صورة واحد دكتور عيّان (5)
الاثنيْن:
قدّمت لي إحدى القنوات الفضائيّة الناشئة عرضاً لعمل برنامج تليفزيوني، قبِلتُ العرض فوْراً لأنني رغم نجاحاتي على اليوتيوب ما زِلتُ مجهولاً عند الغالبيّة العُظمى، أسميْتُ البرنامج "الحقيقة والضلال"، طبعاً أنا الحقيقة بنفسِها وغيْري الضلال بعيْنِه.
السبت:
استمرَّ البرنامج التليفزيوني عدّة شهور وطرحتُ خلالها عدّة نظريّاتٍ قديمة (ثبُتَ خطؤها من قبل) ولكنها مرّت على الجميع مرور الكِرام ولم يُعقِّب عليها أحد ممّا شجّعني على الاستمرار على نفس النهج .. وزغردي يا اللي انتي مش غرمانة.
الخميس:
توقّفتُ عن عمل فيديوهات على اليوتيوب وكذلك عن تقديم برنامج "الحقيقة والضلال" وقرّرتُ الجلوس في المنزل للتركيز على بلورة نظريتي الجديدة اللي ح تكسّر الدنيا وتزلزل الزلازيل وتدغدغ الدغاديغ، وكنت أعتزل الناس وأعتكف في منزلي منتظراً الوحي والفتوحات والتبصير والاستبصار بالنظام الغذائي الجديد وكُنتُ أجلسُ بالساعات وقد أغلقتُ حُجرتي على نفسي مُشعلاً سيجاري الكوبي المُفضَّل، ولم أنسَ بيْن الفينةِ والأُخرى أن ألبسَ طرحةً حياءً من الله وتزلُّفاً منه.
الجمعة:
أخيراً أُوحيَ إليَّ بنظام غذائي أسميْتُه نظام "الحَسَنات"، ورغمَ ذلك تبقّت لي خُطوةٌ واحدة فأبلغتُ زوْجتي العزيزة بأنني لن أبوحَ بنظامي العبقري إلا لو أذن الله لي ووافقني عليه بأن يجعلَ السماءَ تُمطِر مدراراً رغمَ أننا في عِز الصيف فستكون تِلكَ هي العلامة وخِتم الموافقة الحقيقي على أنني أسيرُ في الطريق الصحيح الذي يُرضي الله عزَّ وجَل.
وبالفِعل انهملت الأمطار من السماء أنهاراً وانهمرت الدموع من عيْنيَّ مِدراراً فقد حدثت المُعجِزة الربّانيّة وأدركتُ أن اللهَ معي.
الجمعة:
بدأتُ برنامجاً جديداً في إحدى القنوات اسمه برنامج "قرار إحالة"، تكلّمت فيه باستفاضة عن نظامي الجديد وعن تجربته على المرضى وأعلنت أيْضاً عن نجاحه منقطع النظير.
انهالت عليَّ عروض القنوات الفضائية العبّاسيّة لاستضافتي وشرح نظامي الغذائي الفريد نظير مبالغَ هائلة، اشترطتُ قبض أجري عن حضور تلك المُقابلات بالدولار أو اليورو، وكان من أهمّها عرضاً من برنامج "باب الخلف" الذي يُقدِّمه الإعلامي المُخضرم "محمود رعد"، بصراحة البرنامج ده ودّاني ف حِتّة تانية خالص وعرّف ناس كتير بيَّ .. الله يكرمه "حوده" اللي نجِّمني وبَروِزني.
الثُلاثاء:
نصحني أحد الأصدقاء بأن أقوم بالتعاقُد مع إحدى شركات الدعاية لتوسيع قاعدة مُشاهديني، والحق يُقال: فَرَقَتْ معي تلك الشركة كثيراً فقد قامت بتأجير أعدادٍ كبيرةٍ من الكومبارس الذين قاموا بعمل مُداخلات تليفونيّة في برنامجي أو في البرامج التي دُعيت إليها ليُردِّدوا على مسامعَ المُشاهدين بأنهم عولجوا في عيادتي ومشوا على نظامي وتم شفاؤهم من أمراضٍ مُستعصيةٍ خطيرة كالضغط والسُكّر والقلب والسرطان وباقي الأمراض الأخرى كالتهاب المعدة والقولون والجيوب الأنفيّة والعجز الجنسي وتشنُّجات الحواجب واللومباجو.
ولم تكتفِ شركة الدعاية الماكرة بذلك بل جلبت لي العديد من المقابلات التليفزيونيّة والإذاعيّة والأونلاينيّة مع ما تيسّر من الإعلانات في مختلف وسائل الإعلام ومواقع التواصُل الاجتماعي، وكان أهم ما قدّموه لي هو تأجير عدد من الصفحات وعمل لجان إلكترونيّة عديدة وشراء ذِمم ما يُعرف بالذُباب الإلكتروني الذين قاموا بالدفاع عني وعن رسالتي الطبيّة التي أرسلني بها الله رحمةً للبشر في العالمين وكذلك قاموا بالهجوم - كالكلاب المسعورة - على أي تافهٍ حاول الاقتراب مني أو انتقاد منهجي العظيم بل واتّبعوا طريقتي الأثيرة في السَب والقذف والتطاول على مَن لا يعجبهم رأيه فيما أقول وأهبد بدلاً من النِقاش والحوار ووجع القلب ده.
وازداد عدد مُريديني ومُرتادي العيادة الآتين من كل حدبٍ وصوْب ممّا شجّعني على زيادة قيمة كشفي وأجري في الظهور في البرامج والبودكاستات التي تضاعف عدد مُشاهديها من المُغيّبين الباحثين عن الشفاء من أمراضهم والهروب من سطوة الأطبّاء وغلاء الأدوية.
