الأورطي (1)
المهم ليس أنّه جريًا، المهم أنّه كان في
أكثر من اتجاه. يكاد يكون في كل اتجاه. لكأنّه يوم الجري الأكبر. نوع غريب خاص من
الجري؛ فهو ليس جري الخائف أو المستعجل أو مَن يسرع لإنقاذ .. جري تائه وكأن صاحبه
ليبحث عن بقعة يبدأ منها الجري والإسراع، ولهذا فلا أحد يَعرف هدف الآخر أو غايته،
إنّما الكل في حالة ترقب خائف أن يعثر أيُّهم على بدايته التي ربما حدَّدت لهم
البداية، ولهذا أيضًا كنت ترى الشخص يجري كالمجنون، وكالمجنون أيضًا يُحاول عبثًا
أن يُراقب خطو الآخرين وجريهم. بحيث ما إن يبدو أنَّه قارب العثور على غايته حتى يندفع
العشرات إلى حيث يكون، على أمل أن يصل الواحد منهم أولا .. ليكون أول مَن يَنطلِق
حتى يتحدَّد الهدف، وحين يُصابون بخيبة الأمل ويجدون أنَّ الذي أسرعوا إليه أكثر
منهم حيرة، يندفعون إلى متلكئ أو مسرع آخر، علمية كانت البقعة فيها تبدو، إذا نظرت
إليها من عل أو من بعيد، وكأنّما تَنبض، نبضات تجمع مفاجئ يعقبه التفرُّق، نبض
يحدث في أكثر من مكان في نفس الوقت حتى ليبدو الميدان وكأنَّما فُرش بقِشرة، لولا
تلك النبضات العشوائية الحادثة هنا وهناك، والدالة وحدها على الحياة، لظننتُها
قشرة صخر، أو لظننتُ الآدميين المتجمعين كتل ركام مختلف الألوان.
ولا أحد يعرف إن كان هناك ضربٌ أم لا، أنا
شخصيًّا أصبت بأكثر من ضربة، ضربة قاصمة موجعة، وكان من المستحيل تحديد الضارب،
فأنت بلا جار دائم .. والحركة الدائبة الجارية لا تُتيح لك حتى مجرد التطلّع إلى
العشرات والمئات الذين تمر بهم أو يمرون بك، إنَّما بالتأكيد كان هناك ضرب، وكانت
هناك اصطدامات، لا وقت حتى للاعتذار عنها، وكان أناس يسقطون، فجأةً تتصاعد صرخة
يعقبها أنين، يظلُّ يخفت كرنين الجرس المعلق حتى تمحوه صرخة أخرى، ولا أحد يتوقّف
ليرى النهاية، ما دمت لست أنا الصارخ، ولا أزال قويًّا سليمًا لم أسقط بعدُ، فما
معنى الوقوف، وشيئًا فشيئًا بدأت أدرك أنّ الحركة كلها ليست تلقائية، وأنّ هناك
حركة أخرى خفية من الصعب، شبه المستحيل، إدراكها، حركة طاردة إلى الخارج، وكان
الميدان يتمدّد وينفجر انفجارًا بطيئًا خفيًّا منتظمًا طاردًا الوسطانيين يصبحوا
أقرب إلى المحيط وإلى الخارج وإلى الشوارع الكثيرة الصابة في الميدان والآخذة منه،
حركة لولاها ما كان باستطاعة قوة في الوجود أن تنتشلني من حيث كنت إلى حيث وجدت
مجموعة من الناس كنت أجدها تجري بلا سبب آخر سوى الاستمرار اللا إرادي لما كنًّا
نفعله في الميدان الكبير، استمرار لا نستطيع حتى لو أردنا إيقافه. وما خفيَ كان
أعظم. ومن أين لي أن أدرك أنِّي في اللحظة التالية
سألتفتُ إلى جاري، أول جار أستطيع أن ألمحه وأُحدِّق في ملامحه، فأجده لدهشتي
الشديدة ولهولي، عبده. وكان إحساسي الطاغي التالي أنَّ النقود معه، وأنّه لا بد
يُخفيها في مكان ما معه، وكدت أموت فرحًا، وأنا بشغف عمره وكأنّما ألف عام، وبغيظ
كالغاز الخانق القاتل الذي يتشبع به الجسد ولا نحس به إلّا هناك قبل الموت بلحظة،
حين تعي لأول ولآخر مرة أنَّه خنقك وقتلك. أجل الغيظ، أبشع أنواع الغيظ، حين
تستأمن أو تثق ثم ترى الخديعة عيني عينك ودون أيِّ اكتراث، حين ينسل الشخص الذي
تعرف ومتأكد تمامًا أنَّه في يدك أردته وأنّى أردته في يدك، فجأة تجده أمامك يذوب
ويختفي، وتلتهب غيظًا وغضبًا ومجهودًا ولا تستطيع منعه. عبده، بيدي الاثنتين أطبقت
على رقبته. كل خوفي أن يذوب مرة أخرى، ويختفي .. وكل ضيقي أنِّي لا أستطيع التهامه
.. الوحش فينا لا يزال هناك، وحين نتشاجَر لا نعض كي نؤلم الخصم، إنّما نعضَّه
لأننا فعلًا نريد، كالأجداد الوحوش، التهامه. الأجداد الذين كانوا يُهاجمون الخصم
ويلتهمونه غيظًا كي يستطيعوا إخفاءه وإخفاء وجوده داخل العدو وتستمد بناءها، نحن
الآدميين الذين فقط نعض عن عجز، ونحقد ولا نستطيع التنفيس عن حقدنا بالطريقة
الطبيعية، فيزيد حقدنا، فتنهشه كالأنياب المسمومة إلى داخلنا ينهشنا نحن
ويُقوِّضنا، وبالضبط هنا ما كنتُ أحسَّه وأنا أطبق على عبده، وأتمنى لو كان
باستطاعة عواطفي أن تنطلق فتنشه وتدشدشه وتمضغه وأحس بأنيابي تلوك لحمه وأجزاءه
وتشفي غليلها وتطحنه بكل ما تملك من قسوة وشراهة، وربما الأصل في الطعام أن يأكل
الإنسان بناء على غيظ وبنية إخفائه عن الوجود واحتوائه تمامًا والقضاء عليه، ولهذا
يستفيد الوحش من طعامه الفائدة القصوى، بينا يمرض الإنسان الآن بطعامه ويشقى.
ولكن، حتى كطعام، كان عبده لا يدفع إلَّا
للاشمئزاز وقتل الرغبة فقد كان نحيفًا غلبانَ، ما حفلت عيناه بنظرة تحد ولا واجه
أحد مرة بنية إثبات الوجود أو الدفاع عنه، كان طيبًا، ذلك النوع الباهت السلبي من
الطيبة، مُصابًا بفتق مزدوج، ويُغني في خلوته، مواويل عذبة، وكأنّه أنّى يحلَّ
غريب، لم يعثر له أبدًا على وطن، وإذا فاض الحال بكى، امتلأت عيناه فجأة بدموع لا
يُصاحبها أي احمرار، إنّما يتجمَّع الاحمرار في أنفه، فيبدو وكأنَّما تورم وحفل
بالإفراز، ويصعب عليك فقط لأنّه عبده، وإنما لأنَّه وهو الرجل، كالأطفال والنساء
يبكي، بكاءً لا ليونة أو طفولةً فيه ولا يستدر العطف، إنَّما الكارثة أنَّه بكاء
رجال يستدر الاشمئزاز. حرامي قروش لا يأخذها إلا مضطرًّا، وبأقل مقدار، وإذا ضبطته
ارتبك وتلعثم وأقسم أيمانات كاذبة، وحذار أن تُشدِّد عليه وإلّا بكى وأصابك
باشمئزاز بستمر معك اليوم كله وربما لبضعة أيام. ثلاثة أيام بأكملها بلياليها،
وبساعاتها الطويلة، ومغاربها وعصاريها، وأنا أبحث عنك يا عبده، أرفع أرصفة مصر
وأقلبها، واقتحم البيوت، وأوصى، وأواعد وأستجير، ولا أترك شارعًا أو زقاقًا أو
حارة، وحين يهدني التعب أنام وأستيقظ على روحي تكاد تطلع بالغيظ والحنق يأسًا من
العثور عليك، وحلمي وكابوسي وألم يقظتي ومنامي، أن ألتفت مرةً لأجدك يا عبده، أين
كنت يا عبده وأين أخفيت النقود. والغريب المذهل ما قاله. قال إنَّه ما إن
غادر المنزل يومها، حتى أمسكته فرقة من التي تبحث عن المرضى لتأخذهم عنوة إلى
المستشفيات «تمامًا كفِرَق الشفخانات التي تأخذ الحيوانات المريضة بالقوة!» وأنّهم
أخذوه معهم إلى المستشفى مُشتبهين في أمره، وهناك كشف عليه الباشحكيم بنفسه،
وقرَّر أنَّه مريض بمرض خطر، يُهدِّد أن يعدي المصريين جميعًا به وأن لا علاج له
إلّا بعملية جراحية يجرونها له في الحال، ويقطعون بها الأورطي له، وفعلًا عملوا له
العملية، وقطعوا له الأورطي، ورقد لثلاثة أيام ثم أخرجوه اليوم فقط، بعدما منحوه
عكازًا ليستعين به في السير، أمَّا النقود، فمن لحظة أن دخل المستشفى وهو لا يدري
ماحلّ بها.
