خبر
أخبار ساخنة

لغة الآي آي | يوسف إدريس | فوق حدود العقل (2)


حكمة قالها الدكتور يوسف إدريس عن الجنون والعقل

فوق حدود العقل (2)

 

 

وبدأت الحجرة تَمتلئ بالضباب .. أتفرَّس في وجه الشاويش فأجدُه ضخم الجسد، ناصع البدلة، مُدبَّب الملامح، صاعق النظرات، أشرطته الأربعة نافرة على كتفه، تكاد تُضيء بنورٍ أحمر وهَّاج، وبجواره أخوه الصغير، ملفوفًا كرطل العظم المُشفَّى في خرق بالية وقميص كتاف. وبينهما فرحانة، تَبكي بحرقة وتندب حظًا لا يعرف صاحبه. والعيون كلها زائغة، لا فرق بين عيون بدري العاقل أو محمد المجنون، والأعصاب مشدودة، والحقيقة قد بدأت تضيع، حتى من العسكري الواقف يحرس هذا كله ويحمي القانون، ومني أنا صاحب أسوأ موقف الوحيد من بين الحاضرين جميعًا، الذي كان عليه أن يُقرِّر، في دقيقة أو جزء منها، أين يكمن الحق، ويحكم بين أخوين لم يرهما إلّا منذ دقائق، وكلُّ منهما يُكذب الآخر، ولا بد أنّ أحدهما على الأقل كاذب، والآخر إمَّا مجرم أو مجنون .. وبدأ شيء يبرز وسط الضباب .. ولم يكن شيئًا .. كان رجلًا، ارتفع صوته بالخارج، قائلًا للتومرجي: اوعَ .. ثم ما لبث أن اقتحم الحجرة، وانتصب قريبًا من الأخوين على هيئة عسكري آخر، ضخم أيضًا وطويل، وعلى صدره كوردونات خضراء كتلك التي يَرتديها حرس مجلس الأمة أو الوزراء لا أعرف، وكان شاحب اللون يلهث، وقبل أن يَلتقط أنفاسه بدأ يتكلّم، موجهًا كلامه للأخ الشاويش الأكبر قائلًا: بقى كدة يا بدري عايز تعملها وتودي محمد السراية؟ اللّٰه يلعن أبو الأرض .. دول ثلاث قراريط يا بدري تعمل في أخوك كدة عشانهم.

وقبل أن أسأله عمَّن يكون .. تطوَّع هو بتقديم نفسه قائلًا: إنّه الأخ الثالث الأوسط، وإنَّه علم منذ قليل أن بدري قد استصحب محمدًا بالقوة ليُدخِله السراية، فجاء يجري ليمنع الجريمة.

وبكى، وضايقني بكاؤه، وصرخت فيه، ماذا يُبكيه وهو الراجل الوافر القوة والقدرة، وإذا به يقول: ما يغركش يا بيه .. أصل أنا أعصابي تعبانة شوية، واتعالجت عند الدكتور ناشد فهمي، المدرس بتاع الأمراض النفسانية في الدمرداش.

قلت في سرِّي: المسألة إذن وراثية .. وخيط الجنون يسري في العائلة، وسألت: اتعالجت من إيه؟

-         أصلي حصل لي انهيار في أعصابي .. أصلي قتلت مرة حرامي، ومن يومها وأنا بدوخ، وكل ما اشوف بندقية نفسي تغم عليه!

ولا بد أنّ روح الهزل هي التي تستبدُّ بنا أحيانًا .. فقد وجدت نفسي أنسى الموقف تمامًا، ولا يعود يُهمَّني سوى حالة هذا الأخ الأوسط الذي بدأ يرتجف أمامي ويهتز، وأكاد أضحك كلما قارنت بين جسده الضخم المهيب وصدره العريض الحافل بالكوردونات وبين ساقيه المرتعشتين والدموع السائلة من عينيه، ولم أكن قد رأيتُ قاتلًا يعترف أنَّه قاتل من قبلُ، بل لم أكن أتصور أن يحدث للعسكري إذا قتَل لصًّا كل هذا «الانهيار الأعصابي».

وسألته، وأجاب: أصلي كنت عسكري داورية وبعدين شفت حرامي بيكسر دكانة، لما شافني جري، ضربت طلقة في رجليه أهوِّشه ما وقفش، فضربت في المليان قام جت في ضهره ومات .. وفضلت واقف جنبه لما النهار طلع وخادوني ع القسم .. وبعدين بقيت أهلوس في الليل، وما ارضاش أطلع دوريات. قعدوا يجازوني، وبعدين لما لقيوا ما فيش فايدة حولوني ع المستشفى، وخدت ١٢ جلسة في مخي على سنة ونصف.

وبدأ يمدّ يده في جيبه ليخرج الروشتات وأوراق العلاج، ولكني لم أكن في حاجة لأدلة أو إثبات، ودهشتي الأولى كانت قد خفّت قليلًا، وبدأت أعود إلى القضية المعلقة أمامي في انتظار الحكم. وطلبت من القادم الجديد رأيه فيها، وبدأ الأخ الأكبر بدري يحتج ويقول: يا دكتور ما تسمعش كلامه ده مهفوف ومتضايق مني عشان أنا أغنى منه وما برضاش أديه فلوس، عايز يلبسني تهمة يا دكتور، هو ده معقول أدعي على أخويا إنَّه مجنون!

-        ده أنت تعملها .. وتعمل أبوها، دا انت مجرم .. أقسم بالله إنّك مجرم .. يا بيه!

والتفتَ الأوسط إليَّ شارحًا  كيف مات أبوهم وترك لهم القراريط التسعة، وكيف أنَّ أخاهم الأكبر هذا بخيل أناني جشع، يستولي على إيجار الأرض ويُريد أن يَنتزِع ملكيَّتها وكيف أنّه يضع المليم فوق المليم ويحرم نفسه ويقتات بالملح والفلفل حتى يَجمع ثمن فدان، وكم مرة حلف بشاربه وبتربة أبيه أنه لن يَرجع حتى يُصبح مالكًا لزمام فدان، وكيف أنه استغل ضعفه وضعف أخيه الأصغر محمد ليفرض عليهما جبروته وسلطانه.

واحنا الثلاثة عايشين في بيت واحد، كل واحد واخد أوضة هو ومراته وولاده، ومحمد لسة مجوز جديد، وبدري ده محتل الصالة بالعافية، ويبقى الفطار عنده ويسيبه ويجي يقعد بالقوة يفطر مع واحد فينا عشان يوفَّر، وما يهون عليه يشتري باكو شاي واللا بقرش سكر، ولما يشم إنَّ واحد فينا عمل شاي ييجي يستولي على البراد بالرزالة .. واخرتها عاوز يودي محمد في داهية عشان يتعيّن وصي عليه ويلهف الثلاث قراريط.

ومرةً أخرى بكى، ونظر إلى أخيه محمد وهو يبكي، فبكى محمد هو الآخر، وتصاعدت من حناجرهما أصوات مُتحشرجة مختلطة بالدموع تعاتب بدري وتدعو عليه وتطلب من اللّٰه أن يظهر الحق ويُجازي كل ظالمٍ على ما يرتكبه .. أمَّا بدري فقد وقف زائغ النظرات يصرخ فيهما، وينهر أخاه الأوسط ويعجب كيف يُوجّه له اتهامًا كهذا .. القصد منه - لا شك - أن يُحاكم ويُفصل من وظيفته، وهو يعلم تمام العلم أنَّ أخاه مجنون وأنّه على حق .. أمّا فرحانة فكانت قد انسحبت من الحجرة، تاركة المشهد يحتله الإخوة الثلاثة ووراءهم يقف العسكري الرسمي صامتًا، بليد الملامح، وكأنّه لا يرى ولا يسمع ولا يفقه مما يدور أمامه حرفًا.

وهكذا وجدت يدي تمتد، وتقطع الاستمارة، ووجدت نفسي أعود مرةً أخرى لفحصر قوى محمد العقلية، بنظرة مُحايدة جديدة، ولدهشتي وجدت إجاباته كلها معقولة، ولدهشتي الأشد لم أجد إجاباته تختلف كثيرًا عن الإجابات التي بنيتُ عليها احتمال جنونه، نفس الجمل تقريبًا، بنفس الألفاظ. كل الفرق أنّني أسمعها بأذنٍ مُحايدة .. إذ الظاهر أنَّه يكفي أن تفرض الجنون في إنسان حتى تجد في كل ما يقول أو يهمس به أدلة تثبت جنونه، ويكفي أن تفترض العقل في إنسان، حتى لو كان غير متمالك لقواه العقلية حتى تجد في كلماته وإجاباته ما يدعم إيمانك بأنّه عاقل.

واتضح أنَّ حكاية القراريط الثلاثة صحيحة، والتهديد صحيح، والضرب والتعذيب قام بهما الأخ الأكبر فعلًا لُيُرغِم أخاه على بيع الأرض له بعقد صوري!

ليس هذا فقط، بل بمكالمة تليفونية مع القسم، اتضح أنّ القسم لا علم له بالورقة المحوَّلة إليَّ، وأنَّه هو الذي كتبها ووقعها .. واستصحب العسكري الذي كان لا يزال مُنتصبًا في مكانه لا يفقه حرفًا مما يدور.

وحين عدتُ إلى مسرح الأحداث في وسط الحجرة، كان الأخ الأوسط يحتضن الأصغر، وتتبادل عيونهما الدموع، وبدري الأكبر واقفًا شاحب الوجه يدافع بآخر رمَق عن نفسه، وكلّما تكشف الموقف عن دليل جديد ضده كلما ازداد شحوبُه ونبت على جلده العرق الصغير الأصفر.

وأمرت بفك القميص عن محمد وبدأت أتأمَّل الموقف بيني وبين نفسي لأعرف ماذا جب أن أفعله إزاء بدري، وهل أحيلُه إلى النيابة، أم أكتب بلاغًا لمأمور القسم ليتصرَّف معه .. واستقرَّ رأيي على إبلاغ القسم. وبكل الحقد الذي بدأ يغلي في صدري على هذا الأخ المجرم، أمسكت بالسماعة أريد أن أمليَ بنفسي الإشارة التي ستُكلّفه وظيفته وأشرطته الحريرية الأربعة والقراريط التي ورثها وزوجته الحلوة التي بدأت تُولول في الخارج وتعوي، وأكثر من هذا حريته؛ إذ بالتأكيد سيُحكم عليه بالسجن، ولن يقل سجنه عن أعوام!

وهنا وجدت المارد الضخم ينهار، وهو الذي راح هذه المرة يبكي، وقد جفّت دموع أخويه، ويستعطف ويتهاوى على الأرض، يريد أن يقبل قدميَّ، وكلما رأيت هذا كله، ازداد لحقد في صدري عليه .. ازداد إلى درجة رحت معها أهدهد على الأخوين بكلماتي وأذكر لهما أنَّ أخاهما الآثم وقع في الحفرة وأنَّه لن يخرج منها.

وصاح الأخ الأوسط: يُنصر دينك يا شيخ .. يحيا العدل!

وقال الأصغر بصوت واهن: مش قلتلك يا بيه؟!

وقال بدري في هلع: أنا في عرضك .. أنا صاحب عيال.

ثم التفت إلى أخويه قائلًا: مبسوطين يا ولاد طلبة؟! أهو بيتي اتخرب يا محمد، يرضيكوا كدة يا ولاد طلبة، يا ولاد الحرام.

وقال الأوسط: جزاك ما صح لك.

وقلت في سري: وكل هذا من أجل قراريط ثلاثة؟!

وفوجئت بالحجرة تتحوِّل إلى مناحة، بدري يشهق بصوت عالٍ، والأخ الأوسط بدأ يضمُّ الأصغر، حتى بعد أن انتصر، ويبكيان، ولا ريب أنَّ أباهم طلبة كان هو الآخر في قبره يبكي ويتلوّى.

وجاءني من السماعة صوت أخنف مزعج يقول: أيوة هنا القسم .. انت مين؟

وأجبت: احنا مكتب الصحة .. خد الإشارة دي!

وعلا بكاء بدري إلى درجة غير معقولة، بينما كفَّ الأصغر عن البكاء وراح يتطلَّع إليَّ، ثم إلى أخيه .. ثم وجدته يترك ذراع الأوسط الذي يضمه ويتقدم إلى المكتب ويرجوني، بكل ما في طاقته من ذلة، أن أوافق وأحيله إلى المستشفى، إن كان في هذا إنقاذ لأخيه!

وسكتت الحجرة كلها .. ووقف بدري جامدًا في مكانه كالمصعوق.

ثم وجدته يندفع إلى محمد يُحاول عناقه، ولكن محمد دفعه عنه قائلًا: دا مش عشان خاطرك .. دا عشان خاطر أولادك!

-        يا حبيبي يا محمد .. أنا عارف برضه إني ما اهونش عليك.

وفوجئت بالأوسط هو الآخر يتقدم ويرجوني، إن لم يكن جاء محمد صالحًا للتنفيذ، أن استبدل الاسم الأول في الخطاب. الاستمارة. وأن أضع اسمه بدلًا منه، وانهياره الأعصابي، والعلاج الذي أخَذَه يؤهلانه لدخول المستشفى، وإثبات أنَّ بدري على حق وأنَّه لم يُزوِّر ولم يكذب.

واحترت ماذا أفعل والسماعة في يدي بدأت تنقنق وتقول: أيوة يا مكتب الصحة!

وبدري يقول: أنا أستاهل وديني في داهية ما ترحمنيش!

والأصغر يقول: كل اللي قاله بدري مضبوط، أنا مجنون.

والأوسط يقول: ما تسمعش كلامه، أنا بداله!

والسمَّاعة معلَّقة في يدي، ينبعث منها الصوت الأخنف المزعج، مستعجلًا نص الإشارة، وكأنَّه صوت القانون يُطالب بتطبيقه وإبلاغ الإشارة وسجن الأخ.

ويا لها من لحظة، تلك التي تحسُّ فيها أنَّ مصير إنسان معلق بكلمة تقولها أو زناد تضغطه.

لحظة خُيِّلَ إليَّ أنَّها طالت وامتدت، وأنَّ المشهد نفسه طال وامتد وتجمَّد، وأنَّه سيظل هكذا لن يتحرك أو تدب فيه الحياة إلّا حين أفتح فمي وأنطق كلمة.

ولأمرٍ ما أحسست أنِّي، بدموع داخلية، أبكي. وأتذكر إخوتي، وأحس أنِّي رابع الثلاثة الواقفين أمامي!

وصرفني الشعور بأني لا يجب أن أفعل كما فعل الأخ الأوسط وأضرب في المليان، وعن عمدٍ قررت أن أنسى القانون، وأُخطئ، وأنصت للهاتف في داخلي، وأسكت صوت السماعة.

 

 

(تــــــــــــــــــــمّــــــــــــــــــــت)

google-playkhamsatmostaqltradent