اللعبة (1)
دخل القادم الجديد مذهولًا، كان المكان
وكأنَّما تحسُّ أنَّك سقطت إليه من علٍ، أو وصلته عن طريق سردابٍ طويل مزعج،
ولكنَّه كان فاخرًا بالغ الفخامة، اللون الغالب فيه هو الأسود، سواد .. كسواد
الكاديلاك .. يوحي بالأناقة والعراقة، وكان النور غير ثابت المصدر، ومُضطربَ
الاتجاه .. وتحسُّ وكأنَّما تُوجِّهُه يد خفية إلى الناحية أو الناس الذين ينظر
إليهم فقط، كان غموض مرح يسيطر على جو الحفل، والحضور تُدرك بطريقة ما أنّهم
كثيرون، ولكن عدد من يقع بصرك عليهم قليلون، تستطيع التفرَّس فيهم بسهولة .. ودخان
السجائر والسيجارة يلون الجوع ببقع سماوية متحركة، ويتشابك مع إشعاعات النور غير
المرئي، صانعًا سحبًا كسحب الصيف، بيضاء. والحفل صاخب إلى حد ما، ولكنّه صخب وقور .. كأنّه احتفال بخطبة شاب من أعرق عائلات الصعيد .. أو بتكريم خاص لوزير
مُهم، وعلى الوجوه نوع من الاستمتاع القلق الذي ينتاب هذا النوع من صفوة الناس
كلما أتيحَت لهم متعة، مخافة أن يضيعوا فيها وقتًا من أوقات الكسب، وخدم، وكأنَّهم
استُحضروا خصيصًا للمناسبة بأكثر من زي، لكونهم درجات، والسيدات في فساتين السهرة
.. ولكنّها ليست جديدة تمامًا، كأنّما لم تُستعمل من أعوام، واستخرجت للمناسبة من
الدواليب، غالية، تبدو عليها آثار العز، بعضها مطرَّز بلآلئ وإن كانت صغيرة ..
لكنها حقيقية .. والوجوه، وجوه الرجال، مكتنزة قليلًا ولكنها شاحبة، كالمجهدة.
والسيدات عيونهن .. رغم تعدُّد ألوانها تبدو كلها سوداء، كلها سوداء عميقة الغور،
وكأنَّ صاحباتها يُعانين من جوع جنسي لا يدركنه، والمقاعد قليلة متناثرة، أقل
بكثير من عدد الحاضرين، ولكنَّها راسخة في أماكنها وكأنَّما مضت عليها أحقاب ..
وقماشها من القطيفة الحمراء الغامقة، التي تبدو حمرتها مع سواد البدل، ورماديتها
مع الفساتين الفاتحة .. والسقف الأخضر بانعكاسات الضوء، وسحابات الدخان المتعدِّدة
الدرجات، والعبير الصادر عن «برفانات» حديثة، وإنَّها كانت تُعطي رائحة كرائحة عطر
الجدات العربي القديم، والضجة المكتومة الصادِرة عن لا مصدر، والتي تُتيح لكل
إنسان أن يتحدَّث مع أيٍّ إنسان دون أن يثير الانتباه، أو يتسرَّب من حديثهما
الكلام، كل هذا جعل القادم الجديد يُحملِق ويتردَّد ويضطرب كثيرًا قبل أن ستطيع أن
يتبّيّن أن يكون موقفه. كان واضحًا أنَّه لا يمتّ إلى المكان أو الحاضِرين،
وكأنَّما دخله بطريق الخطأ. ولكن من ملامحه وتصميمه، كان يبدو أنَّ له الحق في
الحضور، وأنَّه يَملك، ربما في جيبه هذا الحق .. وأنّه على استعداد لأن يُظهره
ويتحدَّى به كل مَن يجرؤ على سؤاله أو التصدي له. ولم يكن أحد قد لاحظ دخوله، أو
اكترث. ممّا آتاح له أن يتدبّر موقفَه، وأن يتأمَّل الجميع، أو بدقة أكثر من
استطاعت عيناه أن تقع عليها من الجميع، تأمُّلًا كان يدفعه إلى مزيد من القلق ..
وشيئًا فشيئًا يخلخل ثقته بنفسه، أين يقف؟ تلك كانت مُشكلة، وهل يؤثر الوحدة أم لا
بدَّ له أن يشتبك مع الآخرين في حديث؟ مشكلة ثانية .. ومع مَن يتحدّث إذا أراد؟ وفي أيٌّ موضوع؟ وبأيّ حق؟ مشكلة ثالثة ورابعة
وخامسة؟ أم تراه قد أخطأ المكان وتكون الكارثة؟
ودهش فعلًا حين وجد، دونا عن الحاضرين، شخصًا
يقترب منه .. كان جليًّا أنَّه ليس من الخدم، فلم يكن يرتدي مثلهم، ولا من الحضور
.. فهم منصرفون إلى أنفسهم متكبرون .. لا يمكن أن يفكر أي منهم في مبادأته
بالحديث، ولأمر ما، كان في مشية الرجل وطريقة اقترابه وابتسامته المتشح بها ما
يُذكّر بالأدلاء الذي يتهافتون حول الفنادق لإرشاد السياح .. حتى سُترته التي
يَرتديها بدت أكمامها ومقدمتها كأنّما أكمام ومقدمة جلاليب الأدلاء البلدية .. وما
إن اقترب من القادم بدرجة كافية حتى اكتشف أنّه يَحمل أمامه، وكأنما بحزام،
صندوقًا كالصناديق التي يحملها باعة السجائر، ولكنّه أصغر كثيرًا ولم يكن بحزام،
وأنيق جدًا، جدرانه وأركانه مُطعّمة ومشغولة بأسلاك معدنية ثمينة .. وحين وصله
وسَّع ابتسامته بطريقة بدت وَقِحة الأدب، وقال بصوت فيه بعض التحدي وبعض الإغراء:
تضرب يا بيه؟
واضطرب القادم بانفعالٍ مفاجئ. كان قد بدأ
يُدرك أنّ الرجل يحمل لعبةً من نوع ما، وأنّه ليس الوحيد، فهناك أكثر من واحد غيره
يطوف بأرجاء المكان، بل هناك أكثر من لعبة يزاولها بعض الحاضرين في أطراف المكان
الذي بدأ يصبح أكثر اتساعًا، وكأنَّه نادٍ، وكأن الاحتفال مهرجان ما، أو «تمبولا».
والرجل لا يزال واقفًا أمامه، يَبتسِم .. نفس الابتسامة المؤدبة الوقاحة، ويعرض
عليه مرة أخرى بإغراء أكثر: تضرب يا بيه؟
وحتى دون أن يسآل أظهر له يده اليمنى، فإذا
فيها مسدَّس من نوعٍ غريب، أسود، لامع السواد، بطريقة مُلفتة للنظر ومحيرة، جديد
وكأنَّه لم يُستعمل قط، وحتى دون أن يُشير. أدرك
القادم أنّ الصندوق الأنيق مليء بطلقات، مرصوصة بنظام رائع، ومقلوبة بحيث أنَّ
قواعدها إلى أعلى .. أما الشيء غير العادي فهو أنّه في الصف الأخير الأيسَر توجد
رصاصة ليست مثل غيرها من الطلقات .. فقاعدتها ليست برونزية اللون، وربما المادة
كالأخريات .. ولكنها وكأنّها مصنوعة من فضة مشعة، أو برد من معدن ثمين، بريقه يخطف
البصر، بحيث إذا نظرت إلى الرصاصات المقلوبة في الصندوق لا تستوقف هذه الطلقة
بالذات انتباهك فقط، ولكنّها تستولي عليك تمامًا، وتكاد تعجز أن تُحوِّل البصر
عنها. تضرب يا بيه؟ مرة ثالثة قالها الرجل، وبالضبط لم يستطع القادم أن يُحدِّد إن
كان حقيقة قد قالها في المرتين الأخيرتين، أم أنّه نفس النداء المغري يتردَّد صداه
في عقله لثاني ولثالث مرة. بالكاد استطاع أن يستردَّ بصره المثبَّت على قاعدة
الطلقة النادرة ليعود يعي بالرجل واللعبة. وحتى دون شرحٍ، فهم أنّ عليه أن يتناول
من الصندوق طلقة، ويضعها في المسدس، ثم يذهب إلى مكان في الركن، مخصَّص للإطلاق؛
حيث يوجد هناك حاجز تمامًا، كما يوجد في لعبة التنشين بمدينة الملاهي، كل الفرق
أنَّه لا تُوجد عدة أهداف، إنّما هدفّ واحد، لم يستطع من موقفه أن يتبيَّنه، فإذا
أسقطه يفوز بالجائزة، وأيضًا لم يكن يدري ما هي الجائزة، ولكنه كان مُتأكدًا أنّها
أعظم جائزة نالها أو مُمكن أن ينالها في حياته، وبدا كل شيء يسيرًا، والجائزة،
أعظم جائزة قاب قوسين أو أدنى .. وما عليه فقط إلّا أن يستعمل هذه الطَّلقة المشعة
المتلألئة، حركة من يد الرجل أوقفته، يده اليسرى الخالية من المسدَّس. أشار له بها
مطالبًا بثمن الاشتراك في اللعبة، موضحًا بأصابعه القيمة، وأخرج القادم من جيب
بنطلونه جنيهين حسبا حدد، وضعهما في يده.
