خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | امرأة مخدوعة (2)


سيدةمنزل أو ربة بيت تقف في مطبخ نظيف تطبخ لزوجها الطعام وهي سعيدة

امرأة مخدوعة (2)

 

 

وبدأنا الحياةَ معاً، في شقّةٍ في إحدى عمارات مصر الجديدة القائمة على أطرافها والتي لا تزيد شُققها على سِت أو سبع.. وأخذنا نُنسِّق الأثاث في الغُرف ونرُص الأُصَص في الشُرفات حتى بدت الشقّة المُتواضعة ذات الثلاث غُرف وكأنها قصرٌ مَنيف، وأحسستُ فيها بحلاوة الاستقرار والهدوء.

 ومرت بي الأيام تحمل لي مزيداً من هدوء ومزيداً من استقرار، وتكشِف لي البَخْت المُخبّأ.. يملؤني رضا وهناء.. وبِتُّ أشعرُ أني امرأةٌ موفّقةٌ سعيدةُ الحظ.. فقد وجدتُ في زوْجي إنساناً لا تطمعُ المرأةُ في خيْرٍ منه.

لقد غيّرَ الزواج نظرتي في الزوْج.. فقد كنتُ - وأنا فتاة - أرى الزوْجَ المثالي في رجُلٍ طويلِ القامة، عريض الصدر، حلو التقاطيع، جذّاب الملامح.. كنتُ أراه خليطاً مُحبّباً من نجوم السينما.. يملك عربةً فخمةً يُجلِسني فيها بجواره ويحملني بها كل يوم لنجوبَ الطُرُقات حتى يستقرَّ بنا المقام في بُقعةٍ خلويّةٍ نتناجى فيها ونتبادل أحاديث الهوى.. ثم يعود بي في النهاية إلى فيلّتنا الأنيقة المليئة بالخَدَم والحَشَم.

تلك كانت أوْهامي، وأنا فتاةٌ أحيا على عَذْب الأوْهام، فلمّا تزوّجتُ علّمتني التجربة إن أوهامي كانت عبثَ صبيّةٍ وأرتنى إن الزوْج المثالي شيءٌ آخر لا صلة له بما كنتُ أتخيّل، وانه لا ضرورةَ هُناك لأن يكونَ عريضَ الصدر ممدود القامة، ولا ضرورةَ أن يكونَ صاحبَ عربةٍ أو صاحب فيلّا، بل أهم من ذلك كله.. أن يكون شريكاً جيّداً.

إن الزوْج المثالي هوَ الشريكُ الذي يقوم بنصيبه في الشركة الزوْجيّة خيْر قيام.. ولا أظُن أن هُناكَ شركةً يمكن أن تُفلِحَ أو يقومَ لها بناءٌ على غيْر الحُب والوفاء والثِقة المُتبادلة، وحُسن التفاهُم.

إن الزوْجة بعد الزواج لا تتأمّل كثيراً تقاطيع زوْجها، ولا تقضى الساعات في قياس طوله أو عرضه.. ولكنه يُسعِدها جداً أن يدخلَ عليها الزوج ببسمةٍ حلوة ووجهٍ بشوش، وأن يُشعِرها أنه لم ينسَ التوافه التي طلبتها منه، وإن ينظر إليها بعيْن الرِضا.. كأنَّ الأرضَ لم تُنبِتْ خيْراً منها.

يُسعِد الزوجة أن يكون هناك توافق في المشارب (الميول والاتجاهات) بينها وبينه.. وأن يكون هُناك تماثلٌ في الطباع، وإن يُحب ما تُحب ويكره ما تكره، إن الزوْج المثالي هو الذي يجعل من زوْجته وبيْته بُغيته (هدفه وغايته) في الحياة.. والذي يشعُر مُخلِصاً أنهما خيْر ما يُسبِّبُ له السعادة والهناء.. فهو يقصُدهما قريراً راضياً، الزوْج المثالي هو الذي لا يفور ولا يثور لتوافِه الأمور، والذي يتغاضى عن هنّات (أخطاء أو عيوب صغيرة غير مقصودة) الدار ويلتمس الأعذار.

 هكذا أضحى الزوْجَ المثالي في نظري بعد إن تزوجت وهكذا أيضاً كان زوْجي، أفلا يحِقُّ لي أن أحمِدَ اللّٰه وأن أعتبرَ نفسي امرأةً سعيدةَ الحظ؟

ومن طبيعة الإنسان في هذه الحياة أن يتعوَّدَ منها الشيء الطيّب حتى يَضحى لديْه غيْر ذي قيمة.. وأن يتعوَّدَ النِعمة فلا يعودُ يحسُّ بها نِعمة.. بل يراها أمراً طبيعيّاً.. ولا يعودُ يشعر منها بلذّةِ النِعمة.. ولا يُفكِّرُ قَط في إن يحمدَ اللّٰه عليها، بعد أن اعتادها حتى نسيَها، ولكني لم أكُن كذلك.. لا لميزةٍ فيَّ عن بقية البَشر.. بل لأني كنتُ أجدُ دائما ما يُذكِّرني بما أنا فيه من نِعمة.. فلم أعتَدها ولم أنسَها قط.

إن المقارنة هي الأصل في إحساسنا بالمُتعة أو الشقاء، فنحن إذا أحسَسْنا بالشَبَع ثم رأينا كل مَن حوْلنا شبعان لم نحسْ كثيرَ مُتعة.. وإذا أمسكنا رغيفاً ووجدنا مثله في يد كل إنسان لم نشعرْ بميزة الرغيف، ولكننا إذا ملكنا الرغيفَ ورأيْنا الناسَ حوْلَنا يتضوّرون جوعاً ويتلهّفون على الكِسرة أحسسنا بنعمة الرغيف وعرفنا قيمته.

إن ثوْب البَفتة (نوع قماش رخيص) الذي نرتديه قد نحس به نعمة.. وقد نحس به نقمة.. وقد لا نحس به.. إننا نراه نِعمةً لو خفضنا البصر إلى غيْرنا من الحُفاة العُراة، ونقمةً لو رفعنا البصر إلى لابسي الخز (قماش فاخر مغزول من الحرير والصوف) والديباج (قماش الحرير الطبيعي).. ولا نحس به أبداً لو نظرنا إلى سوانا من لابسي البَفتة والدمّور (قماش شعبي رخيص).

 ولقد كنت دائما أحس أني كاسيةٌ وسط عُراة وريّانة (مرتوية) بين ظمأى (عطاشى).. كنتُ أحس أنني وحدي صاحبة الرغيف.. وغيْرى يتضوّر (يتلوّى) جوعاً.. أو يتعلَّل (يتصبّر) بالفُتات.

كانت الظروف المُحيطة بي تبعثُني (تحُضُّني) على أن أحسد نفسي فقد كانت إحدى أُختيَّ تقضي مُعظم حياتها غضبي في منزل أبينا، فقد كان زوْجها إنساناً نَفوراً (كثير النُفور والبُعد عن الناس ويقال عليه "بِرّاوي") عصبيّاً سخيفاً نكديّاً، أما الثانية فقد استقر بها المقام في بيْت أبي فِعلاً بعد أن أبت (رفضت) العوْدة إلى زوْجها، لفرط إدمانه على الخمر والميْسر، ولأنه لا يعودُ إلى داره إلّا قبيلَ الفجر.

ولم يكُن هذا وحده هو مستوى المُقارنة الذي أقيس إليه حياتي الزوْجيّة الهادئة الناعمة القريرة؛ بل كان هُناك مُستوى أقل منه انخفاضاً وأكثر سوءاً.. وهو مُستوى الجيرة التي أعيشُ فيها، أو على وجهٍ أدق قاطني (ساكني) العمارة التي أسكنها.

كانت الأُسرة الأولي من الأربع أُسر التي تقطن العمارة تقطن الشقّة الأولي من الطابق الأوّل، وكانت تتكوّن من قاضٍ وامرأته.. وأشُكُّ كثيراً في أنهما كانا مُتمتَّعيْن بأي نوْعٍ من السعادة الزوْجيّة والهدوء المنزلي.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX