صاحب مصر (1)
فكرت أن أجعل للرجل زوجةً جميلة صغيرة
لتُلائم سنَّه الكبير، فكرت أن أجعل الجميلة بنته، ولكن الزوجة مغرية أكثر،
والقارئ الملول لا بد أن يسيل لعابه تتبعًا للزوجة الصغيرة الحلوة أملًا في حدوث
المتعة الكبرى بشمّ رائحة الخيانة أو التلظّي نشوةً وقلقًا على نار الشك في وجودها.
فكرت في أشياء كثيرة، وتصوَّرت وكأنني الكاتب
المحترف، كل الآفاق المثيرة المجهولة التي يُمكنُني أن أقود إليها القارئ الهاوي
النهم، كي أُؤكد تفسيرًا لحماس صميدة للرجل العجوز، وصميدة ليس اسمه، وأنا لا أعرف
اسمه، ولكني لا بد إذا سميته أن أختار له لقبًا كصميدة، فيه حرف صاد مذكر
الموسيقى، جهيرها، ليعبر عن شخصه .. ولا بد أنَّ ارتباكًا قليلًا قد حدث، وأنَّ
الحيرة تملكتكم عن أي الرجلين أتحدَّث .. الواقع كان هناك رجلان كل منها يستحق
الحديث، ولكن الأنسب أن نتجاوز عن كليهما معًا لنتحدَّث عن المشهد؛ فقد كان هناك
رجلان ومشهد، والمشهد ليس بسيطًا أبدًا رغم خلوه التام من الفواجع والكوارث وكل
مسببات التوتر، ولكي نبدأ علينا أن نتصوَّر مكانًا معزولًا ولا تمامًا عن العالم،
كأنَّ الدنيا بكل غُموضها ومجهولها تنتهي عنده، ولكنّنا لا بد أن نعتقد أنّها
أبدًا لا تنتهي عنده، فالطريق الذي يقطعه يظلُّ ممتدًّا بعد بقعتنا مثلما يظل
ممتدًّا قبلها، إلى ما لا نهاية البصر. بالاختصار، لنتصوَّر طريقًا من طرقنا
المسفلتة الطويلة، يمر بمساحة شاسعة من الأرض غير الزراعية أو المطروقة أو تعرضت
في عمرها الملاييني الكثير للمسة من يد الإنسان، صحراء، أو براري، أو جبل وعر، على
امتداد الإصبع الخنصر لبحرنا الأحمر. إنَّ طريقًا كهذا يظل الخط المستقيم بلا
فائدة، كالرجل المستقيم بلا مبدأ، وبمجرد المحاكاة والتقليد، لا معنى له ولا قيمة
لاستقامته، حتى يحدث له حادث ينتهي مثلاً أو يلتوي، أو بالذات يلتقي بطريق غيره أو
يتقاطع، هنا فقط، عند التقاطع واللقاء يُصبح للطريق المستقيم الممتد معنى؛ إذ
يُصبح التقاطع وكأنَّه الإثبات لنظرية كانت قبله فرضًا، ووصولًا كان طوال الطريق
مجرد حلم كحلم الجوعان بالخبز.
لنتصوَّر حادثًا كهذا وقع لطريقنا الذي
اخترناه ممتدًّا بلا معنى في أرض متَّسعة بلا مفهوم، ولنكن أيضًا على ثقة أنّنا لن
نكون أول المتصوِّرين، فقبلنا بكثير سنجد أنَّ الحكومة، باعتبارها المسئولة عن
الأرض والطريق وكل الأشياء ذات المعاني والمعدومة المعنى، قد تصوَّرته، وأدركت
أهمية هذه الحقيقة الفلسفية أو الصوفية المحضة، مع أنَّه ليس من عادة حكومة في
العالم أن تعير أمثال هذه الحقائق التي ينقسم عندها البشر، وأحدثت - ولا تزال تحدث
- أعظم الهزات والمعارك والانتصارات الإنسانية، أي التفات، ولكنّها بالسليقة من
زمن لا بد أدركتها. وبادرت فأقامت عند هذا التقاطع «كشكًا)»،
وقالت لعسكري كن داخل الكشك فكان، وهكذا انحسرت كل المعاني الكلية المهولة عن
التقاء الطريق بالطريق وتقاطع الطريق مع الطريق، وكما يضيق «القمع» ويتدبب، ضاع
المعنى وانكمش، واتخذ بالكشك والعسكري في الحال مفهومًا واضحًا خاصًّا، بل حتى
الأرض نفسها، تلك التي كانت من أمتار قليلة مُستمتِعة بلا جدواها ولا أهميتها
وبحريتها أن تمتدَّ إذا أرادت وتتجَبَر وتتجبَّل إذا أرادت وشاءت أن تمتد، وتجن
وتطلق شعورها وبراريها ولحاها كلّما عن لها أن تصنع ذلك، أصبح عليها منذ الآن أن
تدير رأسها وأن تعقل وتخفي عورتها، ومن الكرة الأرضية الهائلة والكون والطبيعة
تنسلخ، وتتخذ أسماء وتنتهي إلى شعب محدّد وإلى جزء من أرض ذلك الشعب، محافظة أو
مركزًا تئول وكما يعطي العسكري والكشك والطريق هذا المعنى المحدَّد الخاص. يرتدُّ
العطاء، ويُصبحان أو على الأقل يُصبح العسكري، ليس مجرَّد أي عسكري في أيِّ كشك،
ولكنه، في ذلك الجزء المقطوع عن العالم المعزول يصبح المثل الحي للنظام العام الذي
أخضع الأرض وحدها وسماها وامتلكها ولكافة القوانين التي ابتكرتها عقول من أصبحت
تمت لهم هذه الفرس الوحشية .. الأرض .. وراكبها الذي استانسها .. ذلك الطريق. في ذلك الوقت، ولنجعله بعد الظهر بقليل، وقد انتهى العسكري من تناول غدائه
بحيث يمكننا أن نقدم عليه بلا حرج ونجلس إليه على أمل أن نتحدث، وحتى قبل أن يدور
أي حديث بمجرد الجلوس، سندرك أنّ البقعة قد تكون معزولة ومهجورة بالنسبة للآدميين
وللراحلين، ولكنَّها أبدًا ليست كذلك بالنّسبة للعربات. فما تكاد تمضي دقيقة حتى
تكون عربة قد أقبلت، بل أحيانًا يتراكم لدى الكشك أكثر من عربة، كل ما في الأمر
أنّها في الخلاء الواسع لا تبدو للعيان .. قلَّما تصادفك عربة؛ إذ هي نقطة لا تظهر
إلّا عند الكشك. من الخلاء الواسع الشفاف
تظهر فجأة كأن دخانًا كان يخفيها باتساعه وشفافيته، وإلى الخلاء الواسع تعود إلى
الاختفاء بعد اجتياز التقاطع ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وحتمًا لا بدَّ نفاجأ، قبل أن نبدأ نُعير
العسكري نفسه أي التفات، وإنّما نحن مشغولون بتأمَّل المكان الفريد الغريب ومتابعة
غير قليل من الأفكار التي يولدها بالضرورة وجودنا لأول مرة في مكان كذاك، حتمًا لا
بد نفاجأ حين يُقبل رجل عجوز قصير القامة، أول ما يلفت النظر إليه جبهته السمراء
البارزة المحدودية، ومقدم رأسه الخفيف الشّعر الأشيب، ينحني على المنضدة الموضوعة
أمام العسكري ليستطيع أن يصل إلى حافتها الملاصقة له، ثم يضع، ويا للمفاجأة، كوب
شاي متوسط الحجم، رخيص الزجاج، وإن بدا الشاي نفسه جيد الصنع، عنبري اللون مُحمرًّا،
تمامًا كما يُحبه أنصاف الكيفية، ونفاجأ أكثر حين نجد أنَّ العسكري نفسه لم يُفاجأ
بما حدث وكأنّه كان يتوقعه، وكأنّما هي عادة. وحتى إذا كنت متوسط الذكاء، فلن تأخذ
وقتًا طويلًا لكي تدرك أنَّ الرجل العجوز صاحب ما اصطلحنا على تسميته بالغرزة، أو
القهوة الصغيرة المتنقلة، وأنّه يحط رحاله تحت شجرة على الناحية الأخرى من الطريق،
وأنَّه لا بد قد لاحظ أنَّ العسكري قد انتهى من تناول غذائه فأحضر له كوب الشاي.
كما قلت: لا حوادث هناك ولا شيء غير عادي، من الطبيعي جدًا أن توجد قريبًا من هذا
التقاطع غرزة صاحبها رجل عجوز أو مريض، وأن يتعامل العسكري معه، وأن يُحضر له
الشاي، وأن يقدمه في أدب. ولكن أشياء غير عادية بدأت تحدُث، منها مثلًا أن يدفع
العسكري يده في جيب بنطلونه الأمامي (فجيوب بنطلونات العساكر مركبة إلى الأمام ولا
أحد يعرف لِمَ!» ويخرج قرشًا من جيبه، ويعطيه للرجل العجوز قائلًا: خذ قبل ما
أنسى. حادثة لا شك. فالمفروض، والعسكري يُمثِّل كل ما ذكرته آنفًا، والرجل يُمثُّل
التجار الصغار، أن يتقاضى ضريبة يضعها تحت أي اسمٍ يشاء .. ضريبة ليست أقل من كوب
الشاي مثلًا، وأن يُعفيَ العسكري هذا الرجل من الضريبة، ليس فقط .. بل أن يَخسر من
جيبه قرشًا، أمر له دلالة خطيرة. لا بدَّ أنَّ هناك سببًا لهذا الاستثناء، فإذا
اتّضح أن لا سبب هناك، فمعنى هذا أنَّنا في مواجَهة ظاهرة خارقة .. عسكري مرور ..
ملك متوَّج على بقعة نائية مهجورة، ويستطيع من هذا المكان أن يسيطر على غرائزه،
وبالذات على غريزة فرض الضرائب غير القابلة للسيطرة والتحكُّم، ويكون ذا ضميرٍ
مُستيقظ لمَّاح.
هنا لا بدَّ أن تلتفت كلية للعسكري، وتُعيد
النظر فيما دار بينك وبينه من حديث، مستقطع أخطر محاورة مفروض أن تدور حالًا بين
العجوز والعسكري، لأنَّنا لن نستطيع إدراك مضمون الحوار إدراكًا حقيقيًّا، إلّا
إذا وضحت لنا صورة العسكري، فلا بدَّ لنا أن نَوجِّل الحوار إلى حين. العسكري شباب
في حدود الثلاثين، في حديثه وآرائه تحديدات مَن لم يتزوج بعدُ، أو إن كان قد
تزوَّج فلم يستطع الزواج أن يُصيب ضحيته، كما يصيب الجسد، بالترهَّل وعدم الميل
إلى التحديد. الزواج باعتباره عملية تنازل مستمرة ومساومة في أحسن الأحوال يُصيب
الرجل بعادة الرغبة في المسألة والبحث عن الحل الوسط، فالجمل لا بد أن تكون لها
نهايات مفتوحة تجعلها قابلة للتراجُع التام في أحيان، أو الاتصال بجملة أخرى تغير
تمامًا من المعنى المقصود، الزواج ضدّ نقط النهاية وضد الحسم ربما خوف من سوء وضع
النهاية. ما علينا. شخصيته محدَّدة، آراؤه في الناس أيضًا محددة، وكذلك في عملية
وطبيعته، وهذا شيء نادر هنا، فالوظيفة، أيّة وظيفة، كالزواج تمامًا، صاحبها فتح
الجمل وكثرة استعمال حروف الوصل والضم والجر والألفاظ التي تحتمل أكثر من معنى
وتفسير لاستخدام معناها الآخر، كسلم الحريق حالة وقوع الكوارث وتحمُّل المسئولية.
له شاربٌ .. تحسُّ إنه عن عمد قد وضع شاربًا، لا للعياقة أو إظهار الرجولة، إنّه
ليس في حاجة إلى إظهار، وإنَّما لأنَّه - ما دام الناس صنفَين - فقد اختار أن يكون
من الصنف ذي الشارب، صعيدي أو عربي فلا تزال به بقايا قبلية، في لغته وفي ميله إلى
الحديث عن كل ما هو عام، فالانتماء يَبعُد عن الذات وكل ما يمتُّ إلى الشخص
بمفرده. ولا أستطيع أن أقول إنّه شهم ذو نخوة وأريحية، فلم يكن قد بدا منه ما
يُنبئ بأيِّ من هذا، ولكنك تتمنَّى. بل تُرجّح شهمًا ذا أريحية، ولكنَّه أبدًا ليس
كاملًا، فصحيح أنَّه يُعامل السائقين بمُساواة تامة، لا يُبالغ في رد تحياتهم
المفرطة وكذلك لا يرد عليها بتعاظم وتكبر، ولكنّه يكاد يَنتفض واقفًا إذا جاءت
التحية من عربة ملاكي، فعلى رأيه مَن يمتلك عربة لا بدَّ أنَّه صاحب نفوذ؛ موظف
كبير، أو صاحب مهنة غني، أو ابن لهذا أو لذاك، وليس من العقل أو الحكمة أن يصطدم
مَن كان مثله بأمثالهم!
قال العجوز بعد أن وضع كوب الشاي بأدب تحسَّ
منه أنّ الأدب أو بالأصح - حتى لا يختلِط الأمر - التأدُّب كان ذات يوم حرفته،
ويذهب بك الخيال إلى أنّه من الجائز أن يكون قد عمل سفرجيًّا في قصر باشا أو على
الأقل مساعد مرمطون، قال: أنا لي رجاء عندك. ولم يكن العسكري قد أدرك بعد أن يرجُوه، وربما كان لا يزال منصرفًا إلى
تأمُّل الشاي وتهيئة نفسه لارتشافه .. فاستطرد العجوز يقول: لو تتكرَّم وتسمح لنا
بعربية نقل تأخذنا .. وقال العسكري وهو منصرف أيضًا وبمزاج إلى أخذ الرشفة الأولى
من الشاي: (ما أعذب الرشفة الأولى من أي
شيء!) تاخدك فين؟
ربما حسن يُريد أن يقضي مشوارًا في أقرب
مدينة تلك التي لا بدَّ تبعد عن المكان بعشرات الكيلومترات، ولكن العجوز قال: أصل
أنا ما احبش المواضيع لما تحصل كدة. يبقى أحسن نأخذها من قاصرها وتتكرَّم علينا
بأي سواق توصية!
قال العسكري وملامحه القمحية ذات الندوب
تنكمش انكماشات التأثر، إن لم يكن بعض الغضب: هو جالك تاني؟
قال العجوز وهو لا يزال سادرًا في رجائه:
وقال لي: ورغم هذا قاطعه العسكري: وقال لك برضه ...
قال العجوز: وقال لي برضه فأنا رأيي أحسن
طريقه زي ما قلت لسيادتك كدة آخدها من قاصرها، حاكم المسائل لما بتوصل، على إيه ده
كله، كلمتين منك وأي سواق وكتر آلف خيرك.
قال العسكري وقد بلغ الانكماش بملامحه درجة
الانفراج، إذا الغضب كان قد بدأ يتحوّل إلى كلام: اسمع يا عم حسن، أنا قلت لك طول
ما أنا هنا ماحدش يقدر يقرب لك!
-
بس أنا
المسائل لما بتوصل أقول لنفسي على إيه، الأرض أرض الله، ومافيش أوسع من أرض الله،
وربك بيقطع من هنا ويوصل هنا. وكلمتين لسواق ...
بحزم هذه المرة قال العسكري: واللّه لما يكون
هو الجن الأحمر مش يكفاك كلمتي، أنا قلت طول ما نا هنا لا هوة ولا مليون واحد زيه
يقدر يهوب ناحيتك، بس ركِّك أشوفه مرة وأنا أعرف شغلي معاه. هو جالك إمتى؟
-
من شوية.
-
جه منين؟
-
م الناحيا دي.
-
وراح فين؟
-
م الناحيا دي.
-
وازاي ما
شفتوش. ركك بس أشوفه. أنا مش قايل لك لما يجيلك اندهلي؟
-
يا سيدي ربنا
يخليك ويكتر خيرك، بس أنا كان قصدي يعني إن المسائل لما بتوصل مفيش داعي وكلمتين
منك ...
-
خلاص يا عم
حسن، بس لما يجيلك اندهلي.
وكان العسكري قد انتهى إلى آخر نقطة من شرب
الشاي. فتناول العجوز الكوب، ومسح قاعدته السميكة مرة أخرى. وانحنى ومدَّ يده،
ومسح الدائرة المبتلّة التي صنتها على المنضدة، ومضى وهو يُتمتم لا بدَّ بدعوات
وكلمات شُكر.
ولو رأيت هذا المشهد، لدفعك حب الاستطلاع حتى
إلى سؤال العسكري عن معنى هذا كله، ولخمَّنت حتى قبل أن يبدأ في أنَّ سببًا ما لا
بد يدعو العسكري للتمسّك بوجود عم حسن العجوز كل هذا التمسَّك.
ولو كنت تكتب قصة بطريقة التاليف كما يفعل
بعض الناس لالتفت للمَوقف امرأة، مثلما كدنا نفعل في البداية. ولجعلناها زوجة
صغيرة لعم حسن العجوز أو ابنة فائرة لعوبًا.
لا بد سيدور بخلدك شيء كهذا .. فالعسكري لا
يذكر لك شيئًا كثيرًا، إنَّه يؤكد لك، بلا حاجة طجللتأكيد، أنّ الرجل عجوز وطيب،
وأنّ له في هذه البقعة بضعة أيام، وقد كان جالسًا في مكانه وجاءت عربة نقل ووقفت
كالعادة وبينا السائق يذكر له الرقم، وإذا من الصندوق ترفع الهامة القصيرة لعم
حسن، وإذا به يتطلع إلى المكان، ثم تقع عيناه على الشجرة، فينحني ناحية السائق في
الكابينة ويشكُرُه ويطلب منه، بأدبه المعهود، أن ينزل هنا قائلًا إنَّه قد اختار
هذه البقعة لينصبَ فيها نصبته. وبمُساعَدة الشيال يُنْزِل عم حسن أشياءه الفقيرة
القليلة، ويستأذن من العسكري ويقضي بقية اليوم في إقامة «الغرزة».
وتلك هي حياة عم حسن التي اختارها .. وكل
إنسان منَّا يَختار حياته بالطريقة التي تحلو له، بعضنا يختار المهنة الناجحة
ويقضي عمره يُحارب زملاءه من أبنائها الناجحين، ويكيد لهم ويكيدون له، وبعضنا
يختار مهنة البحث عن مهنة، ويظلُّ العمر ينتقل من عمل فاشل إلى عمل فاشل، ولكل
منَّا كما قلت مهنته التي يُفضَّلها أو التي يلعنها أو التي تتلاءم مع ذاته
وطبيعته وصفاته .. وعم حسن قد ترك هذا كله واختار لنفسه مهنة أن يخدم الناس حيث لا
يتوقع الناس خدمته، فهو لا بلد له ولا بيت، موطنه الدائم يوجد حيث يوجد بيته،
وبيته يوجد حيث يوجد عمله، وعمله يوجد حيث يرى أن حاجة الناس إليه أكثر وأشد!
وهو يصنع القهوة والشاي والمعسل .. ورأسماله
بلا رأس وبلا مال، وهو يوجد اليوم هنا في بقعة مهجورة من طريق السويس-الإسماعيلية،
لا بدَّ عندها تقاطع أو محطة أو شيء ما .. هنا حيث لكوب الشاي يُصبح قيمة لا
تُقدَّر، خاصة إذا قُدِّم لسائق منهك استيقظ منذ الفجر وعليه قبل أن ينام أن يقضيَ
الليلة القادمة بطولها سائقًا.
ويظلُّ عمل حسن في المكان حتى يزهد هو فيه أو
يزهد فيه المكان، أو تصل المسائل على حدٌ رايه إلى حيث يُصبح لا داعي للبقاء،
يُشير عم حسن لأية عربة قادمة، في هذا الاتجاه أو ذاك، فسكك اللّٰه كلها له وكل
مكان فيها مثله مثل أيٍّ مكان، مُمكن أن يصبح بلده وموطنه ومسقط عمله، ويركب عم
حسن هو ورأسماله، وفي أيِّ اتجاه يتصادَف أن تكون العربة ذاهبة إليه يذهب، وعند
أيَّة بقعة في المسافة يَراها عم حسن تصلح مكانًا يحتاج فيه الناس والسائقون بشكل
خاص للخدمة ولا يجدونها ولا يتوقعون وجودها، ينحني على السائق يطلب منه، بأدبه
المعهود، إنزاله، وعادة .. بل لم يَحدُث أن تقاضى منه أي سائق أجرًا، وينزل، ويظل
يعمل. وقد يَقضي في البُقعة أيامًا، وقد يقضي فيها — كما حدث - سنتَين، إلى أن تصل
المسائل إلى الحد المعهود، فيُشير عم حسن إلى أول عربة نقل قادمة، وهكذا!
ولا بدَّ — خاصة إذا كنت مثقّفًا .. مقيدًا
بألف قيد وهمي أو ممَّن صنعك إلى عملك - تمنعك أشياء ليس أقلها الخوف الشديد، أو بالأصح الجبن، من أن تفكر، مجرَّد
تفكير، في تغيير محلِّ عملك، أو عملك نفسه، أو حتى محل إقامتك، لا بدَّ أن تحسد عم
حسن على حياته تلك، فهي في رأيك لا بد أرحب وأوسع حياة، حياة ألغت المكان والزمان
والبُعد الرابع وكل الأبعاد، البلد كلها .. بملايين الكيلومترات التي تكون سككها
وطرُقها ومساحتها ملكك .. ملكك حقًّا لا مجازًا، إذا ماذا تفعل
بالملكية قدر حقك أن توجد في المكان الذي تمتلك وقتما تُريد وأي زمن تشاء، وهل
يحتل صاحب العمارة مهما كبرت أكثر من المقعد الذي بجلس عليه أو الفراش؟ وما متعة
من يمتلك مئات من الأفدنة أو بضع عمارات؟ .. ولكنّه صاحب مصر كلها. من حقه أن يحل
بأي مكان فيها في أي وقت يشاء، ويستمتع ما شاءت له المتعة، بإحساسه أنه صاحب
المكان وأي مكانٍ!
وجزء من دوافعنا للالتصاق بمنطقة بعينها من
المدينة أو القرية، بل بشارع، بل ببيت بعينه من بيوتها، هو أنّنا نعرف الساكنين
معنا وحولنا ونأتنس بهم، وجزء من خوفنا أن نُغادر ذلك البيت أو الحي ونقطن في
غيره، إنَّنا نخاف من تجربة الغربة مع أناس لم نعرفهم بعد وحتمًا لهذا نتوجَّس
منهم.
إنّ ما يدفعنا للالتصاق بمكان محدّد، وناس
محدَّدين، أنّنا نخاف الأمكنة الأخرى والناس الآخرين، فنتوقَّع على ما نعرفه ومَن
نعرفهم حتى لو قضَينا الأعمال نملُّه ونملهم، عم حسن العجوز لا بدَّ أنّه لا يخاف
الآخرين، وما دام قد اعتبر مصر كلها بيته ومكان عملِه، فلا بدَّ أنّه اعتبر
المصرييِّن كلهم؛ صعايدة وبحاروة وشراقوة وغرابوة، أهله وأبناء حيِّه وحتَّته،
وهكذا وبمُنتهى الجرأة والألفة والبساطة، ألقى نفسه في وسطهم في البحر الضخم
الهائل الذي يكون ملايينهم .. ومن الواضح تمامًا أنّه لم يغرق، وأنَّ الأيدي
رفعته، ولا زالت ترفعُه وتتداوله، ومن المكان إلى المكان يُلقي بنفسه إلى يدٍ
ترفعُه بحنان ورفق لتضعه حيث يحدد أو لتسلمه إلى يدٍ جديدة إذا أراد .. وكأنّما
أبرم الرجل اتفاقا مع المصريين جميعًا أصحاب البلد، أن يقدم لهم القهوة والشاي في
المكان الذي يَفتقدُون فيه القهوة والشاي أكثر .. وفي مقابل هذا عليهم هم -
المصريين - أن يتكفّلوا بأمر عيشه وسكنه وإقامته وتنقّلاته كلَّما حلاله أن ينتقل.
وكما تؤثر الوظيفة في الموظف، وكما يُصبح من
خصائص سائق الأتوبيس صوته المرتفع؛ إذ لا بدَّ له أن يرفعه ليُغطي على صوت الآلة
الحديدية والآلة البشرية، ليسمعه الركاب أو حتى ليبلغ شتائمه إلى الراكب الذي أثر
أن يدَّخر رأيه الصريح فيه إلى اللحظة التي يضع فيها قدمه على الأرض ويتحرَّك
الأتوبيس .. كما تُنِّي الوظيفة ذلك الجزء من الإنسان الذي يتعامل به مع الآخرين
.. وبالتالي تنمي لدى الآخرين ذلك الجزء الذي يتعاملون به معه، فعم حسن يتعامل مع
جزءٍ نادر، أو بالدقة نادر العمل .. في الناس .. ذلك الجزء المُخصَّص للعمل من أجل الآخرين .. الجزء الإنساني الضامر في
أناس كثيرين .. الذي ربما حوّلته الأجزاء الأنانية لدى البعض
كما تُحوِّل الأماكن غير المستعملة، إلى مخازن، نختزن فيها أحصنة النهم الإضافية
ومغذيات الطموح الفردي الصغير.
عم حسن يعامله الناس، والسائقون، الذين
يبدُون وكأنَّ قلوبهم قد قُدَّت من جرانيت أصم، بأجزائهم الإنسانية، وما أكبر هذه
الأجزاء أحيانًا بالذات في قلوب هذا النوع المخيف من السائقين .. ولأنَّه يحيا
ويتنفّس ويأكل وينام بهذه الأجزاء وبما تهيئه له، فقد اكتسب هو الآخر طابعًا
غريبًا يُميِّزه عن جميع الناس، فأدبه الزائد ليس ذلك النوع الممتثِل الذليل الذي
ندرك في الحال مدى ما فيه ضِعة واسترزاق .. إنّه نوع عميق من الأدب، لا ينبع من
الانحناءات والكلمات الهامسة .. وإن كانت بعض أعراضه كلمات هامسة .. ولكنه لا
ليُريك ويظهر لك أنَّه يهمس، ولكن لأنَّه بإدراكه أنَّك ستستريح أكثر لو همس، نوع
من مراعاة الشعور، ولكن لأنّ مراعاة الشعور لدى معظمنا لا تحدث إلّا لسبب، وإلّا
لحاجة لك عند مَن تراعي شعوره، فأعتقد أنَّه من الصعب أن نتصوَّر مراعاة الشعور
لمجرد مراعاة الشعور .. لمجرَّد أنّ إنسانًا يحترم شعورك فعلًا
ويُقدِّره — مهما كنت — ويُهمه مراعاته، بل حتى في طريقة سؤال للناس، إنَّه يفعل
هذا بأدبٍ صحيح، ولكنّه أدب فيه ثقة بنفسه، وكأنّ المسألة أمر مفروغ منه. فرق كبير
بين أن تطلب من إنسان لا تعرفه شيئًا وتحاول حينئذٍ ولأنك تفترض أنه ليس من حقك أن
تطلب منه وهو الغريب عنك شيئًا أو تسأله معروفا، تحاول أن تُرقّق ما أمكن من طلبك
ولهجتك وتُودع فيها كل ما يمكنك إيداعه من رقة السائلين والمقترضين ومن يطلبون
بذله، فرق بين هذا وبين أن يطلب من إنسان نَعتقد أنّه فعلًا أخوك ومن أقربائك، ولك
عليه مثلما له عليك، أن تسأله، ومن واجبه وليس تفضُّلًا أو تنازلًا، أن يُعطيَك.
ولكن تلك تفاصيل لا معنى لها .. ومحاولة
يائسة لشرح «كل» من الصعب شرحه. فعم حسن ليس مجموعة تصرفات كهذه، ولكنه أولًا
روح كاملة، ربما بعض مكوناتها تلك التفاصيل .. إنَّه روح غريبة تُعيد إلى ذهنك
آثار الظواهر الطبيعية وهي تعمل عملها عبر ملايين وملايين من السنين لتفتت الصخر
الكبير إلى رمل دقيق أملس رائع التكوين. لتقدمن الصخر نهرًا عذب الماء كنهر النيل، لتصنع من الزلال وزلال الزلال
حياة، ومن الحياة كائنات ما أروعها حين تتأملها؛ كالسمك، دافقة بالحياة عامرة
بالتفاصيل، كالأسود جليلة مروعة يُداخلك مجرَّد تفكيرك أنَّ الأسد العظيم منها كان
ذات يومٍ قريبًا كائنَا لا يُرى إلّا بميكروسكوب. كائنًا كان هو الآخر ومنذ أيام
قريبة أسدًا عظيمًا، كذلك الأسد .. ونتأمَّل كيف استطاع آلاف الناس بمراكزهم
وتصرُّفاتهم الإنسانية أن يخلقوا أو يُدربوا ذلك المركز في عقل عم حسن وشخصيته
ليكبر وينمو ويزدحم، ويحيل هو هذه المرة مراكز الأنانية وما يخصُّ الذات الصغيرة
إلى مخازن يودعها مشاريعه القادمة للناس .. لحب الناس، لكي لا ينسى وهو في قمة
انشغاله، وحوله السائقون مزدحمين كلّ يريد أن يحظى منه بأكبر جرعة من الحديث
والشاي، أنَّ عسكري المرور يتغذّى، وأنَّه انتهى من طعامه وأنّه في حاجة إلى كوب
شاي!
لنتصوَّره بوجهه الأسمر، وصلعته النامية
الخفيفة، بآذانه الكبيرة التي تؤكِّد ملامحه، بأنفه الكبير قليلًا يؤكد رجولته
ويؤكد في نفس الوقت طيبته؛ إذ لا شموخ فيه، ولا اتساع فتحتيه يريحك، وعيونه ليست
أبدًا كعيون الملائكة ناعسة سارحة، أهم شيء يجذبك إليها هو يقظتها، وليس يقظتها
إلى ما يدور في عقل صاحبها، وإنّما يقظتها إليك أنت، إلى ما تُفكِّر فيه، إلى
أحوالك وكيف تبدو، وهل معنى ابتسامتك الواسعة أنَّ كل شيء بخير، أم يا ترى تنبئ عن
ضيقك بما تحسه من ضيق؟
