خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | امرأة مخدوعة (1)


امرأة تجلس إلى منضدة تكتب مذكراتها بالقلم الحبر وأمامها لمبة جاز وبجوارها شبك يطل على ميدان به مساجد

امرأة مخدوعة (1)

 

 

سيّدي العزيز:

من مُجيري (ملاذي) من يأسٍ قاتلٍ وخِذلانٍ مميت؟

أني أكتُب إليك، وبجسدي رجفةٌ وبقلبي حُرقة.. ولا أدرى وأنا أكتب، لِمَ أكتب، ولا ماذا سأكتب.. ولكن يبدو لي إن الكتابة قد تُسكِت الرجفةَ وتُطفِئ الحُرقة، ولو إلى حين.

دَعني أسألك.. سُؤالاً يدور في رأسي، ويُلِح على نفسي.. سؤالاً يُخيَّل إليَّ أن على الإجابة عنه يتوقّف تقرير مصيري وتغيير حاضري واختياري للسبيل الذي سأسلكه في مُستقبل حياتي.

أجِبني بصراحة.. أجِبني كرجل.. مُجرّد رجُل.. دَع عنكَ فلسفة الكِتابة، ودَع التعقيد والالتواء.. قُل لا.. أو نعم.

هؤلاء الرجال: هل كلهم من نفس المعدن الخبيث، والطينة القذِرة؟

لا تثُر ولا تغضب فتندفِع لتُدافِعَ عن جنسك.. الجنس الوضيع الحقير.. الوالِغ (الذي يضع لسانه وفمه كالكلب) في كل إناء، الناهِش (الذي ينهش بأسنانه وأظافره كالحيوانات الضواري) من كل جيفة (جُثّة نتِنة)، الشارب من كل مستنقعٍ قذر، الطمّاع الخدّاع، الخائن الأشر (الطاغي المُتجبِّر).

لا تندفع فتقول لا.. ولا تُصيبك الحَمِيّة (الغيرة والنخوة) فترُد على سِبابي (سَبّي ولعناتي) بأقذع (أشد وأقوى) منه.. فما قصدت به سِباباً.. بل هوَ مجرد وَصْفٍ لم أجد خيْراً منه.. لأُصوِّر نظرتي إلى جنسكم.. الجنس السافل!

 قبل أن تُجيب استمع إلى قِصّتي، وافهم لِمَ أسأل سُؤالي هذا؟ وتأكَّد أنني لا أتمنّى في حياتي شيْئاً أكثرَ من أن تُجيبَ بــ"لا".. وأن تقولَ لي أنه ما زالَ على الأرض من بيْن هؤلاء الرجال مَن هوَ أطيب معدناً وأتْقى طينةً وأن هذا هو كل ما بقيَ لي من أملٍ في الحياة ورجاءٍ في المستقبل.

 تبدأ قصتي بدايةً عاديةً جداً كما تبدأ قصة كل زوْجةٍ رزقها اللّٰه - كما يقولون – بالعَدَل (الزواج).. ووفّقها إلى زوْجٍ طيّب، ولستُ أريد أن أُضيعَ الوقت في سَرْد تفاصيلَ لا أشُك في أنها ستنطبق على المئات؛ بل الألوف من الزوْجات غيْرى.. والتي لا أظُنّها تُعطيني طابَعاً مُميّزاً، ولكن يبدو لي أن من الخيْر إن أُعطيك كروكيّاً (مُخَطَّطاً) سريعاً يُعينك على تقدير موْقفي وفهْم مشاعري.

أنا ابنة أحد موظّفي الحكومة.. موظّف يُعتَبر إلى حدٍّ ما كبيراً.. وإن كان دخله إذا ما قورن بعدد أفراد أسرته الغنيّة بالأبناء لا يكاد يجعل منها أكثر من أسرةٍ متوسّطةٍ تقطن في شقّة بالإيجار، وتصرف الدَخْل عن آخره بين الملابس ومصاريف المدارس، واللحمة، والخضار.

 وكان سوقنا - أنا وأُختي - في الزواج رائجاً.. فقد كُنّا نتمتّع بكل مواهب الزواج من سُمعةٍ حسنة، ومظهرٍ جميل، وعائلةٍ طيّبة، وأبٍ ذي مركزٍ مُحترم.

وهكذا تسرّبنا - مع العِرسان - الواحدة تِلوَ الأُخرى، وخرجتُ بدوْري مع رفيق العُمر تاركةً دار أبي إلى حيْثُ أضحيْتُ - أنا نفسي - ربّة دار.

 ولا أكتمك القوْل.. أني لم أرَ في زوْجي في بادئ الأمر ما يُسمّونه "فتى الأحلام"، ولم يُصادِف منظره هوىً في نفسي، ولكنه مع ذلك كان - على بعضه - مَقبولاً فكانت مجموعة مزاياه لا تدع مجالاً لفتاةٍ مثلي في التردُّد في قبوله.. كان شابّاً ذا شهادةٍ عُليا وذا عملٍ حُكومي يتناسب مع شهادته .. متوسّط القامة، نحيل الجسم، أسمر البشرة، ليس به ما يُلفِت وليس به ما يُنفِّر.. بادي الهدوء والسكينة.. أميَل إلى الصمت والإطراق والحياء.. وعندما سأل أبي عنه أُنبئ (أُخبِر) بأنه نموذجٌ لحُسن السيْر والسلوك.

هكذا كان زوْجي عندما قرّرنا قبوله.. وعندما خرجنا من الدار معاً لنبدأ حياتنا المُشتركة.. ولم أكُن وقتذاك أحسُّ بفرحةٍ مُطلقة بل كانت فرحتي قلِقةً مُتشكِّكة ممّا يُخبئه لي الغد المجهول، وكان يتملّكني شعورُ المُطبِقةِ بيدِها على "ورقة بَخْتٍ" توشك أن تفتحه لترى ما به.. لا فرقَ بيني وبينها سوى أني كنتُ أنتظر الأيّام لتفتح لي بَختى.. وتُرينى أيَّ مخلوقٍ هذا الذي قد ساقه القدر إليَّ لأشدَّ نفسي معه.. وأُقرِنَ حظّى بحظه، ومُستقبلي بمُستقبله مدى الحياة.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX