الكرة السحرية (4)
فقال الرجل العجوز على الفور وهو يهزُّ برأسه موافقًا: «هذا صحيح يا بُني، وشقيقتك لا تزال هناك. والآن جاءنا صديقنا الصقر العجوز الذي يستطيع أن يرى الأشياء البعيدة ويعرف أفضلَ منا.» يقول الصقر العجوز:
«الآن مع البرد الشديد يُصبح تنفسها صعبًا، والنار تهزم برودة الموت وكل الأشياء حتمًا.»
وهكذا قام الرجل العجوز بإعطاء لويس قبَسًا من النار؛ ليعود به إلى شقيقته، ويتمكن من إنقاذها.
وانطلق لويس على الفور وبأسرعِ ما يستطيع مُتوجهًا نحو مكان شقيقته وهو يحمل بيدِه شعلة النار، وقام بقطع المُستنقعات والترَع في خطٍّ مُستقيم كسبًا للوقت. وبعد فترة من الوقت وصل لويس إلى مُستنقع صغير مياهُه ضحلة. وقام بخوض المُستنقَع والماء يتطاير على جانبَيه. كان يُمسك بشعلة النار عاليًا ولكن ليس بما يكفي؛ مما جعل الماء المُتطاير يصل إليها ويُطفئها. وهكذا عاد لويس أدراجَه إلى الرجل العجوز وهو يشعر بحزنٍ شديد وقام بوضع شعلة النار الخامدة أمام قدَمَيه.
قال لويس: «من فضلك أعطني شعلة نارٍ أخرى؛ لأن شقيقتي لا بدَّ أنها تتجمَّد الآن من شدة البرد وحدَها بجانب الصخرة، ومن يدري؛ لعلَّ العجوز وصلَت بالفعل!»
أعطى الرجل العجوز شعلةَ نارٍ أخرى للويس الشجاع الذي انطلق على الفور على طول طريق العودة نحوَ المكان الذي ترك فيه شقيقته، وأخذ يجري بكل طاقته عبر السهول والأراضي الوعرة المليئة بالمُستنقعات، وعبر التلال التي تُغطيها الثلوج كان يتوقَّف خلالها لأوقاتٍ قصيرة يلتقط خلالها أنفاسه، ولكن وللأسف الشديد سقطت شعلة النار من يده بين الثلوج عندما كان يُحاول أن يُحكِم قبضته عليها. وعندما التقطها من بين الثلوج كانت قد تحوَّلَت على الفور إلى قطعةٍ من الفحم الأسود. شعر لويس بألمٍ شديد في داخله، ولم يكن أمامه إلا أن يعود أدراجه مرة أخرى إلى بيت الرجل العجوز ويضع أمامه شعلة النار الخامدة، ويطلُب منه أن يُعطيه عوضًا عنها شعلة نار جديدة للمرة الثالثة.
وقال العجوز: «حسنًا. ها هو صديقنا الصقر العجوز قد أتى من جديد. يجب علينا أن نسمع ما سيقوله لنا.»
أخذ الصقر العجوز يُحلِّق فوق الرجُلَين على ارتفاعٍ مُنخفض وهو يقول:
«أصبح تنفُّس الفتاة الآن أكثر صعوبة، سوف تموت لا محالة خلال الليل من شدة الصقيع.»
وانطلق الصقر العجوز بعدها كالسهم في أعالي السماء حتى غاب عن الأنظار.
وللمرة الثالثة أمسك لويس بقوةٍ بطرَف شعلة النار، وأخذ يجري بكل قوته حول البحيرة ليتوجَّه بعدَها مباشرة نحو الجبل. كان يُمسك بطرف شعلة النار بيده اليُمنى بإحكامٍ وبكل قوته، حتى إنه أخذ يشعر بألمٍ في أصابع يده، ومع ذلك لم يُرخِ قبضة يده أبدًا ولا حتى لثانية، وأخذ يُواصل الجري بكل طاقته يُسابق الريح مثل غزلان البوادي. وصادف في هذه الأثناء وجود طائر الفلامنكو الذي سارع إلى نشر جَناحَيه الكبيرين أمام لويس ليعملا كشراع سفينة. وقام لويس بوضع يده اليُسرى على ظهر الطائر ممَّا مكَّنه من الجري بنفس سرعة الفلامنكو وهو يُمسك بإحكامٍ بظهر الطائر الذي أخذ يرتفع رويدًا رويدًا في السماء لينطلق بعدها كالسهم في الفضاء الرحب. كانت نار الشعلة خلالها تُصيب الطائر في عنقه وصدره حتى أصبح لونهما أحمر. ومع ذلك استمرَّ الطائر في الطيران بأسرع ما يستطيع.
وهكذا واصل طائر الفلامنكو التحليق بشكلٍ مباشر وبأقصى سرعته وهو يحمل على ظهره لويس مُمسكًا بإحكامٍ بشعلة النار حتى تجاوزا الواديَ واقتربا كثيرًا من الصخرة التي كانت ترقد بجانبها نتاليا بدون حَراك. وقام لويس على الفور بإلقاء شعلة النار فوق كومةٍ من الطحالب اليابسة بجوار الصخرة. وأخذَت ألْسِنة النيران على الفور تتراقَصُ فوق الصخرة وتُمزقها إلى مئات القطع المُتناثرة وهي تُصدِر أصواتًا مُرتفعة. وهكذا تلاشت قوة الساحرة العجوز في جبال الإنديز بعد أن زال تأثيرُ تعويذاتها الشريرة إلى غير رجعة. وتحرَّرَت نتاليا على الفور من عِقالها. وقامت برفقٍ بلمس عُنق وصدر طائر الفلامنكو بيدَيها الناعِمتَين والباردتَين ليزول عنهما معظمُ الأذى الذي لحق بهما من شَعلة النار، ولكن بقي على صدره شيءٌ من الاحمرار منذ ذلك الوقت وحتى هذا اليوم.
وبالنسبة إلى نتاليا وشقيقها لويس فقد عاشا لسنواتٍ طويلة جدًّا في الوادي الأخضر حيث كان يتجمع حولهما الكثيرُ من الطيور التي كانت تلعب طوال الوقت وتعتني بصغارها بجوارهما، وبقِيَت الأحداثُ المُرتبطة بكرة الساحرة العجوز مجردَ ذكرياتٍ عابرة كانت تتلاشى في ذاكرتهما يومًا بعد يوم.
