وانعقدت المحكمة في الظلام .. وكانت البراءة (1)
كانَ الليْلُ بارداً، وكانت السحب قماشاً أسود تُمسِكه العواصف وتكنس به الأرض والناس، وكان الحارس في ملابسه القاتمة يدورُ أمام الأبوب، وفجاة توقَّف، لقد سمعَ صوْتاً غريباً، ووضعَ يده على سلاحه واستدار ليجدَ سيّدةً تقترب .. ملابسُها بيْضاء لا تُحرِّكُها الريح، هل هذا مُمكن ؟ .. ولم يشَأ الحارس أن يذهبَ للقاء السيّدة، لقد توقَّفَ في مكانه وانتظرها حتى تجيء .. وحذَّرها، وتنبَّهَ حارسٌ آخر، وراح يرقُب الموْقِفَ من بعيد .
واقتربتْ السيّدةُ أكثر ولم تعبأ بالسلاح المُدبَّب الممدود، ونَفَذَ فيها
السلاح .. ثم مرَّتْ وتوارت .. ولكن الحارسَ سقطَ على الأرضِ ميّتاً، وجاءت رياحُ يوْم ٢٣ يناير سنة ١٨١٧ ودفعته إلى جوار الحائط .. وعند الكشف عليه لم تظهرْ في جسمه أيّة آثار .. ولكن الحارسَ الآخر هو الذي قال أنها شبيهةٌ تماماً بالملكة أن بولين الزوجة الثانية للملك هنري الثامن الذي تُوفّيَ سنة ١٥٤٧.
وسجّلتْ الصُحُفُ والهيْئات العِلمية هذا الحادثَ الغريب على أنه الخوْفُ التقليديُّ المعروفُ في العالم كله من أرواح الموْتى .. ومن الغريب أن الأرواح التي يقولُ الناسُ أنهم رأوها ليست أرواح المجرمين، ولكنها أرواحُ الضحايا .. وهذا غريبٌ أيضاً .. فالقاتل لا يرى الناسَ شبحاً له، وإنما يرون فقط أو يتخيَّلون أنهم رأوا ضحاياه في أشكالٍ مُختلِفة .. وفي أماكنَ مُختلفة .. وفي فتراتٍ زمنيّةٍ مُتباعِدة!
لهذا فالملك هنري الثامن (١٥٤٧ - ١٤٩١) كانَ قد تزوَّجَ سِت مرّات، وأعدَمَ اثنتيْن من زوْجاته، كانت زوْجته الأولى كاترين أرملة أخيه وطلَّقها بعد ذلك .. وجاء طلاقُها مُشكلةً من مشاكل الكنيسة .. أو من مشاكل الكنيسة والعرش .. ولكن الملكَ لم يعبأ باعتراض البابا في روما، وكان حريصاً على أن يُنفِّذَ ما في رأسه وساعده الوزراء على ذلك .. وانفصلت الكنيسة الإنجليزيّة عن الكنيسة الكاثوليكيّة.
وفي هذه الأثناء كان الملك هنري الثامن مُغرماً بفتاةٍ اسمها ماري .. كانت عشيقته .. وكانت ماري ككثيرٍ من النساء لا تُخفي ما يدورُ بيْنها وبيْن الملك .. كانت تقولُ وتُبالغُ في مزاياه وفي هيام الملك بها .. وكان الملكُ سعيداً بهذا التكريم المستمر لجماله وذكائه وقوّته.
وفي إحدى الليالي جاءته خادمةٌ تقول:
تعالَ اسمع!
ولوْ جاءت الخادمةُ في أيِّ وقتٍ آخرَ أو لأيِّ سببٍ آخرَ لقطعَ رقبتَها .. ولكن الملك سارَ على أطراف أصابعه .. ومشى وراء الخادمة .. ووقفَ وراءَ إحدى الستائر وسمعَ ماري هذه تقول:
أن يموتَ الإنسانُ بيْن ذراعيْ الملك؛ هذه هي الجنة.
ثم تضحك ماري وتُكمِل:
ولكن أن يعيشَ بيْن ذراعيْه فهذا هو العذاب .. فإن جلالته لا يعرفُ أن الماءَ قد خُلِقَ للاستحمام!
ولم ينسَ لها الملك ذلك .. وجاءت الخادمة نفسُها وروتْ ما حدثَ لفتاةٍ أُخرى اسمها آن وهيَ أخت ماري هذه .. وكانت آن بولين - وهذا هو اسمها - قد سافرت إلى فرنسا .. وسمعت ورأت وجرَّبت، وقرأت وطبَّقَتْ ما قرأتْ .. وعندها خبرةٌ طويلةٌ عريقةٌ في مُعاملة الرجال .. فكانت تقول:
كلهم متشابهون .. وكل واحدٍ منهم يتصوَّرُ أنه يجلسُ على عرشٍ من الفِتنة .. وأن واحدةً لا تستطيعُ أن تقاومه .. وأنا يُعجبُني الرجُل المغرور .. إنه بالضبط الرجُل الضعيف!
ولم تُضِع آن بولين وقتَها .. وإذا كانت أختُها قد رضيَتْ أن تكونَ عشيقةً للملك فهيَ سوف تذهبُ إلى أبعد من ذلك .. وليس صحيحاً أنها حاولت أن تضعَ السُّم للملكة كاترين زوْجة الملك هنري الثامن .. إن وَضْعَ السُّمِّ أسلوبُ العاجزين، وهيَ ليست عاجزة .. فهيَ لا تريدُ غيْرَ الملك .. وأن يختارها بكامل قواه العقليّة .. وأن يتحدَّى بها الدين والدُنيا .. وليكُن بعد ذلك ما يكون.
ولأوّلِ مرّةٍ يشعُرُ الملكُ أنه أمام فتاةٍ ذكيّة .. وإنها تعرف بالضبط ماذا تُريد وماذا يُريد .. أما الذي يُريده الملك فهو وليٌّ للعرش .. وزوْجته الأولى لم تُحقِّق له هذا الحُلم .. ثم أن زوْجته الأولى لم تعُد تشعُرُ بشيءٍ من الامتنان له لأنه لم يضِف إليها شيْئاً .. كان عندها فلوس قبل الزواج منه والآن عندها فلوس .. كانت أميرةً وكانت ملكة وهيَ الآن ملكة .. ورضيَتْ بسفالة الملك ثم إنها تشعُرُ له بالاحتقار.
ولم يُبدِّدْ الملك وقتَه أو طاقتَه في الحُزن على ما كان وراحَ يبعثُ بخطاباتٍ غراميّةٍ من نار إلى آن بولين .. والخطابات معناها أن المسافةَ بينه وبينها بعيدة .. وأنه في حاجةٍ إلى أن يُحدِّثَها عن نفسه .. عن شوْقه وعن حاجته إليها .. وعن ضيقه بزوْجته كاترين .. ولكن الخطابات لا تكفي .. فما أكثر ما يقوله الملوك .. وما أكثر ما كتبه الشُعراء .. إنها تُريدُهُ زوْجاً لا عشيقاً.
