خبر
أخبار ساخنة

أفلام كمالة | د. أحمد صادق | فيلم "المومياء" (1)


أفيش فيلم المومياء بطولة أحمد مرعي ونادية لطفي وتأليف وإخراج شادي عبد السلام

فيلم "المومياء" (1)



نبذة:

  • اسم الفيلم: "المومياء" (ليلة أن تُحصَى السنين).

  • تم إنتاجه عام 1969 وعُرِضَ في المهرجانات بين عامي 1969 و1975، بينما تأخَّر عرضه الجماهيري في مصر إلى 27 يناير 1975، بعد تردُّدٍ كبيرٍ بشأن مدى ملاءمته للعرض التجاري.

  • اللغة: العربية (بالفصحى المُبسَّطة والشاعريّة)

  • تصنيف الفيلم: دراما تاريخية / فلسفية / وثائقية إنسانية.

  • الأهمية السينمائية: اختارته منظمة اليونسكو والعديد من النُقّاد ضمن أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما العالمية، وهو الفيلم الروائي الطويل الوحيد لمخرجه.

  • استند شادي عبد السلام إلى واقعة حقيقية مرتبطة باكتشاف خبيئة المومياوات الملكية في الدير البحري سنة 1881؛ إذ كانت بعض أفراد قبيلة في صعيد مصر يعرفون موقع المقابر الملكية ويتوارثون سرها ويبيعون ما يستخرجونه منها إلى تجار الآثار.

  • لا يقدم الفيلم المغامرة الأثرية بوصفها غايته الأساسية، بل يستخدم هذه الواقعة التاريخية لطرح أسئلة أعمق حول الهوية المصرية، والارتباط بالماضي، وملكية التراث، والصراع بين الموروث والعقل، وبين الجماعة والفرد.

طاقم الإبداع: 

  • تأليف وإخراج: شادي عبد السلام (سيناريو وحوار وحركة).

  • إنتاج: المؤسسة المصرية العامة للسينما بدعم ورعاية المخرج العالمي روبرتو روسيليني (Roberto Rossellini).

  • مدير التصوير: عبد العزيز فهمي.

  • المناظر/ التصميم: صلاح مرعي.

  • الصوت: حسن التوني.

  • موسيقى تصويرية: الموسيقار الإيطالي ماريو ناشيمبيني (Mario Nascimbene).

  • ديكور وملابس وتكوين بصري: شادي عبد السلام (تصميم دقيق ومُستَوْحى من الفن المصري القديم).

  • مونتاج: كمال أبو العلا.

الشخصيات الرئيسية والتأطيريّة:

1. الشخصيات الرئيسية:

  • وَنِيس (أحمد مرعي): الشخصية المحورية في الفيلم، وهو شاب من قبيلة «الحربات» يجد نفسه فجأة أمام سرٍّ ثقيل ورثته القبيلة عن أجدادها، ويمثل ونيس الجيل الجديد الذي لم يعد قادرًا على قبول الموروث لمجرد أنه موروث، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع التخلص منه بسهولة؛ ولذلك يعيش صراعًا داخليًا بين الولاء لأسرته وقبيلته وبين ضميره وإحساسه بقيمة التراث الذي يُنهب.

  • الشقيق الأكبر لـ"ونيس" (أحمد حجازي): يشارك في الصراع الذي ينشأ داخل الأسرة بعد وفاة الأب، يمثل الرفض المطلق للسرقة والنهب، ويكشف موقفه عن خطورة مواجهة النظام التقليدي للقبيلة فيكون مصيره القتل على يد أعمامه لحماية السِّر، ممّا يدفع "ونيس" للاختيار.

  • الأم (زوزو حمدي الحكيم): تمثل عالم الأسرة والتقاليد والروابط القديمة، وتأتي شخصيّتها ضمن الإطار الإنساني الذي يحيط بصراع ونيس.

  • العم وأبناء العمومة والقبيلة (عبد المنعم أبو الفتوح وغيره): ويجسَّدون سلطة التقليد واستمرار النظام القديم؛ فالسر بالنسبة إليهم ليس مجرد سرقة للآثار، وإنما إرث عائلي ومصدر للعيش انتقل إليهم من الأجداد، ولذلك فهم يمثلون حُرّاس "التجميع والتجارة"، حيث يرون في سرقة الآثار حقاً طبيعياً لمصدر رزق القبيلة وتاريخها الخاص.

2. الشخصيات التأطيريّة (الممثلة للسلطة الخارجية والغرباء):

  • أحمد كمال (محمد خيري): مأمور مصلحة الآثار في القاهرة، يمثل السلطة والنظام والمؤسّسة العِلميّة الرسميّة، وهيَ التي تسعى لاكتشاف المقابر من أجل الكشف عن الحقيقة وحماية الآثار.

  • تُجّار الآثار: أيوب (شفيق نور الدين) ومراد (محمد نبيه): اللذان يعملان كوسيطيْن بين أبناء القبيلة ومُهرّبي الآثار الأجانب الذين يشترون القطع الأثريّة لتهريبها للخارج، وهم جميعاً (الوسطاء والمهرِّبون) يُمثّلون الاستغلال المادي للتراث التاريخي الحضاري الذي يتحوّل إلى سِلعة تجاريّة في سوقٍ غيْر مشروعة.

  • الغجرية زينة (نادية لطفى): غجرية تعيش على هامش القبيلة والمكان ولكنها ترتبط بالعالم الخارجي للقبيلة، وترمُز للغُرباء الطُفيْليّين والوسطاء في بيْع التاريخ، وظهورها يضيف بُعداً إنسانيّاً وعاطفيّاً إلى العالم القاسي والمُغلَق الذي يعيش فيه ونيس.

وبذلك لا ينقسم الفيلم ببساطة إلى "لصوص" و"شُرطة"، بل يضع أمامنا ثلاثةَ عوالِمَ مُتصارعة:


القبيلة والموروث ← الفرد وضميره ← الدوْلة والعِلم وحماية التُراث.

ملخّص الأحداث:

تجري الأحداث في صعيد مصر خلال القرن التاسع عشر، في أجواء مرتبطة بواقعة حقيقية سبقت اكتشاف خبيئة المومياوات الملكية سنة 1881.

تعيش قبيلة "الحربات" بالقرب من الجبل في صعيد "مصر"، وقد توارث أفرادها سِرّاً خطيراً: معرفتهم بمكان مقابر ملكيّة قديمة تحتوي على مومياوات وكنوز فرعونية، وعلى مدى أجيال كان رجال القبيلة يستخرجون مُحتويات المقابر ويبيعونها إلى تجّار الآثار.

تبدأ الحكاية بوفاة شيخ القبيلة، فتنتقل المسؤولية إلى الجيل التالي فيكتشف ابناه (ونيس وشقيقه) ذلك السِر ويجدان نفسيْهما أمامَ إرثٍ لم يختاراه.

يرفض الشقيق الأكبر المشاركة في هذه الخيانة للتاريخ، فيقتله أعمامه ويُلقونه في النيل، فيجد ونيس نفسه وحيداً، مُمزَّقاً بين الولاء للقبيلة وعُرْف الأباء الذين يرون أن هذه الآثار مجرّد بضائع تجاريّة، وبين الحقيقة الأخلاقيّة والإحساس بأن هذه المومياءات هيَ أجداده وحضارته وذاكرة تاريخ وطنٍ كامل. 

وهكذا ينتقل الصراع من مجرد خلاف عائلي إلى سؤال حضاري وأخلاقي كبير: "هل يكون الإنسان وفيّاً لموروث أجداده مهما كان خاطئاً، أم يكون وفيّاً لقيمٍ أعمق تتجاوز الجماعة والأُسرة؟".

وهُنا فإن الفيلم - في جوهره - لا يهتم فقط بكيفية العثور على المقبرة، بل يهتم أكثر بالرحلة الداخليّة التي يقطعها ونيس للوصول إلى قراره، وهذه هيَ النُقطة التي تجعل فيلم "المومياء" مُختلفاً عن أفلام المُغامرات الأثريّة التقليديّة.

وبعد صراعٍ نفسيٍّ عصيب، يقرر "ونيس" كَسْر صمت القرون، ويتجه إلى هيْئة الآثار في القاهرة ليُبلِغ عن مكان الخبيئة.

وينتهي الفيلم بقدوم الباخرة النيلية التابعة لمصلحة الآثار لنقل المومياءات إلى القاهرة في مشهدٍ جنائزيٍّ مَهيب وشديد الشاعريّة، بينما يقف أبناء القبيلة يُراقبون خروج تاريخهم مسلوباً من أيديهم، وسط نظرات ونيس المُمتلئة بالأسى والحقيقة.

الأفكار والقضايا: 

يناقش الفيلم مجموعة من القضايا الوطنيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة التي ما زالت تفرض نفسها على "مصر" حتى عصرنا الحاضر:

  1. الهوية والتاريخ: 

طرح سؤال جوهري حول لمن ينتمي التاريخ؟، هل ينتمي للقبيلة التي تعيش فوقه، أم للأُمّة بأكملها؟

  1. صراع الأجيال بين الأصالة والحداثة وبين القداسة والسِلعة وبين شرعنة الموْروث وتجريم المُستحدَث: 

فهو يُجسِّد التوتُّر بين العُرف الخاطئ لأفراد القبيلة (الذين يؤمنون بأن الآثار هي سِلعةٌ يملُكُها مَن يعثُر عليها أو يرِثُ سِرَّها ويؤمنون بأن تهريب الآثار ليس جريمةً لأنه موْروثٌ مُقنَّنٌ منذ أجيال) والمفهوم الحديث للدولة والوعي التاريخي والحِفاظ على الآثار (الذي يفترض أن الآثار هيَ ملكٌ للجميع لأنها تمثل تاريخ أُمّةٍ وحضارة ويجب حمايتها في متاحفَ مخصوصة وأن أيَّ اعتداءٍ عليها هو جريمةُ اعتداءٍ على ذاكرة الوطن).

  1. البَعث والخلود: 

استحضار مفهوم البعث عند المصريين القدماء؛ فالفيلم ليس فقط عن استخراج الجثث، بل عن "بعث" الوعي المصري الحديث والتصالُح مع الذات، حتى اسم الفيلم له دلالةٌ فلسفيّة فـ"المومياء" هي إنسانٌ ماتَ منذ آلاف السنين، لكنه ما زال حاضراً في العالم وله أيضاً حقوق.

  1. الأخلاق والمسؤولية الفردية(صراع الفرد مع الجماعة): 

موقف "ونيس" يطرح فكرة التمرد الفردي من أجل الحق والضمير، حتى لو كان الثمن مواجهة مجتمعه وأهله.

  1. استغلال التراث: 

تسليط الضوء على تهريب الآثار واستغلال الجهل والفقر لمحو الهويّة الوطنيّة لصالح تجار الآثار الأجانب الأغنياء.

لغة الفيلم البصرية:

من الصعب الحديث عن فيلم "المومياء" دون الحديث عن الصورة.

فالفيلم لا يعتمد على الحوار وحده في سرد قصته، بل يستخدم الصورة والتكوين واللون والحركة والمكان باعتبارها عناصر درامية أساسية، وهذا طبيعي في عمل أخرجه فنان كان شديد الاهتمام بالفنون التشكيلية والعمارة والملابس والديكور.

تظهر في الفيلم ثنائيات بصرية وفكرية متكررة:

الجبل / الوادي.

الماضي / الحاضر.

الظلام / النور.

الموت / الحياة.

الفرد / الجماعة.

الموْروث / الوعي الجديد.

التُراث / التجارة.

وهذه الثنائيات تجعل الصورة نفسها تحمل جزءاً كبيراً من معنى الفيلم.

وقد وصف مهرجان كان الفيلم بأنه يستند إلى قصة اكتشاف المومياوات الملكية، مع تركيز واضح على المعضلة الأخلاقية التي يواجهها ابنا شيخ القبيلة.

قيمة الفيلم في تاريخ السينما:

يمثل فيلم "المومياء" حالة استثنائية في السينما المصرية؛ فهو ليس فيلماً تاريخيّاً تقليديّاً، ولا فيلم مغامرات عن المقابر الفرعونية، وإنما فيلم تأمُّليٌّ فريدٌ عن الإنسان المصري وعلاقته بماضيه.

ويكمن تفرّده في أن شادي عبد السلام جعل التاريخ موضوعاً فلسفيّاً وجماليّاً، لا مُجرّد ديكورٍ للأحداث.

ولهذا ظل الفيلم حاضراً في تاريخ السينما العالمية، وأُعيد ترميمه لاحقاً، وعُرِضَ ضمن "أفلام مهرجان كانْ الأيقونيّة" (Cannes Classics) عام 2009.

كما أن تأخُّر عرضه الجماهيري المصري يُفسِّر جُزئيّاً لماذا ارتبط الفيلم طويلاً بفكرة "التحفة التي سبقت عصرها"؛ فقد أُنجِزَ عام 1969، لكن الجمهور المصري لم يشاهده تجاريّاً إلا في 1975.

الخلاصة:

يمكن اختصار «المومياء» في جملة واحدة:

إنه فيلمٌ عن شعبٍ يُحاولُ أن يكتشف كيف يتعامل مع إرثه؛ فالمقبرة التي تبحث عنها الشخصيّات ليست في النهاية سوى رمزٍ لذاكرة مصر، وونيس ليس مجرد شاب من قبيلة، بل إنسان يقف بين ماضٍ ورثه ومستقبلٍ يُريدُ أن يختاره.

ولهذا فإن القيمة الحقيقية للفيلم لا تكمن في قصة سرقة المومياوات وحدها، وإنما في السؤال الذي يظل مفتوحاً بعد انتهاء الفيلم: "ماذا نفعل بتراثنا: نبيعه، أم نحميه، أم نفهمه أولاً؟".



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX