وانعقدت المحكمة في الظلام .. وكانت البراءة (2)
وعندما طلَّقَ الملك زوجته كاترين قرَّرَ أن يتزوَّج آن بولين وهي بروتستانتيّة .. وثارت الكنيسة الكاثوليكيّة .. ولكنه أصر .. وانفصلتْ الكنيستان .. وتزوَّجها سِرّاً .. ثم أعلن زواجهما يوم ٢٥ يناير سنة ١٥٢٣.
وأدركت آن بولين أن الزواج من أي ملكٍ أمرٌ سهل، ولكن الحياةَ معه وقبول هذه الحياة هوَ الصعب .. وأن الملكَ الذي تحدَّى الكنيسة والشعب مرّة، لقادرٌ على أن يفعلَ ذلك ألفَ مرّة .. ولم يكن هذا الاستنتاج خطأ.
ولم تُنجِبْ له آن بولين الولدَ الذي يُريده .. بل إنها انجبت ولداً ميّتاً .. وصادف ذلك مرور سنة على وفاة الملكة السابقة كاترين !
وما دامت لم تُنجِبْ الولد، فمعروفٌ أمرُها .. فلن يصبرَ الملكُ عليها طويلاً لإنه في حالة حربٍ مع كل الناس .. ويريدُ أن يبقى العرشُ في بيْته أو في دمه .. إذن .. نهايتُها معروفة، ولذلك كانت عصبيّةً جداً .. وكانت تصرُخُ في الليْل .. وكان إذا ذهب إليها الطبيب قابله الملك وهو يقول:
هه .. طبعاً لم تمُت.
ويقولُ الطبيب:
لا يامولاي!
وكان الملكُ يضحكُ قائلاً:
الرجالُ فقط هم الذين يموتون .. أمّا النساء فيجبُ أن يقتلَهُنَّ أحد .. لو تُرِكْن هكذا فلن يمُتن!
ثم يقول:
ليست هذه الحِكمة موجودةً في كُتُب الطِب .. ولكنها من صميم الدستور السِرّي لكل ملوك العالم يا دكتور!
ويبدو أن هذه الملكة آن بولين قد وثقت من نفسها أكثر ممّا يجب .. واستهانت بالملك أكثر مما يجب .. وهذه أكبر غلطةٍ يقعُ فيها المغرور عادةً .. أن يرى نفسه كل شيء، ويرى غيره لا شيء .. فهيَ شديدة الذكاء وعرفتْ نُقطة الضعفِ عند الملك ونسيَتْ نُقطةَ الضعف عندها: إنها مغرورة.
ولذلك كانت تغارُ على الملك وتبعثُ الجواسيسَ وراءه .. وفوجئ الملكُ بأن عدداً من فتيات الحاشية ورجالها قد اختفوا .. أو ماتوا .. إن الملكة هيَ الأُخرى أصبحت تفعلُ ما يفعله .. ولمّا علمتْ آن بولين أن زوْجَها يخونها - وهذا طبيعي - راحت هيَ الأُخرى تخونه .. فقد أعطت لنفسِها نفسَ حقوق الملك .. هوَ خائن فهيَ خائنة .. هوَ يهينها هيَ تهينه في نفسها وفي جسمها وفي فراشه وفي بيْته ومع رجاله، وكان هذا هوَ الخطأ الثاني الذي وقعت فيه .. لقد أعطت الملك كُلَّ حيْثيّات الحُكم عليها:
فهيَ لم تنجب الولد .. ثم إنها عصبيّةٌ مغرورةٌ مُعقَّدةٌ خائنة.
وفي الليْل جاءت نفس الخادمة .. وتسلَّلتْ إلى سرير الملك ولمسته برِفق .. فنهضَ مفزوعاً ووجدها أمامه .. فوجئ الملك بنفس الخادمة .. وكانت مفاجأةً أكبر عندما وجدَ الخادمةَ مرفوعةَ الرأس أمام الملك .. وأدركَ الملك أن في الأمر شيئاً غيْرُ عادي .. صرخ:
ماذا جرى؟
قالت الخادمة:
الآنَ يا مولاي تستطيعُ أن تدافِعَ عن شرفِك!
وقفزَ الملك من السرير .. وسارَ وراء الخادمة .. ووضع أُذُنَهُ على الباب .. إنه صوْتُ آن بولين .. سعيدةٌ للغاية .. وهذا صوْتُ أحد الأُمراء سعيدٌ تماماً .. واختفت الخادمة وقرَّرَ الملك هنري الثامن إعدامَ زوْجته آن بولين وكل عُشّاقِها من الأُمراء والضُباط.
وفي هذا اليوْم قالَ الملك هنري الثامن لزوْجته آن بولين:
اطلبي شيئاً أُحقِّقه لكِ.
فطلبت رأس أحد القساوسة الذين هاجموها .. وقرَّر الملك إعدامه .. وطلبت رأسه على طبق .. وجاء رأس القسيس على طبق .. وأخرجت آن بولين لسانه ثم وضعت فيه خنجراً من الفِضّة .. والخنجر جاءوا به على طبقٍ من الذهب .. وقد اختارت الخنجر من الفضة لأن الدم يبدو عليه أكثر وضوحاً .. أمّا الذهب فلوْنه يُخفي لوْنَ الدم!
وفي اليوْم التالي سألها الملك إن كانت تريدُ شيْئاً آخر، فقالت وهيَ تضحك:
بعد ذلك أستطيعُ أن أشعُرَ كأنني في السماء!
وقال لها الملك:
بل ستكونينَ في السماء!
وفي أحد أيّام مايو الجميلة من سنة ١٥٣٦ صدرَ حُكم الإعدام على الملكة آن بولين .. انتهى .. لا رادَّ لقرار الملك .. ونقلوا إلى الملكة هذا القرار .. وكانت الملكة تتناول طعامها .. فطلبت المزيدَ من الشراب والطعام .. وطلبت إلى إحدى خادماتها أن تُردِّدَ أُغنيةً معروفةً كان الملك يُحِبُّ أن يسمعَها عند ذهابه إلى الفراش .. ولم تستطِع الخادمةُ أن تُغنّي .. فراحت الملكةُ تُغنّي .. وبصوْتٍ مُرتفع .. وأُصيبَ كل رجال القصر بالفزع .. وكان صوْتُ الملكة جميلاً .. وقال بعضُهم:
بل ليس صوتَها .. إن هناك أصواتاً كثيرة.
بل إن بعضهم قال:
سمعنا أصواتَ رجالٍ يُردِّدون وراءها!
ولم تمضِ ساعةٌ واحدةٌ حتى خرجت الملكة في أجمل أزيائها .. كانت ترتدي فُستاناً ورديّاً .. وكانت تضعُ فوْق الفُستان جوباً في لوْن الدم .. أمّا شعرُها فأسودُ فاحم .. وكذلك عيْناها سوْداوان .. وعُنقُها طويلٌ دقيق .. وعلى رأسها تضع بونيه مُرصَّعاً باللؤلؤ.
وعندما تقدَّمت آن بولين من المقصلة كانت تضحك للحُرّاس .. وكانت تُداعبُ الجَلّادَ وهيَ تقول له:
لن أستغرقَ وقتاً طويلاً .. إن الله قد خلقَ عُنُقي لمثلِ هذا اليوْم .. ضربةٌ واحدةٌ وأكونُ هناك في السماء .. كما وعدني جلالة الملك!
أمّا كيف كانت آن بولين تبدو في ذلك اليوْم الرهيب، فإن حاكمَ بُرج لندن - واسمه سير وليام كينجستون يقولُ في مُذكِّراته:
رأيْتُ رجالاً كثيرين يلقون نهايتهم في هذا المكان .. ورأيْتُ نساءً أيضاً .. وكان الحُزنُ بالِغاً على الجميع .. ولكن لم أرَ امرأةً في شجاعة وجُرأة آن بولين وهيَ تقترب من الموْت .. لقد خِفنا من شجاعتها .. لقد استطاعت أن تجعلَنا نفزعُ ونرتَجِفُ كأنها هيَ السيْف وكأنها جاءت لإعدامنا!
