خبر
أخبار ساخنة

لغة الآي آي | يوسف إدريس | صاحب مصر (2)


من أقوال يوسف إدريس عن العقل وقيوده وقت الهروب

صاحب مصر (2)

 

 

وإنّها لسعادة أن تنظر إلى عم حسن وبالذات إلى جبهته العريضة البارزة التي إذ قستها بالمقاييس الواضح عليها للجمال لبدت قبيحة، إنها لسعادة أن تنظر إليها فتحس أن لم يدر خلفها شيء، فكرة أو خاطر يضر بإنسان .. أن تدرك بوعي وعمق أنَّ هذا الرجل الذي ينظر إليك بجماع نفسه، لا يُفكّر أبدًا في إيذاء أحد ولا يمكن أبدًا أن يُفكّر في خداعك أو السخرية منك والضحك عليك، إنّ ما من فكرة شريرة عرفت أو يمكن أن تعرف طريقها إلى رأسه .. لا أحلام غنى باهظ راودته وأستعد معها لأن يدوس الغير في طريقه إليها، ولا أمنية ألحَّت عليه أن يكون لك مالك أو بعض مالك. وأنّه لا يَحسُدك أبدًا على منصبك أو وسامتك أو زوجتك المخلصة، ولم يُفكر أبدًا في الحط من شأنك، حتى بينه وبين نفسه، لكي يثبت لها، مثلما يحلو للبعض، أن يفعل أنّه أحسن منك. إنَّه لشيء رائع ومحير ومثير للخوف أن تدرك أنَّ كل هذه الصغائر التي يقضي بعضنا تسعة أعشار أعمارهم يلوكونها في عقولهم ويُقيدون بها قدراتهم .. ويلوثون بها ضمائرهم، وطبيعتهم الإنسانية التي تَخلق نظيفة حسّاسة، هذه الصغائر كلها لا محلّ لها في عقل عم حسن العجوز، ترى أي مكان رحب يصحبه عقله، أيَّة حرية تتمتع بها خواطره .. أي أمان شامل كان يظللها ويُظلله .. أجل الأمان الذي يقلب الناس دنياهم ويحفرونها مخابئ ودهاليز ليحتموا بها من الأعداء المعروفة والمجهولة، ومن الزمن والمرض والخيانة، وكلّما بحثوا عن الأمان خافوا؛ إذ يُدركون أنّهم مهما فعلوا فليس هناك دواء شافٍ أو ملجأ أكيد، وكلّما خافوا على أنفسهم من الآخرين أخافوا الآخرين منهم، حتى تنقلب العقول إلى مواقد مجنونة للقلق والرعب. إنّه يتصرَّف دون أن يحسبها ويفكر، ويُفكِّر دون أن يحسبها ليعرف بماذا يتصرَف، فالحاجز الذي يضعه الكثيرون بين التفكير والتصرف حاجز سببه أنّهم حين يتصرفون يخجلون مما يُفكِّرون، وحين يفكرون يخافون التصرف بمثل ما يفكرون، يا لروعة عم حسن وتصرفه، يمضي في تسلسل وصفاء مع أفكاره، وأفكاره من تلقائها وبلا جهد يُضيعه أو يفقده تصنع تصرفاته، وليس في وسط الدائرة إلَّا غيره، إلَّا الإنسان الذي تسوقه إليه الصدف، إلّا الكلمة الحلوة التي لا بد يحتاجها ليقهر هذا العبوس، إلّا الشربة من ماء القلة الباردة ترد الروح التي تسرَّب من جسده .. مع حبات العرق المنهمرة، إلّا كلمة طيبة يقولها لصديق الطريق وهو قائم بنفض التراب عن جلسته ويستعدُّ لسفرته القادمة المجهولة: خلي بالك .. الدنيا ليل ونورك واطي، لما تَقابل عربية هدِّي، وحياة بنتك الغالية لأنت فاكر كلامي ومهدِّي!

وقد يعتقد البعض، ولهم الحق، أني أنبذ الواقع وأتحدَّث عن إنسان خرافي غير موجود. ولكن الكارثة الكبرى أنَّ عم حسن موجود ولا يزال إلى الآن حيًّا يسير ويتنقّل إن وجد في مصر طريقًا، ولكن المشكلة، أجل المشكلة، أنَّ الدنيا كلها ليست عم حسن، وأنَّ المسائل لا بد أن تصل يومًا إلى الدرجة التي يُصبح معها من العبث البقاء.

ولنعد إلى الرجلين والمشهد، ولنؤمن الآن وقد عرفنا الكثير أنّ ليس في الأمر زوجة أو ابنه ولا سيدة بالمرَّة، ليس لأنّ عم حسن لم يتزوج، فالحقيقة أنّه مرات تزوَّج، ولكن زوجاته كن، بعد فترة، وبعد انقشاع الرغبة في التغيير، يَضِقن بحياته ويُرِدن البيت والعمل الثابت، الذي لا يبحث فيه عن الناس، وإنما على الناس فيه أن يبحثوا عنه، من هنا كان يدبُّ الخلاف، وينطلق عم حسن إلى طرقاته ومحطاته ودنيا اللّٰه الواسعة، ويَنطلقن هنَّ باحثات عن الأمن والثبات الذي يصنع الأولاد. لنعتقد إذن أنَّ ما بين الرجلين إن هو إلّا صلة أخرى من صلات عم حسن بالناس، تلك التي تنشا في لحظات، وتظل تنمو ولا تكف عن النمو كلما مرَّ عليها الوقت، عكس ما يحدث في العادة. فما أربح وأوسع ما تنشأ وما أسرع ما تبدأ تضيق، والمشغوليات بالنفس كثيرة، والعلاقة التي لا تَنفع تضرُّ، والأعم الغالب أن تنتهي العلاقات إلى ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين الجهل والمعرفة، فتعرف الشخص وكأنَّك لا تعرفه، وصلتك به لا تتعدَّى أكثر من يد عالية ترفعها بالسلام من بعيد، أو إيماءة من رأس أو أضعف الإيمان ابتسامة وكأنّما لتثبت بها لنفسك أنّك تنتمي، مجرَّد انتماء، إلى الجنس! والعسكري يروي كيف بدأت الحادثة؛ فمنذ بضعة أيام، ذهب إلى عشه عم حسن، لأول مرة، عابسًا شديد العبوس. ولا بدَّ لنا لكي نكمل القصة أن تعرف أشياء كثيرة عن العسكري بشكل عاجل، فهو قروي حياته الحقة بدأت بالعسكرية ودخول الجيش، وكان الجيش مدرسته، هناك صاحَبَ شُبَّان المدينة وعرف المدينة من خلالهم، وخرَج وقد آلى أن يعرفها بنفسه، والمدينة صعبة على مَن يُريد معرفتها بقيم فلاح ودردحة ذكي. ولكنّه رغم هذا استطاع أن يجد لنفسه مكانًا غير رسمي فيها، وهو وإن كان يَقضي معظم أيامه مقطوعًا في كشك، إلّا أنّه في إجازته يُعوِّض كل ما فاته، وحتى بنات الليل يستطيع مصاحبتهن .. وله في كل مدينة يحلّ قريبًا منها جلسات، وقعدات وأركان ودائمًا يعثر على عشيقات!

غير أنَّه من يوم أن حلَّ عم حسن فقَدَ الحماس تمامًا للمدينة ولكل ما ينتظره فيها، فساعة واحدة كان يقضيها مع الرجل حسن عاش وشاف، وعاش وشاف بطريقة لم يعش أو يرَ بها أحد، فغيره يجلس مع الرجل، بل أحيانًا يجاوره لشهور وسنين دون أن يعرف عنه إلَّا أقل القليل، عم حسن كان يغوص من فورة في النفس محبَّة أو بناءً على طلب صاحبها، وفي دقائق يعرف ما لا يعرفه غيره في ساعات، فوجهُه كان يملك اللمسة السحرية المتناهية البساطة، التي تفتح النفس، والنفوس دائمًا توَّاقة لأن تُفتَح. وأغنى ما في الأرض ليس كنوزها وما تحتويه قشرتها، أغلاها ما في نفوس الرجال من ثروات. إنّ في داخل كلِّ منّا كنزًا، تحمع وتراكم فيه عشرات السنين وآلاف الخيرات، كل نفس كالمحارة، مهما انغلقت فهي لا تكفِّ عن إحالة التجربة بالإضافة والإعادة والتعديل إلى لؤلؤة، إلى ماسة ثمينة من ماسات الخبرة الإنسانية المركزة والمكثفة والمصنوعة بصبر داخل تلافيف الحياة، وقد استطاعت نفس عم حسن الخالية من المهبطات والمعطلات ومخصصات الأنا اللزجة أن تمتلئ وتستوعب عددًا لا يُعد ولا يحصى من كنوز النفوس الأخرى. فوق ما يمكنها تقديمه وعرضه من نماذج، استطاعت نفس عم حسن أن تقوم بدورها كصانعة لآلئ، وماسات، وأن تُحيل ما احتوته نفسه من تجاربه ومن الآلاف المؤلفة من تجارب الآخرين إلى ما يشبه برج مجوهرات الإمبراطورية البشرية .. لي متحف يدير مجرد التجوال فيه الرءوس، ولا شك أنَّ المتع كثيرة وكلها حلوة، والمرأة جميلة ممتعة، وقعدة العسكري في البندر مع إخوانه يدور عليهم الشيء أو يدور بهم متعة .. لكن العسكري إلى عم حسن، ويسمعُه بمفرده أو مع الآخرون وهو يحدثهم ومن ذات نفسه يفرجهم على عوالم غريبة رائعة، ليالي وكأنّها مسحورة تُرى من فنجان، وأيام وأحداث وكأنّها اغترفت من أكداس الروايات، مع أنَّه في كل ما كان يتحدَّث به لم يكن هناك أثر للخيال؛ إذ لم يكن هناك داعٍ للخيال، فما رآه رأي العين أغرب مما يراه الآخرون رأي الخيال .. لا شك أنّ المتع كثيرة ولكن يبدو أنّ أمتعها جميعًا وأحلاها هي متعة أن تعرف .. متعة أن تعلم ما تجهلُه أو تزداد علمًا بما تعرفه، وكل ما يُحدِّث عنه عم حسن دائمًا جديد غير مطروق، أُناس وكأنَّهم ليسوا من جنس الناس، وإنَّما من نوع آخر لا يتبدَّى إلَّا لعم حسن .. أو كأنَّهم الناس ولكن أشياء منهم مغلقة تُفتح بكلمة سر لا يعرفها إلا الرجل العجوز!

وجدَه العسكري في ذلك اليوم عابسًا، شديد العبوس .. حتى لقد استغرب أن يمتلك مَن كان مثله القدرة أن يعبس بهذه الشدة .. وحين سأله عما به لم يشأ أن يتحدَّث وكأنّه لا يرى فائدة في الحديث!

ولكنه تحت الإلحاح قال إنَّه حدث ما كان وسيظلُّ دائمًا أبدًا يخشاه، فقد جاء الرجل وطلب منه مغادرة المكان!

أي رجل وبأي حق يطلب ما يطلبه؟

قال إنّه جاء هذه المرة بحجة أنَّ الأرض التي أقام فوقها عشته أرضه وأنّه يُعطيه مُهلة إلى الغد لينتقل منها.

وطمأنَ خاطره قائلًا: إنَّه لا بد نصَّاب، أو سلَّطه أحد أصحاب العشش الأخرى!

وهنا لا بد تدرك أنَّ ثمة عششًا أخرى وغرزًا قد أقيمت بعد مجيء عم حسن، فهكذا دائمًا شأنه، ما أن يحلَّ بالمكان المهجور ويبدأ في تقديم مشروباته إلى الغادين والرائحين على الطريق .. أصحاب الطريق كما كان يسميهم عم حسن، الذي قد تتصوَّر أنهم قلة في حين أنّك لا يمكن تتبين كثرتهم إلّا إذا أقمت لهم مكانًا للشرب والراحة .. مكانًا يُصبح ككشك المرور الذي تلمح قبله أثرًا لعربات ولا تلمَح بعده، وإنما عنده فقط وعند العشة تظهر العربات، ويظهر الناس ويتكشّف عنهم الفراغ الذي كان يخفيهم، وعنده يلتقطون أنفاسهم برهة استعدادًا لاختفائهم القادم من الفراغ .. أصحاب الطريق كثير، لا بد لهم أسبابهم الخاصة لسلوك الطريق ولكنك تعجب حين يخرج لك عم حسن يعرض كنوزه متحدثًا عنهم قائلًا إنَّ فيهم صاحب الحاجة والهدف لا شك، ولكن الغالبية سيتعبك حتمًا أن تحاول معرفة أهدافهم ولماذا يسيرون. إنّ معظم الناس أجناس قانعة ميالة إلى البيوت وحياة البيوت وعالم البيوت ولكن الدنيا فيها آخرون .. فيها القائلون لأنفسهم وللعالم: بلاد اللّٰه لخلق اللّٰه ومن بلد إلى بلد يرحلون، وعلى الطريق يشربون ويأكلون وأحيانًا على نفس الطريق يموتون .. أصحاب الطريق وسُكانه دائمًا فرادى ودائمًا على الطوى ونادرًا ما يتكلّمون وليسوا أبدًا مجذوبين أو مجانين، وإن كان سلوكهم هذا قطعًا سلوك مجانين .. الشيء الدائم أنَّ وراء السير الطويل. مسيرة العمر، قصة انتهت حين وضع كل منهم قدمه على أول الطريق، وقد يكون للطريق أول ولكن أبدًا ليس له آخر، وكأنّما بحثهم الدائب عن آخر الطريق، والعمر يمضي وأعمار كثيرة تمضي قبل أن يصل أيٌّ منهم، السالكين سلوك المجانين، أو أي منّا نحن السالكين مسالك العقلاء، آخر الطريق، دائمًا نلتقي؛ عقلاء ومجانين وراجلين وراكبين وأفندية وسواقين وهاربين وباحثين ومخبرين ومجرمين ومطاردين ومطرودين عند عم حسن عند تقاطع الطريق. ونأنس باللقاء، ونتعارف ونتحابب ونتذاكر ويُسمي بعضنا البعض: رفاق الطريق.

وهكذا يحدث دائمًا؛ تبقى عشة عم حسن الذي يكتشف بها التقاطع المهجور، وحيدة لفترة أطول؛ إذ لا تلبث عشة أخرى أن تقام، وإن كان صاحبها ليس في وحدانية عم حسن وإنسانيته وطيبته بل حتى نظافته إلّا أنّه لا يعدم زبائن آخرين، وجعلنا لكل شيء سببًا، ولكل طالب رزقًا، ولكل عشة مهما كثر عدد العشش زبائن من رفاق الطريق!

ودائمًا ما تبدأ الغيرة من عم حسن ورواده الأكثر، تأكل القلوب، وعلى أقل سبب تحدث المشاحنات، وفي البقعة المهجورة والمقطوعة الصلة بكل أسباب الحياة والإحياء، سرعان ما تبدأ فيها أول البوادر، وكما تستدل على الأسد من رائحة بوله المنكر، تبدأ رائحة نظام الإنسان الفاسد تفوح، ومن بعيد وسط سكون العصاري المطبق تسمع صوتًا غير غريب عليك تتلاحق عواءاته من بعيد .. تسمع الصوت وتشم الرائحة، الخناقة، تحسبها كلابًا على جثة، ولكن الرائحة والخناقة أكثر بشاعة .. لا بد أنّهم بشر على لقمة.

فإذا سمعت طرفًا واحدًا هو الماضي في زعيقه وعوائه، بينما الطرف الآخر صامت صمتًا تامًا، وكأنَّه ليس المقصود، فاعلم أنَّ الخناقة مع عم حسن، وأنَّ الآخر رغم أنَّه جاء إلى التقاطع بعده، ولولا عم حسن ما جرؤ على التفكير أو البقاء، إلا أنَّه محموم يَنفجر بغضبه.

ولكن هؤلاء لم يكونوا يسببون للرجل العجوز الطيب أي إزعاج، بالعكس كان دائمًا يقابل عويلهم بالابتسام .. ابتسام الفرحة؛ إذ معناه أنَّه عمرت الحتة، وليس ما يبهج عم حسن أكثر من أن يدرك، هو الجواب الأرض القفر والساحات المهجورة، إنّ قطعة مهما بلغ صغيرها من الدنيا، ومن مصر أم الدنيا، قد عمرت.

ولكن، أن يعبس عم حسن، وأن يبدو وجهه شديد العبوس، وأن يظل هكذا حتى بعد محاولات العسكري المستمرة لتطيب خاطره معناه أنّ في المسألة شيئًا آخر غير عادي!

واعتقد العسكري أنَّ عم حسن رجلٌ طيب ومسالم، ومن عادة هؤلاء أن يُزعجهم التهديد، وهكذا أخذ العسكري على عاتقه ألا يتكرَّر المشهد، وأن يظل وراء مَن هدَّده حتى يجبره على المضي إليه وطلب غفرانه. وبدأ يعيد السؤال على الرجل، ويطلب من عم حسن وصفه وتذكر من أين جاء وإلى أين ذهب. ولم تُعجبه الإجابات، فقد جاءت كلها غامضة محيرة وكأنّما عن عمد، أو من شدة الخوف، يحاول عم حسن تضليله، وبهذا واجه عم حسن وكان أن ابتسم الرجل وكأني بقلبه ابتسم فهو لم يكن يحاول أن يخفي عنه شيئًا، وأنّه لا يفعل أكثر من أن ينقل إليه كل ما يعرف، فهو لم يعٍ بالضبط من أين جاء الرجل فقد أفاق فوجده أمامه، ولا إلى أين ذهب فما كاد دمه يتغيّر لكلامه، حتى كان في ثورة الغضب قد اختفى، وهو لا يذكر ماذا كان يرتدي، فقد أضاع الغضب للحظة الرؤيا ذاكرته، غير أنّ ما أدهش العسكري ومنعه عن متابعة بقية الحديث وعن إلقاء أي سؤال، أنّ عم حسن في كلامه عن الرجل وكأنَّما يتكلم من الذاكرة، وكأن ما في الذاكرة أقرب إليه مما، منذ دقائق، حدث!

كان وكأنّما يتحدث عن شخص يعرفه تمام المعرفة، عن شخص لا يُمكن أن تكون تلك هذه المرة الأولى لرؤيته .. وحتى حين واجهه بهذا سكت ولم يجب، آخر كلمة قالها العسكري قبيل أن يغادره أن طلب منه، إذا جاء الرجل، أن يشير له ويناديه، وليدعه حينئذٍ يتكفل به.

وهزّ عم حسن رآسه، وكان وجهه لا يزال محتقن الملامح في اكتئاب.

وكاد العسكري يغضب حين علم - من عم حسن نفسه - أنّ الرجل جاء، وأنّه هذه المرة أنذره، ومضى قبل أن يستطيع أن يشير له أو يناديه. كيف يمضي قبل أن يستطيع؟ أهو كائن مسحور؟

إنَّه هكذا - مضى عم حسن يخبره - عمري ما رأيته قادمًا ولا عرفت كيف يغادرني. عمرك - أفي المسألة أعمار؟

بالطبع - قالها عم حسن ببساطة .. فليست هذه أول مرة إنما دائمًا وراءه أنّى يذهب يسكن حتى يبدأ الآخرون يفدون ويقيمون العشش. ومن لحظتها يبدأ يأتي ولا يتركه حتى يذهب.

وللعسكري ألف حق حين أحسَّ أنّ عم حسن يبالغ ليس إلّا وأنّه من امتداد حياته الطويلة بعيدًا عن المشاكل يجعل من الرجل جنيهًا أحمر. ووصاه وألح عليه إن جاء فقط أن يناديه، ما عليه إلا أن يشير له ويناديه.

لم يأتِ الرجل في اليوم التالي. هكذا أكّد عم حسن، لا ولا اليوم الذي يليه، إلى العاشرة حين كاد جاز اللمبة «الشيخ علي» يفرغ وسهرته التي نادرًا ما تمتد أكثر ما تنتهي، ويخمر من زبائنه قرر قضاء الليلة عنده ومن سيرحل، هكذا في ظلمة الليلة، ودون خوف من مجهوله وظلامه، وكأنَّه في بيته صاحب الطريق إلى العشرة لم يكن قد جاء.

وفي اليوم الثالث. كانت كوب الشاي التي قدها للعسكري عقب الغذاء، وكان رجاؤه أول مرة يسمع فيها هذا الرجاء، أن يساعده على الرحيل.

وحين كان عم حسن يأخذ الكوب الفارغ ويمضي ويتمتم. لم يكن ما يتمتم به كلمات شكر كما أعتقد العسكري، كانت كلمات ضيق وتبرم بالموقف الذي أصبح فيه، فها هو العسكري يقف بجواره مصممًا على بقائه وعلى أنَّ باستطاعته الدفاع عنه في حين أنّه أعرف الناس أنَّ أحدًا لم يستطع - مع هذا الرجل - أن يساعده وأنَّه جانبه ويجابهه دائمًا وحيدًا، ولا فائدة من إطالة النضال.

وبعد دقائق كان ينادي بأعلى صوته يا شاويش.

وفي بضع قفزات كان العسكري قد ترك المكتب والدفتر، والقيد والعربة النقل الدائرة موترها في إزعاج، وأصبح أمام عم حسن، يسأل: هو فين؟!

وبيأس تام أجابه عم حسن إنّه ذهب.

كيف ومتى وهل من المعقول أن يكون قد اختفى تمامًا ولم يمر بين ندائه وبين مجيئه سوى زمن كلمح البصر؟

-        مش قلتلك؟ أهي دي عوايده.

ولأول مرة، وبنظرة مختلفة تمامًا حدَّق العسكري في عم حسن، فلم يكن هناك إلَّا تفسيرٌ واحد، إنَّ هذا الرجل العظيم، مجنون لا بد، يتصوَّر أشياء لا يتحدث.

وبنفس النظرة مثبتة على وجهه بالذات على عينيه الواسعتين العسليتين.

-        أنت متأكد إنَّ فيه راجل بالشكل ده؟

وعلى الفور فهم عم حسن أو ابتسم في رثاء!

وانقضت الليلة، وفي الصباح، وإلى الساعة الثامنة لم يكن قد جاء عم حسن له بشاي الصبح أو بدا له أثر. ودب القلق في قلب العسكري مخافة أن يكون قد ذهب، لولا أنَّه من مكانه كان يلمح العشة وجلبابه المنشور فوقها منذ الأمس، ولم يكن باستطاعته التحرك، فبجواره كان ضابط ينتظر، وعليه أولاً أن يجد له عربة ذاهبة في اتجاه العاصمة، وهناك، قرب العاشرة جاءت العربة، وحتى قبل أن تتحرك بعيدًا كان هو قد وصل إلى جوار العشة وقبل أن يستدير إلى الباب كان ينادي عم حسن، وخُيِّل إليه أنّه يسمع أنينًا. وفي الداخل كان عم حسن راقدًا وحول عينيه كدمة زرقاء كبيرة وصدغُه وارم وواضح في هيئته أنَّ اعتداءً قاسيًا قد وقع عليه. وردًّا على أسئلته الكثيرة، واستفساراته، حدَّق فيه عم حسن بعينه غير الوارمة وحدث فيه مليًّا قبل أن يقول: صدقت بقى إنَّه بييجي؟

وفتح العسكري فمه ولكنه عدل عن النطق، ودون أن يغير لهجته استطرد عم حسن: مش تعمل في معروف بقى وتكلم لي سواق؟

قضى العسكري إلى الظهر ودمه يغلي تارة وجسده يرتعش تارة أخرى. إنَّه بطبيعته لا يتحمَّل أن يرى أحد ضحية ظلم مهما صغر، فما بالك والضحية عم حسن، أحب وأقرب مَن أنِستْ إليه نفسه في الحياة، لقد قضاها كالقط الضال بريًّا يكاد يصل حد التوحش من الصعب عليه أن يألف ومن الصعب أن يأتلف، حتى مع أخيه الأكبر الوحيد، وحتى والمرأة بين ذراعيه وقد ذابت كل الفواصل، عمره ما أحس أن أَلفةً حقيقية قامت بينه وبينها، حتى لو كانت «نظلة» زوجته، والأخرى التي جرى عليها طويلًا واشتاق لها كثيرًا وأحبها وكانت وبالصدفة اسمها «نظلة» أيضًا، الإنسان الوحيد الذي اخترق حجبه وهد جدرانه واقترب أكثر ما يُمكن من قلبه وروحه، وقرب قلبه، وروحه إلى الدنيا والناس .. كان عم حسن!

عم حسن الذي في أيامٍ ارتبطت فيه نفسه إلى الدرجة التي لو أصرَّ فيها على الرحيل لوجد نفسه، دون أن يستطيع لها منعًا أن يرحل معه .. الراقد الآن يتألم متورمًا ومضروبًا من ذلك الرجل، مهما كان وليكن إنسيًّا أو جنيًّا، وليكن إبليس بنفسه وبكل جبروته!

كان العسكري، ولنُسمِّه صميدة يعمل ثماني ساعاتٍ ويستريح مثلها، ويبادله العمل والراحة زميله، زميل لا علاقة له بكل ما ذكرنا، ما لاحظه ولا كان على استعداد للاهتمام به؛ فهو في السن أصغر، وتلك أول مرة يتغرب فيها عن زوجته وابنه الحديث الولادة، وهو دائمًا، بالخواطر معهما، لم يحس للحظة واحدة بما على قيد خطوات منه يحدث!

وقضى صميدة، الأربع والعشرين ساعة بجوار صاحبه العجوز الذي رقد منها نصفها وعاد إلى طبيعته من نصفها الآخر وجلس وأكل وتحدث. وصميدة صامت يجتر الغيظ ويستعيد بغضب ما يفعله بالرجل حين يجيء. ولكن إن أناسًا كثيرين جاءوا وذهبوا دون أن يبدو للرجل أثر، حتى أغمض مرة عينيه، ورغم أنّ إغفاءته لم تطل أكثر من لحظات، إلا أنَّه كان قد حلم فيها أنَّ الرجل جاء، والعجيب أنَّه لم يكن كما تصوَّر أبدًا شيطاني الملامح يقدح الشر من عينيه، كان يبدو كالنوع «السهتان» من الرجال، النحيف، القصير، وكان وجهه «سادة» تكاد لولا وجوده أن تَعتقد أنّه بلا ملامح، وربما وجهه الخالي من الانفعال ذلك هو ما جعل صميدة يحسَّ بالضيق الشديد منه وبالرغبة الملحَّة في قتله، وهو صعيدي وعربي يعرف معنى القتل ويفهمه، رغبة بلغ من شدتها وإلحاحها أن أيقظته، وحين صحا وجد عم حسن يحدق فيه بعين مفتوحة ونصف الأخرى الذي أصبح قادرًا على نتحه، وظل يحدق فيه لبرهة ثم قال: شفته!

وكاد يقول: شفته، لولا أنَّ عقله ارتبك وتساءل: كيف عرف عم حسن أنّه كان يحلم، وأنَّ الرجل جاءه في الحلم؟

وسأله: إيش عرفك إني شفته؟

فقال عم حسن: ما هو كان هنا ولسة ماشي!

فقال صميدة: أنت راخر حلمت به.

فاستنكر عم حسن: حلمت إيه. أنا صاحي. وجه وافتكرتك شفته واستغربت إنَّك ما قلتلوش حاجة!

وأحس صميدة بالخوف، من المرات النادرة القليلة التي أحس فيها بالخوف إلى درجة كاد يخبر عم حسن أنَّه يُوافق أخيرًا على رغبته وأنّه سيكلم له أول سائق يمر!

ولكن العناد، ذلك الشيء المركب فينا يفسد علينا لحظات الاستسلام للواقع، ثار وابى. وفي ومضة كان صميدة قد قرر إمَّا هو أو ذلك الرجل.

وانتقل صميدة إلى عشة عم حسن يقضي فيها ساعات راحته، والعشة نفسها نقلها بحيث أصبحت تواجه الكشك تمامًا، ولو استطاع لجعلها ملاصقة له.

وأصبح على عم حسن ألّا ينتقل من مكانه إلا إذا عرف صميدة وتابعه إن لم يكن بنفسِه فبعينيه، وأصبح على صميدة أن يظل مفتح الأعين لا يغمض له جفن، إذا نام كان على حسن أن يظل مستيقظًا قابعًا بجوار زميله، ولا ينام عم حسن وإلَّا وحماية صميدة تحوطه، ومع هذا ما يكاد الانتباه يغفل حتى يرفع عم حسن يده مستجيرًا، ويعرف صميدة أنَّ الرجل جاء ومضى كما تأتي ريح وتمضي، وأنَّه لا بد همس لعم حسن مثلما يَهمس كل مرة بتهديده، وبأنَّ صبره قد نفد وأنَّه لا محالة قاتله .. والعناد ذلك الشيء المستبد الخارق يزداد نموًا كالمارد العملاق في جوف صميدة حتى ليصبح هو الذي يسيره ويخضعه، وكلما ازداد استبدادًا وازداد التهديد حدة، كلما أصبح على حركات عم حسن وسكناته أن تخضع أكثر وأكثر، حتى ليكاد يشير لصميدة ليُنبهه أنَّه يريد فتح الفم أو التنفس!

وكان طبيعيًّا أن تخلو عشة عم حسن من رفاق الطريق، ليس فقط لكل ما تقدم، وإنّما لأنَّ صميدة قد أصبح يتوجَّس لدى قدوم أيهم وبعينيه النفاذتين يتفحص ملامح وجهه ليعرف قربها أو بعدها عن الملامح كما رآها وكما أصبح يعتقد أنّها قريبة الشبه جدًّا من ملامح أي قادم يراه، أو على الأقل باستطاعة أيهم أن يحيل ملامحه إذا أراد لتصبح «سادة» كريهة كملامح ذلك الرجل الكريه.

وفي صباحٍ جميل، كل ما فيه جميل، إلا ما هما فيه. مال عم حسن على صميدة وقال: ح نقعد كتير على كده؟

-         لغاية ما يبان ونخلَّص عليه.

-        بعد يوم .. اتنين .. سنة .. سنتين؟

-        حتى لو بعد عشر سنين.

-        طيب معاك، ساعتها صحيح ح نخلَّص عليه، إنما إحنا ح نكون رخرين خلصنا، تعرف مين ساعتها ح يبقى انتصر .. العند .. إحناح نكون متنا من زمان واللي عايش فينا العند وزي ما خلَّص عليه .. خلَّص علينا .. سيبني أمشي!

-        وتروح فين؟

-         دنيا اللّٰه واسعة يا أخي .. وإذا كان في الحتة دي عدو فالطريق مليان أصحاب ورفاق .. الدنيا حلوة يا ابني وحرام تعادي فيها حتى اللي يعاديك .. عايز تغلبه سيبه ينفلق ويعاديك، واوعى تعاديه أنت لتخسر نفسك.

وذات يوم، وصميدة نائم، كان عم حسن يُلقي بنفسه مرة أخرى إلى أيد الناس، والسائق يُساعده على جمع حوائجه.

وحين استيقظ صميدة ولم يجد عم حسن أو عشته أصابه ذهول أوقف تفكيره، كأنَّما أحسَّ أنّه فجأةً فقد كل ما له على ظهر الدنيا، وحين أفاق، أحس لومضة، بالارتياح؛ فقد شعر أنّ العناد ينسحب من جسده، ومعه تنسحب ملامح الرجل الكريه التي لم تغادر خياله لحظة، تنسحب معه فتهزمه، لومضة أحسَّ أنَّ الحياة قد بدأ يعود لها طعمها الحلو، كان عم حسن قد ذهب حقيقة وذهب معه سحره، ولكن المكان عند التقاطع قد عَمُر، ودبت فيه الأرجل وحفل بالعشش التي كانت إحداها قد بدأت تتحوَّل إلى بناء ذي سقف وأبواب. لومضة عابرة أحسَّ بكل هذا، غير أنّه أفاق تمامًا من ذهوله حاول أن يجري وأن يسأل، ومن السائقين والعابرين يستقصي، لا ليعرف مكانه البعيد، وإنّما على أمل، أن يعرف مكانه ليترك كشكه ويذهب خلفه، وإلى الآن لم يزل صميدة مؤمنًا وواثقًا أنَّ عم حسن لا بدَّ حيٌّ يرزق، ناصبًا عشته عند تقاطعٍ ما في الطريق، ولا تزال كلَّما مرت به عربة نقل، قبل أن يأخذ أرقامها ويردَّ تحية سائقها يسأله إن كان قد رأى أو التقى بعم حسن، وبعضهم يقول إنَّه من سنة رآه وآخر من شهور، وإجابات كثيرة يظفر بها، مرة يجده في دمنهور وأخرى في طريق البدرشين .. آه .. لو فقط يعثر له على مكانٍ أكيد!

 

 

(تــــــــــــــــــــمّــــــــــــــــــــت)

google-playkhamsatmostaqltradent