خبر
أخبار ساخنة

لغة الآي آي | يوسف إدريس | اللعبة (2)


من أقوال الكاتب يوسف إدريس عن نيل الأماني وطولة البال

اللعبة (2)

 

 

وكان مفروضًا حينئذٍ أن يُعطيه المسدس ويتناول الطلقة الفريدة ويعمر، ويذهب إلى الركن. ولكن شيئًا من هذا لم يحدث. فجأة بدا كل شيء بعيد الوقوع؛ المسدس في يد الرجل وفي متناول يده، والطلقة في مكانها من الصندوق تزغلل عينيه، ولكن هناك مماطلة ومراوغة، وربما من أجل ألّا يستعمل هذه الطلقة بذاتها، وربما للتسويف في التنفيذ .. ربما لأنّ هناك أشياء كثيرة لا بدَّ أن تُستوفى، والوقت يمتدَّ دون أي داعٍ للامتداد، والموقف لا يتحرَّك أو يتحرَّك منزلقًا متراجعًا .. وابتسامة الرجل تصبح أكثرَ وقاحة وأقلَّ أدبًا، وقلة اكتراث الحاضرين وانصرافهم إلى أنفسهم تزداد بشكل يجعل من موقفهم ذاك عاملا إيجابيًّا يتدخّل ويُساعد الرجل في مماطلته، ويحُول بينه وبين أن ينال حقه وقد دفع قيمة الاشتراك، وغيظا فغيظًا بدأ يحس إحساسًا يتعمق ويدك كالمسمار المدبب الطويل في نفسه، أنَّه ضحية خداع لا يستطيع وضع يده عليه أو ضبطه، وأنَّه مسلوب الحق، وأنَّ أحدًا، وبالذات هذا الرجل الواقف أمامه بدأ يتراجع منصرفًا ويحاول الاندساس بين الحضور، يُريد سلبه حقه والضحك عليه .. وكل من في المكان وما في المكان يساعده. فالحضور بدءوا يتكاثرون، والخدم اشتدّت حركتهم، والضجة علت قليلًا .. وثمة مؤامرة خفية تدور بين الجميع .. مؤامرة صامتة غامضة تلتف خيوطها خفية تحت ستار الضجة المكتومة وبين ثنايا السحب المدخنة المضيئة، وحتى من بين أنسجة البدل الغامقة والفساتين الفاتحة والقطيفة الحمراء. وصرخ في الرجل مهددًا. وتوقع أن ينتاب الجميع نوبة ذهول لصراخه، ولكن، وكأنَّه لم يُصدر صوتًا، ما انتبه أحد .. وزعق مرةً أخرى ولم يَسمع سوى ما كان يسمعه من ضجة الحفل الصاخب المكتوم .. وأصبح الغيظ يخنقه وصغرت الدنيا في عينِه وهانت، ولم تعد قوة في الكون تستطيع أن تحُول بينه وبين أن يأخذ ويضرب الطلقة، تلك الطلقة بالذات، وبيده اليُمنى، ودون وعي، انقضّ على الرجل وأمسكه من مقدمة سترته، ولم يأبَه الرجل ولا الحاضرون لهذا العمل. وكان يُخيَّل إليه أنّه عمل يُعدُّ جريمة لا تَغتفِر في نظر المجتمع المحيط به، وبيده ممسكة الرجل من تلابيبه، حدَّق في وجهه، كانت نفس الابتسامة وقد أصبحت الوقاحة فيها هي الغالبة، تطلُّ من وجهه الأسمر المستطيل، ويستطيل لها شاربه الأسود، وتجعل أسنانه البيضاء الحادة تطلَّ من فمه المنفرِج .. وفي الحال، وبيده الأخرى صفَعَه على وجهه صفعة قوية، أعجب شيء أنَّه لم يصدر عنها صوت، وكأنّما صفعة معنوية وليسَت مادية حقيقية ضربها بنفسه، وهوى بها بجماع يده على الصدغ المستطيل الأسمر. وانقلب الغيظ إلى غضب، ولكنَّه غضب لم يُصبه بالعمى، كان يرى، لم يفقد أبدًا قدرته على الرؤية، وأدرك أنَّ الصفع لم يعدْ يُجدي، وأنّ الوقاحة المطلة من ابتسامة الرجل في حاجة إلى نوع من الضرب أكثر إهانة، وبكل ما يملك من قوة وبساقه اليُمنى ركَلَه في بطنه، وكان مُتأكدًا أنَّهِ هذه المرة سيَنفطِر ألمَا، فقد كان الضرب من القوة بحيث لو أصابت الحائط الجماد لتألّم؛ إذ هو نفسه، الضارب، قد شعر وكأنّ قدمه قد سُحقت ودشدشت. وكان أمله أن ينظر إلى الرجل بعدها فيجده يتألم، يَكفيه .. حتى استردادًا لكل حقه أن يَراه ولو لومضة خاطِفة يتألَم .. ولكن وجه .. وجه الرجل .. حين رآه كان لا يزال يَبتسم. كل ما في الأمر أنّ الأدب ذهب تمامًا من ابتسامته، ولم تعد هناك سوى الوقاحة، وقاحة مُستهزئة مستصغرة وكأنَّه ينظر إلى طفل .. وكاد يُجن، فهو مدرك أنَّ الرجل حي؛ من دم ولحم وأعصاب، وأنّه حتمًا قد تألَّم، فكيف استطاع أن يَكبت هذا الألم كله، وألَّا يبدو على وجهه خلجة واحدة أو لمحة اهتزاز تدلُّ على معاناة، أو تدل على تغيير ولو طفيف في تعبيره المبتسم الوقح، وانهال عليه ضربًا .. وقد انقلب الغضب إلى حنق مجنون، لم يعدْ يرى معه كيف ولا أين يضرب. ولكنَّه كان على يقين تام أنّه بجماع قوته وإرادته يَضرب وباستماتة يفعل، وأنّه يضرب هذا الرجل بالذات ولا يُريد ولا يُمكن أن يتوقف عن ضربِه حتى لو أراد، فمن هناك، من أغوار سحيقة جدًّا في كيانه، كانت تتدفَّق حِمَم من الحق المغليِّ المُلتهب، وتَنفجِر مُعبّرة عن نفسها المخيفة من خلال أيديه وأرجله وأسنانه .. فبأسنانه كان يعضَّ، وكأنَّه انقلب إلى وحش، وبكعب حذائه يدلُّ، وبقبضتَيه يضمهما معا ويرفعهما عاليًا ويهوي بهما دفعة واحدة كالمعول الهائل محطمًا ومُدمرًا، وكلّما أحس بالوهن يزحف إلى إرادة الضرب فيه، كان يكفي أن يَتذكّر أنَّه خُدع وضُحك عليه ومُنِع منعًا من مزاوَلة حقِّه لتعود إليه كل قواه، وبكل قواه يعود يحقد ويضرب ويضرب. وحين تعب تمامًا، ولم يعدْ يَقوى على مجرد رفع اليد أو تحريك القدم، حين أحسَّ أنَّه كله قد تداعى وتهدَّم، وكأنَّه المضروب، وأنَّه بالكاد يَلتقط النفس. إنَّه يلهث، بل لم يعد يقوى على أن يَلهث .. بحيث بإرادته لم يعدْ يتنفّس، وإنَّما صدره بآخر قوى الحياة فيه، ومن تلقاء نفسه وبغريزة المحافظة على الذات كصدر فقط يَشهق كف، وسكَت، سكن سكونًا تمامًا، وكأنَّه في طريقه لاستقبال الموت. وأول بوادر قدرة على الحركة ارتدَّت إليه فتح بها عينه. والمذهل أنّ الرجل كان لا يزال هناك واقفًا في تراخٍ وهدوء أمامه، والصندوق يحمله والمسدس نصف مختف في يده، والطلقة ذات القاعدة النادرة المعدن الخاطفة للبصر لا تزال في مكانها من صفوف الطلقات، وابتسامته هذه المرة وقد عاد الأدب يختلط بالوقاحة فيها تحتلَّ مكانها من وجهه، وأيضًا لا يزال موقف الدليل العارض لخدماته، وصاحب اللعبة الذي يُروِّج لها ويُغري الآخرين باللعب، ولم يعد أمام القادم وقد استنفد كل وسائل القوة إلّا أن يَلجأ إلى التأنيب واللوم. وأودع نظرَه كل ما يريد. وإذا بالرجل يُجيب وكأنَّه يقول: «أنا مش قلت لك عايز يا بيه تضرب؟»

 وأجال القادم رأسه بضعف في الحاضرين، وكأنّما أدرك متأخرًا جدًّا أنّهم جزء من اللعبة، بينما الرجل يقول: وآدي انت ضربتني. أجل حقيقة كان يريد أن يضرب، ولكنَّه كان يريد أن يضرب الطلقة لا أن يضرب الرجل.

-        ما هي دي اللعبة!

قالها الرجل وقد ازداد الوقح في ابتسامته!

أيضحك؟

 

 

(تــــــــــــــــــــمّــــــــــــــــــــت)

google-playkhamsatmostaqltradent