلَ كل كَتِفٍ على شكل تُفّاحة، ومن الغريب أن أثرَ أسنان الفنّان أو أي مجنونٍ آخر، ما يزالُ واضحاً على الكتفيْن.

هذا التمثال الحديد اسمه: "العذراء من حديد، وكان هذا التمثالُ يقفُ فوْقَ كهف، وهذا الكهف ينفتح مرّةً كل أسبوع، وفي بعض أوقات السنة ينفتح كل يوم مرّةً أو مرّتيْن، هذا التمثال كان يُستخدَم للتعذيب، فقد كان الملوكُ يحكمون على ضحاياهم بأن يحتضِنوا هذا التمثالَ عُراة .. أو كانوا يلقون بهذا التمثال فوقهم حتى الموْت .. ومن أهم معالم التمثال أن المسامير تخرُجُ من كل مكانٍ فيه، فإذا ماتت الضحيّة ألقوا بها في الكهف تحت التمثال .. ألوفٌ ماتوا هكذا.

وقد حاولَ الإمبراطور فريدريش الأكبر أن يجعلَ هذا القصر في فخامة وأُبّهةِ قصر فرساي الذي بُنيَ في فرنسا في نهاية القرن السابع ليكونَ مقرّاً للملك لويس الرابع عشر، وكان فريدريش حريصاً على أن يجعلَ له قاعةً للمَرايا كالتي في قصر فرساي (وفي هذه القاعة تُوِّجَ الأمبراطور فيلهلم الأول سنة ١٨٧١ بعد هزيمة فرنسا، وفي هذه القاعة أيضاً وقَّعَتْ ألمانيا مُعاهدة الهزيمة ١٩١٩).

وفي هذا القصر عاشت أُسرة هوهنتسولرن الألمانية، وكان شعارُها: "الحُكْم بالحق الإلهي"، فالملك يقولُ عادةً في أوّلِ لقاءٍ له مع شعبه: 

  • أنا الملك .. أنا سيّدُ البلاد .. أفعلُ ما أشاء .. القداسة للّه وحده .. وما عدا ذلك فلي أنا وحدي. 

وتحت هذا الشعار ماتَ الألوفُ في الظلام في أحضان العذراء الحديديّة أو بأيِّ نوْعٍ آخرَ من العذاب الصامت.

ويُقال أن هذه العذراء الحديدية هي تمثالٌ لفتاةٍ أُخرى كانت تعيشُ في ضواحي برلين، وأحبّها أحدُ النُبلاء وفي إحدى الليالي وجدها تمشي بفستانٍ أبيضَ شفافٍ في حديقة قصر أحد النُبلاء .. وسارَ النبيلُ وراءها .. وفجأةً وجدها تُعانِقُ شجرةً من أشجار القصر، وظلَّ يرقُبها، وفجأةً وجدَ أن جِذعَ هذه الشجرة قد التفَّ حوْله عددٌ

من الرجال عُراة .. يقفُ الواحدُ إلى جوار الآخر، والفتاة تتقلَّبُ عليهم .. تقبِّلُهم ويقبِّلونها حتى الصباح .. ويتساقطون واحداً واحداً .. فإذا سقطوا راحوا يتقلَّبون عليها .. أو تتقلَّبُ هيَ عليهم .. وكانَ قرارُه قاطعاً: إعدامُ الجميع.

ولكنه لم يستطِع أن يقضيَ على حُبّه لها، ولذلك صنعَ هذا التمثال، وجعله نهايةً لكل حي .. أو لكل صورةٍ حيّةٍ للخيانة في الحُب أو في السياسة!

ويُقالُ أن هذه العذراءَ كان اسمُها "أنّا سيدوف" وكانت جميلة، وأن مُحبَّها الولهان قد قتلها ظُلماً، فهوَ كان يُحبَّها، ولم يُخبِرْها بذلك، ولمّا رآها مع رجلٍ غيْره قتلها، وراح يندمُ على ذلك، وقرَّرَ أن يموتَ وهوَ في أحضانها، فصنعَ هذا التِمثال القاتل، وماتَ وهوَ يتقلُّب عليه، ثم تركَ التمثال ليكونَ مذبحةً لغيْره من الناس!

ويقال أيضًا أن صاحبة التمثال هيَ أرملةٌ جميلة، هذه الأرملة اسمها انييسي أولامونده، وقد عاشت هذه الأرملةُ بعد وفاةِ زوْجها حياةً مُنعزلةً حزينة، ثم قرَّرت أن تُنذِرَ نفسَها للّه ولكن عدلت عن ذلك في آخر لحظة، فقد أدركت إنها لو ذهبت إلى الدير فسوْف يموتُ ولداها التوْأمان جوعاً .. سوف يعيشان مع جدّتهما، وجدتُهما سيّدةٌ قاسية، وآمنت هذه الأرملة بأن الذهابَ إلى الدير هَروبٌ من الحياة .. وهروبٌ من أعز الناس عليها: من ولديْها، ولذلك عدلت عن دخول الدير، وقرَّرت أن تفعلَ أيَّ شيءٍ أو تكونَ أيَّ شيءٍ لأيِّ أحد، لأن الجوعَ أفضلُ من أن تمدَّ يدَها لأحد، وأن تبيعَ جسدَها أهونُ من أن تتسوَّلَ من أقاربها، وقد سمعَ أحد النُبلاء بما

يدورُ في نفس هذه الأرملةِ الجميلة وقال: 

  • إنني أُحِبُّ هذه الأرملة الجميلة ولا أرى أن الحياةَ بغيْرها مُمكِنة!

هذا النبيلُ اسمه مارجريف ألبرت وسمعَتْ الأرملة بما قاله الأمير وسعدت، وتمنَّتْ لوْ يراها أو تراه، ولمّا سمعَ النبيلُ بذلك قال: 

  • بل إنني أتمنّاها لنفسي ولكن...

ولمّا قيلَ له: 

  • ولكن ماذا؟!

أجاب: 

  • ولكن هذه العيون الأربع .. لوْلا هذه العيون الأربع التي لا ترحم لتزوّجتُها فوْراً!

وذهبوا يقولون للأرملة ما قاله النبيل .. وبسُرعة فكَّرتْ الأرملة الجميلة .. ودبَّرت .. وقرَّرت .. وأتتْ بإبرةٍ ذهبيّةٍ وأمسكت ولديْها التوْأميْن، وأنفذتْ الإبرة الذهبيّة في رأسِ كُلٍّ منهما .. حتى ماتا .. وبَكَتْ عليهما. 

وبعد يوْميْن ذهبتْ للنبيل تقول له: 

  • لم تعُد هناكَ عيونٌ أربع ترقُبُك وأنت تقتربُ مني!

وكانت مُفاجأةً للنبيل .. فلم يكُن النبيل يقصُد عيونَ ولديْها، وإنما يقصدُ عيونُ والديْه العجوزيْن!

وأُصيبَتْ الأرملةُ بالجنون .. وراحت تمشي في الحقول والغابات بفُستانٍ أبيضَ وقد حمَلَتْ على صدرها ملابسَ ولديْها .. حتى ماتت!

ويُقالُ أن فنّاناً كانَ يُعاصرُ هذه المأساة فنقلها إلى الحديد .. وجعلَ هذا التمثالَ أداةً لتعذيب كل خائنٍ نذلٍ وكل مَن يُغرِّرُ بقلوبِ النِساء!



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX