خبر
أخبار ساخنة

لغة الآي آي | يوسف إدريس | الأورطي (2)


من أقوال يوسف إدريس عن الحرية في الوطن العربي وموقف الأدباء والكتاب منها

الأورطي (2)

 

 

وكان مفروضًا أن يحكي عبده قصة ما يُبرِّر بها اختفاءه واختفاء النقود، أمَّا أن يحكي قصة كهذه لا يصدقها طفل أو معتوه، أمَّا أن تكون هناك فِرَق تبحث عن الآدميين المشتبه في مرضهم وتأخذهم بالقوة كي يعالجوا وتُعاملهم هذه المعاملة الحيوانية البشعة، أمَّا أن يكون هناك مرض من الأمراض علاجه قطع الأورطي، أمَّا أن يُقطَع الأورطي، وهو الشريان الرئيس للجسم البشري، الذي يأخذ الدم من القلب ويوزعه على جميع أنحاء الجسد، والذي في سمك العصا التخينة، بحيث أنَّه لو خُدِش يحدث من جرائه نزيف يقضي على صاحبه في الحال، فما بالك أن يُقطع وأن يعيش عبده بعد قطعه، ليس هذا فقط بل أن يكون باستطاعته أن يسير، لو على عكاز، وأكثر من هذا يَجري مثلما كنًا منذ دقائق

نجري. أمَّا أن يكذب عبده هكذا عليَّ كذبًا واضحًا صفيقًا، لا يحاول حتى أن يُداريَه أو يبحث قصة أخرى أكثر حبكة وقابلية للتصديق، فهو ما أضاع مني كل سعادتي بالعثور عليه، وما جعلني أحس بتعب ساحق أهوج يعتريني، لإحساسي أنّه يسخر مني بقصته تلك سخرية تفوق الوصف. عصب لا حدود لقسوته ولا حدود لما يدفعك إليه، ولم أكن وحدي، كانت الجماعة التي تجري معي تشهد هذا كله وتسمعه وقد آب جريها إلى سير بطيء، بل بدأ أفراد آخرون ينضمّون إلينا ويشعرون تجاه عبده وقصته بنفس ما أشعر، وكلنا بلا استثناء قد أصبح أهم شيء لدينا أنَّ النقود معه، وأنّه لا بدَّ يُخفيها في مكان ما في جسده، فعبده لا يملك مكانًا آخر في الدنيا يستطيع أن يخفي فيه شيئًا وليس مهمًّا القصة، أي قصة يحكيها، إنَّما المهم هو العثور على النقود، والعثور عليها أمام (عيني عينك»، وفضحه فضيحة علنية أمام الناس كلهم، وعلى مرأى ومسمع من الجميع، وهكذا تصاعدت الأصوات تصرخ .. فتشه فتشه .. ولم أكن في حاجة للصرخات لأمدَّ يدي أنزع عنه جلبابه البلدي الباهت الذي لا يملك سواه، غير أني فوجئت أنّ الجلباب مُلتصِق بجسده لا يُمكن خلعه عنه، وهذا غريب فعبده كان دائمًا «يلق» في جلبابه الواسع، فكيف به الآن لا يُمكن انتزاعه، وكأنّه انتفخ فجأة، أو سمن في ثلاثة أيام سمنة غير معقولة، وفي البحث عن حلِّ لخلع الجلباب عنه، اشترك الجميع في الاقتراحات وقد أصبح حماسهم للنَّيْل من عبده يطغى على حماسي أنا الضحية، حماس كان يعمنا في صمت وبلا اتفاق سافر وبكل جهد وإصرار، وبأعصاب منفعلة وبكثير من الاستمتاع، وكأنَّما نحن متأكدون تمامًا أنَّنا أخيرًا قد عثرنا على بغيتنا، على نقطة كالتي كُنّا نجري في الميدان نبحث عنها لنبدأ منها الجري .. على مذنب، يحمل الذنب الذي ارتكبه معه، ولا بد أن يَنال جزاءه، ونمتع كل ما فينا من خير بإيقاع القصاص به وتطبيق العدالة، ونمتع كل ما فينا من شر يجعلنا نطبق العدالة بأيدينا وبأنفسنا وبالشر حرًّا طليقا لديه جواز المرور، نوالي أحداث الضرر تحت شعار العقاب.

ولم تكن هناك طريقة لخلع الجلباب عنه إلّا بسلخه كما يُسلخ جلد الأرنب عنه، ولكي نسلخ الجلباب لا بد أن يكون معلقا. وأصبحت المشكلة أين وكيف نعلقه، وتصاعد اقتراح، والتفتنا فوجدنا الجزار قريبًا، وتحركت المجموعة وعبده في وسطها، لا تزال يدي مستميتة عليه إلى حيث دكان الجزار، وتولى أربعة رفع عبده، بينما أخذ الجزار الشاب البدين على عاتقه مهمَّة تعليقه في الخُطَّاف الذي تُعلق عليه الذبائح من «قبة» صديريه وملابسه الداخلية. وهكذا عُلِّق عبده في الخُطَّاف وأصبح مرتفعًا هناك، لا حول له ولا قوة، مثله مثل الذبائح والخرفان المسلوخة المعلقة على بقية الخطاطيف. وامتدَّت أكثر من يد ترفع ذيل الجلباب إلى أعلى وتسلخه عنه وهو معلّق صامت لا ينطق بحرف. وما كاد الجلباب يُخلع عنه حتى أدركنا السبب جعله يلتصق بجسده هذا الالتصاق الشديد، فحول بطنه وصدره كانت تلتف أشرطة بيضاء كثيرة. وكأنّه فعلًا قد أجرى عملية وتلك أربطتها، ولكني أدركت على الفور هدفه الخبيث من هذه الأربطة الكثيرة، فلا بد أنّه أكثر منها ليستطيع إخفاء النقود في أيَّة طية من طياتها دون أن يستطيع أحد الشك أو التنبؤ بمكانها. وكان لا بد أولًا، ولمجرد الروتين، فحص محفظته. ومدَّ الجزار يده السمينة المدربة، وأزاح طيات الشريط قليلًا، وأخرج المحفظة من جيب صديريه، وكانت أول مرة أرى فيها محفظة عبده، ولم أكن أتصور أنّها بهذه الضخامة؛ فقد كانت أضخم محفظة ممكن أن تراها في حياتك، وقد تولّيت بنفسي تفتيشها وإفراغ محتوياتها. وكما توقعنا، لم يكن بها غير خمسة قروش فكَّة، أحدهما معضوض صدئ لا يصلُح للتداول. ومرة أخرى دفع الجزار البدين يده في جيب الصديري نفسه، وكالمتوقع لم تخرج بشيء، كلها إجراءات شكلية. فقد كنا جميعًا ندرك أنّ النقود هناك، مخبأة لا بد في طية من طيات الشريط. وبذلك التحفز النهم للفضيحة، ولإدراكنا أنَّنا حالًا، وعيني عينك، سنضع يدنا على ذنب المذنب، وأمامه سنخرج من جسده نفسه الجريمة، وننتشي النشوة الكبرى ونحن نستعدُّ لنرى وجهه لحظتئذٍ ونسمع ما يقوله. بذلك التحفِّز امتدَّت يدي ويد الجزار تفك عنه الشريط، غير آبهين لصرخاته واستغاثاته، وقوله إنَّ فك الشريط عنه معناه موته؛ إذ الشريط هو الذي يُمسك الأورطي المقطوع في مكانه. صرخات لم تفعل أكثر من أنّها أثارت الضحكات والتعليقات الساخرة، وحفزتنا نحن القائمين بفك الشريط إلى اللحظة القصوى لحظة اكتشاف النقود، وفككنا بعض الأشرطة، وصراخ عبده قد آب إلى سكوت يائس، بينما امتلأت عيناه بالماء الدامع الذي لا يُصاحبه أي احمرار، وحتى لو صدقناه واعتبرنا أنهم عملوا له عملية ما فمن الواضح أنه يكذب، فالأشرطة كانت بيضاء نظيفة، ليست فيها بقعة دم واحدة ولا آثار جرح، ولهذا مضينا نفك، وإنَّما بحرص مخافة أن تسقط منا النقود لدى اللفة التالية. فقد كنًا جميعًا واقفين ومشاركين، وكأنّما عبده هو الآخر ينتظر ظهور النقود لدى اللفة التالية، وكنت ألُفُّ من ناحية وأسلم الشريط إلى الجزار البدين ليفكه من ناحيته ويعود ليسلمني إياه، ويبدو أنّنا كنا استغرقنا في العملية إلى درجة أنِّي مددتُ يدي أتسلَّم منه الشريط مرةً فلم أجده؛ إذ كان قد انتهى. وقبل أن أنظر إلى عبده، أحسست بشعور غريب ما يعتري الواقفين، وحين اتجهت ببصري إليهم وجدتهم جميعًا، وقد خيَّم عليهم صمت كامل مريب، بينما عيونهم كُلَّها مُصوَّبة إلى جسد عبده، جامدة لا تطرف، وكأنها عيون موتى. ونظرت إلى حيث ينظرون .. كان عبده عاريًا تمامًا، وكان هناك جرح طويل جدًّا يمتد من صدره إلى آخر بطنه، وكان صدره وبطنه فارغَين، وكأنّما انتُزعت منها كل ما تحويه من أجهزة، وكان الأورطي يتدلّى من صدره من مكان القلب كمزمار غاب سميك، طويلًا وشاحبًا ومقطوعًا، يتأرجَح داخل بطنه كالبندول.

 

 

(تــــــــــــــــــــمّــــــــــــــــــــت)

google-playkhamsatmostaqltradent