امرأة مخدوعة (3)
وكانت
الأُسرةُ الثانية تقطُنُ في الشقّة المُواجهة.. وربُّها مُدير مُستخدمي إحدى الوَزارات..
وهو مُتَّهمٌ دائماً من زوْجته - إن صِدقاً وإن كذباً - بأنه يوشِكُ إن يتزوَّج
امرأةً أُخرى.
أما الأُسرتان الباقيتان، فإحداهما تقطُنُ
أمامنا في الطابق الثاني والأُخرى تقطُنُ فوْقنا في الطابَقِ الثالث، كانت إحداهما
- وهي التي تقطن أمامنا - مُكوَّنةً من مُحامٍ شاب يمُتُّ إلى زوْجي بصِلَة قَرابة..
وزوْجةٍ لَعوبٍ برّاقةٍ فاتنة تميلُ بسليقتها إلى الخَلاعة والتبهرُج، ولم يكُن هُناكَ
رجُلٌ من أهل العمارة لا يبادلها البسمات والتحيات سوى زوْجي.. فقد كان يشمئزُّ من
مرآها.. وكان يَوَدُّ لو استطاع أن ينصحَ قريبه حتّى يردِعَها أو يُطلِّقَها، فقد
كان يراها وَصمةً في جَبين العائلة وجُرثومةً فتّاكة، ولكنى كنتُ أصُده عن رغبته
وأرجوه ألّا يتدخَّلَ فيما لا يعنيه، كنتُ أقولُ له هذا عن اعتقادٍ جازم.. فقد كنتُ
أُحسِن النيّةَ بالمرأة.. حتى بدأتُ أحسُّ ذاتَ يوْمٍ بأنها جادّةٌ في عبثِها.. وأن
هُناكَ علاقةً بينها وبين رب الأسرة التي تقطن أعلانا.. وهوَ طبيبٌ ضابط.
وفي
ذاتِ يوْمٍ أقبلَ زوْجي على البيْتِ وقد تجهَّمَ وجهُه وبدا كأن في صدره ثورةً
تعتمل وغضباً يستعر (يشتعل).. وسألته عمّا به فأجابَ بلا شيء.. ولكنى رأيْتُ أنه يُجاهدُ
في كَبْتِ غضبه.. فألحَحْتُ عليه، وأخيرا وضَّحَ لي الأمرَ قائلاً إنه قد تأكَّد بنفسه
أن زوْجةَ قريبه امرأةُ سوء.. وأنه لا يستطيعُ الصبرَ على عبثِها ولا يُطيقُ أن يدعها
تجعل من الدار ماخوراً وتُلوِّث شرفَ زوْجها الغبي الحِمار.
ولم يكُن ميعادُ حضورِ زوْجها قد حل، فقد كانت
الساعة السابعة مساءً ولم يكُن يحضر قبل العاشرة.. ووجدَ زوْجي أن خيْر فُرصةٍ ينتهزُها
لتوجيه نصيحته للمرأة العابثة هي هذه الساعة.. فذهبَ يطرُقُ بابَ الشقّة، وكان أقصى
ما أخشاه أن يتهوَّرَ زوْجي في غضبه.. فإنه رغم هدوئه وحِلمه وسَعة صدره.. كان إذا
غضب نسيَ نفسه، وخرجَ عن وعيه.
وبدأتُ
أندمُ على تركه يزج بنفسه فيما لا يُمكِنُ أن يعودَ عليه إلّا بالشَّر.. ما لنا
ولغيرِنا!.. ثم هناك أمرٌ
آخر: أليس من المُحتَمَل أن يعودَ زوْجُها فجأة فيندفعُ زوْجي في غضبه ويقصُّ عليه
جليّة (حقيقة أو جوْهر) الأمر، ومَن يدرى ربما ثار زوْجها فقتلها وقتله وقتل نفسه.
وأخذَتْ
الوساوسُ تصطخب (تزدحم في صخب) في رأسي وتملَّكني على زوْجي قلقٌ شديد.. وخُيِّلَ إليَّ
أن غيْبته قد طالت، ووجدتُني مكروبةً (في كربٍ وحُزن) فذهبتُ لاهثةً لأطمئنَ عليه،
وطرقتُ البابَ طرقةً خفيفةً فلم يُجِب أحد.. ووجدت أن البابَ غيْرَ مُغلَقٍ بالمِزلاج،
فدفعته دَفعةً خفيفةً فانفتح، ودخلتُ إلى الصالة وأنا في غمرةٍ من القلق والاضطراب
ووقفتُ في منتصف الصالة الخالية ٠. أُديرُ البصر يميناً ويساراً دون إن أجد أحدا..
وزادت في نفسي الوساوس، ووجدتُني أندفِعُ بلا إرادة إلى أقرب حُجرةٍ إليَّ فافتح
بابها وأدلف منه، ولا أظنني أستطيع قط أن أصف لك مبلغ دهشتي وارتياعي (صدمة خوفي)
وأنا أقف في الحُجرة أُحملِقُ في المنظر الذي رأيْت فيها: لقد رأيْتُ آخر ما يُمكِن
أن يخطُرَ على بالي.. رأيْتُ
الاثنيْن وقد ضمَّهما فِراشٌ واحد!
مَن
يُصدِّق هذا؟!.. زوْجي الأمين الطيّب الوفي، الذي كان يشمئزُّ من المرأة، والذي كنتُ أخشى عليه من أن يقتلَها من فرط كُرهه لها..
ينهارُ أمامها بمثل هذه السُّرعة؟.. أهكذا تتطاير المبادئ والإخلاص في غمضة عيْن
أمام جسدٍ عارٍ وجيفةٍ نَتِنة؟!.. أهكذا الرجالُ يا سيدي؟!.. كلهم كالكلاب.. مهما
حَسُنَ نوْعهم وكرم أصلهم.. لا يتورَّعون عن أن يدسّوا أنوفهم في أقرب كوْمٍ
للقمامة يلوحُ لهم.
أني
أكتبُ إليك من بيْتِ أبى، فأني لم أستطِع أن أبقى لحظةً واحدةً مع الرجل الخائن
الغادر.
أني
أحس بأن أملي في الحياة قد ذَرته (بعثرته وشتّتته) الرياح، وأشعر أن كرامتي قد خُدِشت؛
بل سُحِقَتْ، وأني مُصمِّمةٌ
على طلب الطلاق.. مُصمِّمةٌ على ألّا أعودَ إليه قَط، ولكن يطوفُ بذهني بين آونةٍ
وأُخرى ذلك السؤال الذي سألتُك إيّاه في بادئ الأمر: أكُل
الرجالِ كذلك؟.. من نفسِ المعدن الخبيث والطينة القذرة؟.. أجِب بصراحة، أهناك أملٌ
- فيما لو انفصلتُ عن زوْجي - أن أُصادفَ بين الرجال مَن هو أطيبُ عُنصُر؟!..
أهناك رجاءٌ في مُستقبلٍ أفضل؟.. أم أنكم كلكم كذلك؟
أجبني
يا سيّدي: أكلكم كذلك؟
المُخلصة "....."
*****
سيّدتي العزيزة:
أجل..
كلنا كذلك.. كلنا تماماً
كما وصفتِ.. نفس المعدن الخبيث والطينة القَذِرة.. ماذا أقول لكِ.. وقد رأيْتِ إن زوْجَكِ المثالي الذي
قُلتِ عنه كل ما قُلتِ.. قد تهاوى عند أوّلِ تجرُبةٍ أُُلقيَ به فيها؟
أنا
لا أعرف بالضَبطِ ماذا فعلَتْ به المرأة؟.. ولا ما نوْعها؟.. وإن كنتُ أستطيعُ أن أُخمِّن،
وأستطيعُ بناءَ على التخمين أن أُجزمَ بأني أنا أو غيْري، ما كُنا نستطيعُ المُقاومة
لوْ كُنّا مكانَ زوْجكِ، وإن كان ذلك لا يمنع من أن نكونَ أشدَّ من زوْجكِ حذراً..
فلا نتركُ البابَ مثلاً غيْر مُغلَقٍ بالمِزلاج.
يجب
أن تعلمي أن أمثالَ هذه المرأة التي أوْقعت زوْجكِ كما أوقعتْ غيره.. هي أشبه
بالسبيل الذي يشرب منه كل عابر سبيل.. أو بالطوبة المُلقاة على قارعة الطريق يقرعها كل
سائرٍ بقدمه.. فلا يكادُ
يتجاوزها حتى ينساها، اللهُمَّ إلّا إذا كان غاوياً للطوب.
عودى إلى زوْجِكِ يا سيّدتي، فإن كل ما يجب عليك
عمله هو أن تترُكي تِلك الدار الموبوءة وتبتعدي بزوْجكِ عن منطقة الخطر.
المخلص "....."
*****
سيّدي
العزيز:
لا
أمَلَ هُناك في عودة، ولا رجاءَ في صُلْح.. لقد اتَّضح لي أن هذا الزوْج المِثالي..
كان أوّل الناس صِلةً بالفاجرة.. وأن غضبه لم يكُن غيرةً على الفضيلة والشرف، بل
غيرةً على المرأة من بقية الرُفقاء.
يا للرجال الخادعين الخَونة.
المخلصة "....."
