خبر
أخبار ساخنة

لغة الآي آي | يوسف إدريس | فوق حدود العقل (1)


حجرة مريض مجنون بمستشفى الأمراض العقلية وهو يجلس على حافة السرير ليتحدث مع الطبيب النفسي

فوق حدود العقل (1)

 

 

دوَّنتُ الاسم والسن والمسكن مرتين وفي صفحتين متقابلتين كما تقضي التعليمات، ولم يكن قد بقي سوى سؤال واحد أو سؤالين عن سلوك الشاب، وأوقع، وينتهي الأمر. ولكن الأمر في ذلك اليوم لم ينتهِ أبدًا .. إلى الآن، وأنا لا أعرف ماذا حدث بالضبط وجعلني أشك .. كانت وقفة الشاب عادية .. نفس الوقفة التي وقفها قبله كثيرون، والتي أعرف أن كثيرين غيره سيقفونها .. نفس النظرة الذاهلة الباحثة عن لا شيء!

سألت .. بصوت ضجر، وأذن مُتعَبة، وعقل كان عليه أيضًا أن يتلقّى الكلمات الكثيرة وينقيها من الضجة، ويترجهما إلى اصطلاحات يمليها على قلمي المشروع ليسد بها الخانات وينتهي كل شيء!

سألت: ما الذي فعله؟ وجاءتني الإجابة .. قام في الليل وأمسك بالسكين وحاول ذبح زوجتِه التي لم يدخل بها إلّا من أسابيع. وحين حاولوا منعه كاد يَفتك بهم، تغلّبوا عليه وأخذوا السكين منه .. اتجه إلى النافذة يُريد أن يُلقيَ بنفسِه منها، فاضطرُّوا حينئذٍ لتكتيفه وضربه والاستغاثة بشرطة النجدة.

وتوقّف القلم وعدتُ أسأل: متى؟ منذ بضع ليالٍ، وبدأ القلم يضيق بوقفته التي طالت دون أن يسدَّ خانة .. وقلت أخيرًا: ليس هذا بكافٍ .. هل تكررت أعماله هذه؟ هل فعل شيئًا آخر؟ .. وجاءتني الإجابة: يوهوه! كتير .. يقوم في الليل ويظلُّ يصرخ ويوقظ الجيران، ويتصوَّر أشياء لا وجود لها؛ يعتقد أنَّ إخوته يتآمرون عليه ويريدون انتزاع أرضه التي ورثها عن أبيه، وكثيرًا ما يُكلِّم الهواء على أنّه الأب الذي ماتَ من عامٍ ويشكو له هذا الأخ أو ذاك!

بارانويد شيزوفرينا .. جنون الاضطهاد .. هكذا خمَّنت، وكتبت، وأحكمت الحيثيات .. وآخر ما كان قد تبقّى ليَصدُر حكمي بتحويل الشاب إلى مستشفى الأمراض العقلية، ونقله من خانة العقلاء إلى خانة المجانين .. سؤال، مجرَّد سؤال واحد أَلقيه على «المتهم» بمرضه، للتثبت من التشخيص لا أكثر، ولكي يطمئن ضمير القاضي الذي فيّ.

-        صحيح كنت عايز تقتل مراتك؟

ولم تأتني إجابة ما. وسألت مرةً أخرى. وجاءت نهنهة .. إجابة ليست غير متوقَّعة، فما أكثر ما تأتي إجابة المجانين على هيئة بكاء.

ورفعت عينيَّ، وكأنّما إيذانًا بانتهاء الجلسة .. كان الوضع لم يتغيّر .. حجرة مفتش الصحة في المكتب البالي الحافل بالازدحام والضجيج، الباب نصف مفتوح يطلُّ منه وجه التومرجي تُزاحمه عشرات الوجوه، والكنبة البلدي بملاءتها الدمور، ولوحة كشف النظر، التي حال لونها واصفرَّ وأصبح بُنيًّا، بارزة من ركن الحجرة .. كعلم مرفوع بالتسليم والإذعان لوطأة الزمن.

وفي الوسط تمامًا .. كان الشاب نحيلًا في «قميص الكتاف» القذر الواسع، مُقيَّد اليدَين بأكمام القميص الطويل من الخلف، وبجواره العسكري المعهود، فلا بد مع كل مجنون يُرسله القسم من عسكري، ولكنّه هذه المرة طويل، مهيب الطلعة، أنيق البزة، يصلح ليكون على رأس قرة قول شرف، أو ليتقدم موكب المحمل.

تأمَّلت المشهد برهةً، ثم قلت: خذوه!

قلتها وأنا حزين، نفس الحزن الذي يُراودني لثانية في كل مرة تخرج من فمي الكلمة، حُزني على دنيانا التي فقدت عقلًا، وما أشدَّ حاجتنا إلى كل عقلٍ.

تكاسل الشاب قليلًا، ودفعه العسكري بغلظة غير عادية. واستعدَّ التومرجي وفتح الباب، وتراجعت الوجوه، وكادت الحجرة تخلو .. لولا أني تذكرت الخانة التي كنت أنسى ملئها دائمًا، الخانة التي يُقيَّد فيها اسم قريب المريض الذي أدلى بالمعلومات عنه، وعنوانه.

وقلت: استنى .. فين قرايبه؟

وجأر صوت عيد التومرجي، كالمُبلَّغ في صلاة الجمعة، الذي يُعيد كل ما يقوله الإمام: استنى .. فين قرايب المريض؟

وسال العسكري: حضرتك عايز قريبه مين؟

قلت: قرايبه اللي كانوا بيقولولي على مرضه دلوقت.

-        أنا اللي بقول لحضرتك.

-        إنت قريبه؟

-         أنا أخوه.

-        أخوه؟!

مرةً ثانية رحت أنظر إلى العسكري وأخيه المريض، ولا أكاد أُصدِّق!

-        إنت أخوه صحيح؟

-        أناح اكدب يا دكتور؟ الكرنيه أهه، شوف سيادتك!

في الواقع لم أَعِد السؤال للتأكد، أعدته فقط لأُسكت إحساسًا حقيقيًّا بالشفقة، لا على المريض، وإنّما على أخيه .. إنّ الجنون هو المرض الوحيد الذي يمرض فيه الشخص ويحسُّ آلام مرضه الآخرون .. إنَّ المجنون لا يتعذّب، العذاب يحلَّ بأهله وأقربائه وذويه .. فهذا العسكري، تراه كم تألم وهو يَستصحِب أخاه إلى القسم مجنونًا، ثم، وهو يمضي أوراقه من الرؤساء، ثم وهو يقف أمامي يحكي بلسانه ما فعله ويُدلّل على جنونه، ويعريه، خاصة وهو لم يكن عسكريًّا عاديًّا؛ إذ اكتشفت أنَّ على ذراعه أشرطة أربعة، كان واضحًا أنَّه مُهتمٌّ بها، وبمركزه .. وقد صنعها من حرير أحمر أنيق.

ولكن إنسانيتي لم تستغرق سوى لحظة، عدتُ بعدها أطمئن على الروتين؛ فالمفروض ألَّا يُرسَل المريض مع أقربائه. لا بد من عسكري يُوفد لحراسته، حتى لو كان قريبه ضابطًا أو شاويشًا .. الروتين هو الروتين.

وسألت: أين العسكري؟

ومن بين الوجوه الكثيرة المتزاحمة على الباب، برز وجه ما لبث أن أصبح له جسد رسمي أسود، وبندقية، أعقبتها خبطة قدم، وتحية، ولم يكتمل الروتين إلّا بتأنيبه، وإلا باعتذاره لم يكسر القاعدة وينتظر بالخارج إلّا بناءً على رجاء من الأخ الباشاويش.

-        خلاص يا دكتور نمشي؟

قالها الأخ مُتردِّدًا، محرجًا، وكأنَّما يستعجل مغادرة الحجرة وإنهاء الموقف .. ولكني لم أكن معه، كنت أُحدِّق في الأخ المريض الذي بدأتُ ألحظ عليه أشياء .. كان في وجهه ورقبته كدمات وآثار ضرب، ورقبته بالذات كانت بها عضة واضحة، اشتركت في صنعها قواطع وأنياب، ولم يكن قد كف عن البكاء.

ووجدت نفسي أسأله عمًّا يُبكيه، وأنتظر إجابة من الإجابات المريضة المعتادة .. ولكنَّه ازداد بكاءً ولم يُجب .. وأعدتُ السؤال، وأيضًا لم يُجب، رفع رأسه وبجانب وجهه ألقى على أخيه الشاويش نظرةً، انفرطت على إثرها دموع كثيرة من عينيه بلا كلام .. ووجدت نفسي أنظر أنا الآخر إلى الشاويش، ودهشت قليلًا حين وجدتُه يصوب أشعة محمية من عينَين واسعتين مُبحلقتَين، وكأنَّما يأمر بها أخاه أن يكف عن البكاء، ويكف عن النظر إليه.

ومرَّةً أخرى وجدت نفسي أسأله عمَّا يبكيه، وهذه المرة أيضًا لم يُجب .. غير أنَّه بلمحة جانبية خاطفة ألقاها على أخيه سكت، وعاد يُنكّس رأسه إلى الأرض.

وأحسستُ، رغم الصمت المستتب، أنَّ الجو مشحون .. وأنّني أنا الآخر بدأت أنتبه، وأتفرَّس، وأحاول أن أستخلص من الصمت سره.

وفجأة التفت المريض كليَّة إلى أخيه الشاويش، وقال: خذ الأرض يا أخي في ستين داهية .. هات عقد البيع دلوقت وأنا أمضي لك عليه، إنّما بلاش تبهدلني كدة يا بدري وأنا أخوك!

وكفّ عن البكاء. وخفت أن يكون ما قاله مقدمة لنوبة، وما أبشع نوبات مرضى الاضطهاد .. إنّها النوبات التي يقتلون فيها ويعتدون ويُصبحون كالوحوش الهائجة التي لا يوقفها خوف أو تهديد، خير ما تفعله حينئذٍ أن تقتنع بكلامه .. وتجاريه، وقلت: هو عايز ياخد أرضك؟

وبانفعال حقيقي، كانفعال البشر العاديين، وجدت كل ذرة من جسده تنتفض داخل قميص الكتاف، وصدره يكادُ يُمزِّق القماش صاعدًا هابطًا لاهتَا وهو يقول: ده يا بيه أخويا ابن أمي وأبويا، وأبويا مات وساب لنا تسع قراريط، واحنا ثلاث أخوات .. بدري دهه اللي بيشتغل شاويش وبياخد له ييجي عشرين جنيه من الحكومة، وواحد تاني، وأنا لصغير .. كل واحد منَّا نابه ثلاث قراريط! ليه وليه إلَّا بدري أخويا عايز ياخدهم مني عشان يبقى حداه ربع فدان، بقي له ست أشهر وهو كل يوم يُهددني ويضربني وآخرتها عايز يوديني السراية .. عشان يستولي عليهم .. كدة يا بدري .. رُوح يا شيخ اللّٰه يسامحك. كان بدري قد همَّ أكثر من مرة أن يُقاطع أخاه، ولكني بإشارات قاسية كنت أزجُره وأرغمه على السكوت، وما كاد أخوه ينتهي حتى انطلق كالبركان المتفجِّر يقول: بلاش فضايح يا محمد، كفاية بقى الحتة كل يوم تتفرَّج علينا .. جاي هنا كمان عايز تفرج علينا الدكتور؟!

ثم التفت إليَّ كمَن لا حيلة له، قائلًا: أهو زي ما انت شايف كدة يا بيه .. كل ساعة على ده الحال .. لما أنا نفسي قربت أتجنَّن.

وسألته: إنّما صحيح أبوكم فات لكم تسع قراريط؟

-         وحياة سعادتك ولا سهم .. حتى اسأل مراته .. يا فرحانة .. يا فرحانة .. تعالي هنا.

ودخلت فرحانة .. كالعروسة الحلاوة الملفوفة في ملاءة من ورق سولوفان، لا يُخفي بقدر ما يُظهر ويُجمِّل ويجعل الريق يسيل.

-        انتِ مراته؟

-         قسمتي يا بيه؟

-         هو صحيح بيعمل الحاجات اللي قال عليها أخوه؟

قلت هذا وأنا أتفرَّس فيها، وأعجب بيني وبين نفسي لزوجة يجنُّ زوجها ويمرض، وتذهب معه إلى مكتب الصحة بهذه الحواجب المرسومة والروج الموضوع بصبر وأناقة والبال الخالي .. الخالي حتى من نظرة تُلقيها على الزوج المريض!

-        يا بيه .. أنا في عرضك .. دي مش مراتي .. دي مراته هوه!

هنا فقط التفتَت إليه، ودبّت على صدرها بيد مثقلة بالغوايش والخواتم قائلة: هي حصَّلت يا محمد؟ بقى ما نتاش عارفني كمان؟! إخص عليك.

-        والله ما هي مراتي يا ناس .. مراتي حابسينها في البيت وجايبين دي تعمل مراتي .. يا بدري أنا ف عرضك، إن كنت عاوز الأرض خدها .. هات العقد وأنا أمضي لك عليه!

ولدهشتي .. وجدت بدري يأخذ كلامه جدًّا، ويلتفت إليه قائلًا، بعينين ناريتين: أرض إيه يا بني اللي آخدها؟ ما ربك غانيها من غير أرض .. أنا بتاع كلام من ده؟!

وربما كلامه هو الذي شجَّع الزوجة ودفعها لأن تقول: أرض إيه يا محمد اسم اللّٰه عليك .. عقلك يا خويا أحسن من ستين أرض .. مش عيب تقول على أخوك كدة؟ ربنا يشفيك! يا بيه ده موتني م الضرب ليلة امبارح .. أنا راجل كلوبَّاتي على قد حالي وهوه شاويش في البوليس ومخوف الحتة .. وعاوز يأخذ التلات قراريط بالقوة .. ياخدهم ياخدهم .. بس بلاش توديني السراية وأنا مضروب يا عالم وجسمي مكسر .. اتفضل شوف.

-        والله يا بيه أنا ما ضربته ولا مدِّيت إيدي عليه. ده حصل وإحنا بنحوشه وهو رافع السكينة على مراته دي .. ده طول الليل قاعد يهربد في نفسه ومطلع عنينا معاه .. كدة واللا لأ يا فرحانة؟

وهزَّت فرحانة رأسها وبكت وأخرجت من صدرها منديلًا صغيرًا أبيض جفّفت به الدموع.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent