خبر
أخبار ساخنة

أفلام كمالة | د. أحمد صادق | كمالة فيلم "المومياء" (2)


سرقة وتهريب الآثار بين اللصوص والمهربين الذين تطاردهم الشرطة وهيئة الآثار وفي الخلفية الأهرامات وقناع توت عنخ آمون وبردية المتحف المصري الكبير

كِمالة فيلم "المومياء" (2) | "الغَوْغاء" (ليلة أن تُعاد السنين)



أصبحنا في يوْمٍ قائظٍ من صيْف 2026 (بعد 145 سنة من أحداث فيلم "المومياء" أو "ليلة أن تُحصَى السنين") حين كان أحد السُعاة يدُقٌّ على مكتب الأستاذ "يونس" ليُبلِغه أن سيادة الأمين العام يطلبه في عُجالة، و"يونس" هو شابٌّ في الأربعينيّات يعملُ أُستاذاً لعِلم المصريّات ومُرمِّماً في المتحف المصري الكبير ،ويحمل إرثاً ثقيلاً من صراع جَدّه الأخلاقي (جدّه الأكبر هو "ونيس" بطل الجزء الأوّل من الفيلم)، ويرى أن مهنته ليست مجرّد وظيفة، بل هيَ حراسةٌ للهويّة المصريّة.

وعندما انفردَ "يونس" برئيسه قال له الأمين العام في جَديّةٍ وقد ارتسمَت على وجهه أمارات الصرامة:

  • أهلاً "يونس" .. جات لنا إخباريّة إن فيه قطع أثريّة نادرة ظهرت في مواقع الدارك ويب (Dark Web) وصالات المزاد العالميّة بأسماء وهميّة، وكلّها بتعود لقِطع غير مُسجَّلة عندنا أصلاً .. يعني فيه "خبيئة جديدة" تم اكتشافها بدون علمنا وجاري استنزافها من تحت لتحت.

فردَّ عليه "يونس" وقد انتقلت إليه عدوى الاهتمام والقلق:

  • طب ما عرفناش القِطَع دي من أنهي خبيئة أو مقبرة؟

  • الظاهر كده إنها من "خبيئة الكهنة" لإن القطع دي كلّها خاصّة بالأعمال الكهنوتيّة في عصر الدوْلة الفرعونيّة الوسطى بتاع الأسرتين الحداشر والاتناشر.

  • طب وبعدين؟ .. إيه العَمَل؟

  • إحنا بلّغنا الإنتربول (البوليس الدولي) علشان يوقّف عمليّات البيع دي لغاية ما التحريّات والأعمال الإداريّة تخلص .. وح نحاول احنا من ناحيتنا منع الكارثة دي ونقبض على اللي بيسرّب القطع دي من الخبيئة.

  • وسيادتك تؤمرني بإيه؟

  • إنتَ ح تطلع في مهمّة كشف مكان الخبيئة بالظبط وتحاول في سريّة تامّة إنك تكشف التفاصيل كلّها وانا ساعتها ح اتصرّف .. أنا اخترتك لإنك من "قبيلة الحربات" في "الأقصر" وممكن تعرف من أهلك وناسك التفاصيل دي من غير ما تثير الشكوك اللي ممكن يثيرها حَد تاني غَريب.

  • مفهوم.

  • بس خُد دي .. دي برديّة نادرة بتشرح مفهوم "الاسم والروح" عند قُدماء المصريّين .. مُمكِن تساعدك في فك رموز الخبيئة دي .. بَس حافظ عليها .. دي بَقِت ف عُهدتك.

*****     

وفي أقل من يوْميْن كان "يونس" قد وصلَ إلى مسقط رأسه ونزَل ببيْتٍ يملكه أحدُ أقربائه (يُدعى الشيخ "كمال الأزهري") الذي ما زالَ على صلةٍ به رغم انشغاله في عمله وحياته بـ"القاهرة" منذ عقود.

لم تتغيَّر البِلدةُ كثيراً؛ فما زالت بيوتُها بدائيّةً مبنيّةً بالطوب اللَّبِن ودروبُها ضيّقةً مُظلِمة حيث لم تدخُل الكهرباء أغلب القُرى المُتناثرةِ في بطن الجبل العتيق وكأنَّ الزمن لم يتزحزح قيْدَ أُنملةٍ منذ عصورٍ تليدة.

لم يكَد "يونس" يُسدِلُ جفنيْه ليرتاحَ من وعثاء السفر الطويل حتى سمعَ طَرْقاً شديداً مُتسارعاً على باب الدار ولمّا فتحَ فوجئ بثُلّةٍ من الرجال الأشدّاء يقتحمون عليه الدار ويُجلِسونه بالقوّة على أحد المقاعد الخشبيّة دون حِراك، ثم دخلَ وراءهم رجُلٌ بدينٌ يرتدي عباءةً فاخرة ويعتمِرُ عَمامةً كبيرة وتبدو عليه علامات الثراء والنفوذ وجلسَ على كُرسيٍّ قريب، ودار بيْنهما هذا الحوار:

  • إنتم ازّاي تتهجِّموا عليَّ بالشكل ده .. ده انا ح اودّيكم ف داهية.

  • ولا تقدر تعمل حاجة يا "يونس".

  • إنتَ تعرفني؟!

  • طبعاً عارفك وعارف أبوك وجِدّك وجِد جِدَّك .. وعارف إنت ليه افتكرتنا بعد السنين دي كلّاتها .. أعرَّفك بنفسي بقى: أنا الحاج "عطيّة" كبير البلد وعين أعيان الصعيد كُلّاته وعضو مجلس الشِعب عن الدايرة اللي انتَ حداها ده الوقيت .. وخيري ع البلد دي وغيرها .. وعلى فِكرة أنا متعلَّم زايّيك .. معاي ليسانس ألسُن وباعرِف خَمَس لَغوات.

  • ………!!!

  • أنا مش ح اطوَّل عليك يا "يونس" علشان عِندي مشغوليّات كَتير .. هُمَّ كِلمتين أبرك من جُرنال: قِدّامك يومين يا ابن الناس ما لهُمش تالت .. تكون رجعت من وين ما جيت .. وإلّا ح اتاويك واتاوي الشيخ "كمال" اللي متاويك عِنده.

  • آآآآه .. أنا فهمت ده الوقت .. الظاهر إنك من عصابة تهريب الآثار اللي هنا .. صَح؟

  • لا وانتَ الصادق أنا رئيس شبكة تهريب الآثار اللي ف الصعيد تِمّاً .. وبيشتغل تحت إيدي باشاوات وبهوات من المُحافظة والداخليّة والخارجيّة والآثار والسياحة والخُبرا الأجانب والأهالي كَمان .. والشبكة دي بتستخدم التكنولوجيا الحديثة والمُسيّرات وأجهزة الكشف بالرادار، والبرامج الحاسوبيّة والشفرات الرقمية .. يعني انتَ هنا ف ملعبي وما ح تلاقيش حَد يقف عماك (معاك) .. لإنك جاي تقطع عيش الكُل كَليلة .. تجارة الآثار دي شُغلنا وأكل عيشنا وعيش عيالنا.

  • عُمر ما كانت سِرقة الآثار أكل عيش .. إنتم بتسرقوا ذاكرة أُمّة وتاريخها لغاية ما ح نبقى وطن فاقد للهويّة.

  • بلاش الكِلمتين اللي انتم حافظينهم دول .. مين قال إن الآثار دي مِلك لبلد .. التاريخ مش مِلك حَد .. عُمر ما كان له جنسيّة واصل .. ده مِلك الجِنس البَشَري كلّاته اللي من حَقّه يشوف الحضارات القديمة بكل هويّاتها .. الشُعوب المُتحضّرة بَسْ هيَّ اللي مُمكِن تقدَّر قيمة التاريخ زين وتحافظ عليه بدل ما يفضَل مدسوس تحت الأرض أو مرصوص في المخازن أو متلوف بإيدين شعب بيحفر أسامي العُشّاق على جُدران الآثار وأعمدة المعابد أو مكسور حِتَت بتتباع للسيّاح زي ما بيحصل مع صخور الهرم اللي بتتفتِّت وتتباع تِذكار .. شعبنا ما يستاهَلش يملك الآثار اللي ما قدرش يحافظ عليها ويحميها أو حتّى يرجّعها بعد ما اتنهَبِت منه على مر العصور وقامت عليها متاحف الغرب اللي بتحافظ عليها زي عينيها .. لدرجة إنهم مانعين فلاش الكاميرات اللي ممكن تبوَّظ الآثار بسبب الطاقة الضوْئيّة .. وبعدين حتى لوْ رجّعنا الآثار المسروقة لـ"مصر" ح نودّيها فين؟ .. ما ح نكوّمها ف المخازن لغاية ما تتلف من غير ما نستفيد منها .. إعتبِر شُغلنا ده استثمار ثقافي عالمي لحِفظ التراث الإنساني!

  • إنتَ بتبرَّر إيه؟! .. بذِمِّتك إنتَ مُقتنِع باللي بتقوله ده؟! 

  • أصلك مش حاسس بالناس اللي إهنا اللي أكلها الضنك والفقر .. الناس إهنا عايزة يا دوب تعيش كيف بقية البني آدمين .. هُمَّ أوْلى بآثار أجدادهم .. الحكومة بتاخد الآثار لصالحها بَس .. علشان تبني وتعمَّر ف العاصمة والمُدُن الكَبيرة وبَس .. وسايبة الصعيد لحاله يتفلق كيف ما هو من عشرات السنين .. دي حتّى ما هانِش عليها توجِّه جُزء من الملايين اللي بتدخُل البلد من سياحة الآثار لمشاريع تنمية الصعيد علشان الشباب إهنا يلاقي شُغل وسكن وحياة كريمة .. وبعدين أنا عُمري ما سرقت حِتّة آثار واحدة .. أنا الآثار دي بيجيبها لي الأهالي وبادفع لهم تمنها على داير الملّيم واكتر .. وهمَّ بياخدوا الفلوس دي بيستفيدوا بيها .. بياكلوا ويشربوا ويبنوا ويسكنوا ويلبسوا ويتعالجوا ويتجوّزوا ويخلّفوا ويعلّموا عيالهم بيها .. يعني انا باعمل اللي الحكومة ما بتعمَلوش .. علشان إكده ولاءهم ليَّ انا .. إنما انتَ خاين ليهم.

  • إنتَ اللي خاين لبلدك .. ومش ح اسيبك لغاية آخر يوم ف عُمري.

  • يبقى انتَ اللي حَكَمت على نفسك بالموت حالاً.

وأمر "عطيّة" أهل القرية المُرافقين له بتقييد "يونس" في كُرسيه وإلقاء شُعلةٍ من النار داخل البيْت والانتظار خارجاً حتّى التأكُّد من هلاكه، ثم تركَهم "عطيّة" وانصرف بسيّارته عائداً لقصره.

وبعدَ أن نفَّذَ الرجال أمر "عطية" فوجئوا وهم يتحلَّقون خارج باب الدار بالشيخ "كمال" يحضر قائلاً:

  • فيه إيه يا رجّالة .. إيه اللي جابكم ف نُص الليل كده؟

فأجابه أحدهم بغِلظة:

  • الافندي اللي انتَ سايب له دارك جاي عشان يخرب بيوتنا يا شيخ.

  • كلام إيه ده .. ده جدّه يبقى "الشيخ ونيس" حافظ القرآن .. ده جاي عشان صالحكم يا جَهَلة .. أوْعوا تكونوا عملتم فيه حاجة؟

ولم يكَد الشيخ "كمال" يُتمَّ عبارته إلّا ولمحَ من خارج النافذة ألسنة اللهيب ترتفع داخل الدار فأسرع بالدخول وفكَّ وثاق "يونس" الذي التقطَ البرديّة قبلَ أن ينجو بنفسه خارجاً من البيْت، ولكنه عندما خرجَ - مُصاباً ببعض الحروق السطحيّة - فوجئ بأن الشيخ "كمال" لم يخرج وراءه بل يبدو أنه أُصيبَ باختناقٍ من أثر الدُخان وعَلَق بالداخل، وقبل أن يدخُل "يونس" مُحاولاً إنقاذ الشيخ "كمال" انهارَ سقف المنزل المصنوع من أفلاق النخيل وجريدِه، وهكذا لقي الشيخُ مصرعه أمام أهل القرية الذين ندموا على فِعلتهم وأمامَ "يونس" الذي تجمَّدَ من الصدمة وهوَ ما زال مُمسِكاً ومُتشبِّثاً ببرديّة أجداده القُدماء.      

وبعدَ دقيقةٍ تناولَ شابٌ من "قبيلة الحربات" البرديّة من يد "يونس" وتلا ما كُتِبَ عليها بصوْتٍ عالٍ سمعه الجميع: 

"إنْ نُطِقَ اسمُ الميّت؛ فهو يعيشُ من جديد .. وإنْ بيعَ اسمُه؛ فقد ماتَ للأبد".

حينئذٍ تحدُث لحظةُ ذهول، وتنقسم آراءُ شبابِ القرية الذين  يبدأُ أغلبُهم في استيعاب أنهم يبيعون "أجساد وأسماء أجدادهم" للغُرباء وأنهم بذلك يفقدونهم للأبد كما تقولُ البرديّة، فيتّفقون سويّاً على الذهاب إلى مكان "خبيئة الكهنة" حيث تتطور المواجهة إلى اشتباك بيْنهم - بعد أن استيقظ ضميرهم - وبيْن المُهرِّبين، وتصلُ قوّات حرس الحدود والآثار في اللحظات الأخيرة بناءً على إشارةٍ أرسلها "يونس"، ثم أُلقيَ القبضُ على "عطيّة" وأُودِعَ المُعتَقَل لحينَ محاكمته. 

تُنقل التوابيت والمقتنيات هذه المرّة عبرَ سيارات تأمينٍ حديثة وقطارٍ سريعٍ مُتجهٍ إلى المتحف الكبير بـ"القاهرة"، ويقف "يونس" على أطراف الجبل، ينظرُ إلى النيل، ويرى انعكاس طيْف جدّه "ونيس" يبتسم له من بعيد.

*****

وبعد مرور فترةٍ من الوقت كان "يونس" - بعدَ عوْدته سالماً من الصعيد - في إحدى قاعات المتحف الكبير يُتابع سيْر العمل عندما شاهدَ طفلاً صغيراً يدخُل إلى تلك القاعة مع مجموعةٍ من زُملائه.

وقفَ الطِفل أمام إحدى المومياوات الراقدة داخل صندوقٍ زُجاجي، وشاهدَ بجوارها صورةً اُلتُقِطَتْ يوْم استخراجها وأشار الطفل إلى عددٍ من العُمّال الصعايدة بزيّهم المعروف والذين كانوا يٌنّقِّبون عن الآثار تحت إشراف بضع خُبراءٍ أجانب فسأل معلّمته بصوْتٍ عالٍ سمعه "يونس":

  • همَّ الناس اللي لابسين جلاليب دول حراميّة آثار؟

فقالت المُعلّمة وهي تبتسم:

  • مش كُلّهم .. فيه منهم كان بيحرُس الآثار دي.

  • والباقيين؟

  • الباقيين عرفوا غَلَطهم واتعلّموا إن حماية التاريخ أهم من امتلاكُه.

لم يفهم الطفل ما تعنيه المُعلّمة فسألها بطريقةٍ أُخرى:

  • يعني خلاص؟ .. ما بقاش فيه آثار بتتسرِق؟ 

  • للأسف لِسّه فيه سرقة وتهريب للآثار.

  • طب ليه؟

  • علشان الآثار ما بتحميش نفسها .. إحنا اللي لازم نحميها.

رفعَ الطِفل كتفيْه غيْر مكترِثٍ أو غيْر مُقتنِع، وأكملَ مسارَ جوْلته حتى خرج من القاعة وبرأسه تعتملُ أفكارٌ لا تكتمل وتدورُ أسئلةٌ لا جوابَ لها تاركاً تلك المومياء التي وقفَ عندها وهي وحيدةٌ .. ساكنةٌ .. صامتة .. لكنها بَدَتْ - للحظةٍ - وكأنها تفتحُ جِفنيْها وتنظر للجميع بنظرةٍ لائمةٍ مليئةٍ بالعِتاب .. ولم يلحظ أحد أن دمعةً قد ترقرقت من جانب إحدى عيْنيْها!

وكأن السنين التي أُحصيَتْ ذات ليْلةٍ لم تنتهِ بعد .. بل تُعادُ دوْماً من بعض "الغوْغاء" الذين يتعجّلون فيُخطِئون في تقدير العَدِّ كلَّ مرّة!



(لم تتم بعد .. وتتوالى الأحداث)

google-playkhamsatmostaqltradentX