رجل الغابة والأمير (2)
وفي يوم من الأيام، اهتدى إلى
طريقةٍ للقيام بذلك.
والآن يجب أن تعلموا بأن
الملك، الذي يستضيف قصرُه هذا الأميرَ البائس والخادم الماكر، يحتفظ في حدائق
القصر بعددٍ كبير من الطيور والحيوانات البرية المُفترسة داخل أقفاصٍ كبيرة. وفي
أحد الأيام، وبينما كان الأمير المُزيف يسير مع الملك في هذه الحدائق، قال للملك:
«جلالة الملك، لديكم عددٌ كبير من الحيوانات الرائعة، وأنا مُعجَب بها كثيرًا،
وأعتقد أنه من المُؤسِف أنكم تُنفقون الكثير من المال على إطعامها. وقد يكون من
المناسِب أن تُطلِقوها من أقفاصها وتُرسلوها برفقة خادمٍ مُقتدر إلى وسط الغابة
طيلة النهار لتجد طعامها بنفسها، على أن يقوم الخادم بإعادتها إلى أقفاصها قبل
حلول المساء.»
قال الملك بدهشةٍ شديدة: «وهل
تعتقد حقًّا أيها الأمير أنه يُوجَد مثلُ هذا الإنسان الذي يستطيع أن يُعيد هذه
الحيوانات البرية إلى أقفاصها بعد إطلاقها في أرجاء الغابة طيلةَ النهار؟»
أجاب الأمير المُزيَّف بدون
تردُّد: «بالطبع. وهذا الإنسان موجود في بلاط قصركم. أقصد بالطبع خادمي أنا. هذه
الحيوانات البرية تُعتبَر بالنسبة له مجرد حيواناتٍ أليفة، وهو يستطيع بسهولةٍ أن
يتحكَّم بها ويحملها على تنفيذ أوامره تمامًا كما نرى في عروض السيرك. أخشى أن
يُحاول الاعتذار كعادته عن قَبول مثل هذا العمل ويقول بأنه عمل مُستحيل، وفي هذه
الحالة يُمكن تهديدُه بقطع رأسه في حال رفَضَ العمل أو الفشل فيه؛ وذلك لحملِهِ
على القَبول بالعمل في نهاية المطاف. وأنا موافق، يا جلالة الملك، في حال إصراره
على الرفض، أن تأمُروا بقطع رأسه لأنه يستحقُّ ذلك المصير في هذه الحالة.»
وقام الملك بعد سماع ذلك
باستدعاء الأمير الشابِّ للحضور أمامه وقال له: «سمعتُ أنك تفعل الأعاجيب؛ تقود
الحيوانات البرِّية كقُطعان الغنم لترعى بنفسها في الغابة، وتعود بها بسلامٍ إلى
أقفاصها قبل حلول المساء. وكما تعلم، يُوجَد في حدائق القصر عددٌ من هذه الحيوانات.
ولذلك، عليك أن تقود كلَّ يومٍ منذ هذا الصباح القطيعَ إلى الغابة وتعود به قبل
حلول المساء. وإذا لم تقُم بذلك فسوف أقطع رأسك. ولذلك كن حذرًا.»
أجاب الأمير الشاب البائس:
«جلالة الملك. لا أستطيع القيام بذلك. هذا بالتأكيد من المُحال بالنسبة لي
ولِغيري. ويُمكنكم من الآن قطعُ رأسي.»
لكن الملك رأى أن يُمهِل
الأمير البائس بعض الوقت حتى المساء وقال له: «سننتظر حتى المساء، ومن المؤكد أنني
سأقوم بقطع رأسك إذا لم تتمكن من إعادة جميع حيوانات القصر البرية إلى أقفاصها
ثانية.»
كان الملك مُصرًّا على طلبه،
وأدرك الأمير البائس أنه مهما قال فلن يُغيِّر ذلك من الأمر شيئًا. وهكذا فُتحت
أقفاص الدِّببة في حدائق القصر وأُطلِقت منها لتتفرَّق بسرعةٍ في جميع أرجاء
الغابة وتختفي بين أشجارها الكثيفة.
لَحِق الأمير بهذه الحيوانات،
وحاول تتبُّع آثار بعضها لإعادتها إلى أقفاصها في حدائق القصر، لكن جميع هذه
الآثار تلاشت بين أوراق الأشجار على أرض الغابة، ولم يتمكَّن من إعادة دبٍّ واحدٍ
منها. وأخيرًا، وبعدما أدرك أن الوضع أصبح ميئوسًا منه، جلس شاردًا على جذع شجرةٍ
مقطوعة في أرض الغابة. وبدأ يبكي بحُرقةٍ وهو يُفكر في حظِّه التعِس؛ إذ لم يرَ
مَخرجًا من هذه الورطة التي وقع فيها، وكيف أن رأسه سيُقطَع لا محالة في هذا
المساء.
وبينما هو على هذه الحال من
الحزن واليأس، ظهر أمامه مخلوق غريب على شكل إنسان، ولكنَّ كامل جسدِهِ مُغطًّى
بالفراء، خرج إليه من طرف الغابة وسأله: «ما يُبكيك يا هذا؟» فأخبره الأمير
بتفاصيل جميع ما حدث معه وبأنه ينتظر أن يُقطَع رأسه عند حلول المساء في قصر الملك؛
لأن الحيوانات قد تفرقت في الغابة وسيعود بدونها. وما إن انتهى الأمير من رواية ما
حدَث معه، حتى بدأ ينظُر بإمعانٍ في شكل هذا المخلوق العملاق واللطيف الواقف أمامه.
قال الأمير الشاب: «أنت تُشبه
شخصًا التقيتُ به من قبل.»
وأجاب المخلوق على الفور:
«هذا صحيح. أنا رجل الغابة الذي أسَرَه والدُك الملك، وأطلقتَ سراحَه من الزنزانة
التي كان فيها.»
وقال الأمير الشاب باستغرابٍ
شديد: «ولكنك الآن تتحدَّث مثل البشر تمامًا. ثم كيف تمكنت من العثور عليَّ هنا؟»
قال المخلوق العملاق وهو
يُقدِّم للأمير جرسًا سحريًّا صغيرًا: «هذا لا يُهم الآن. لقد أطلقتَ سراحي
وجعلتَني حرًّا في يومٍ ما، وأنا أَدين لك بذلك. واليوم سأرد لك هذا الجميل
وأُحرِّرك مما أنت فيه. وكل ما عليك عمله عندما تريد أن تعود الحيوانات إلى
أقفاصها في حدائق القصر هو أن تدُقَّ هذا الجرس بلُطفٍ ثلاث مرات مُتتالية وسوف
تراها تعود إليك مُسرعة وتسير وراءك بهدوءٍ نحو أقفاصها في حديقة القصر.» وما إن
انتهى هذا المخلوق العملاق من قول ذلك حتى اختفى بسرعةٍ بين أشجار الغابة مثلما
ظهر.
وعندما بدأت الشمس تميل إلى
المغيب، دقَّ الأمير الجرس بلُطفٍ ثلاث مرات. وشعر بسعادة غامرة وهو يرى الدببة
تأتي إليه من جميع أطراف الغابة وهي ترقُص بشكلٍ مُضحك وتتمايل في مِشيتها. ثم
أخذت تتجمَّع وراءه كقطيع غنمٍ وهي تسير نحو أقفاصها في حدائق القصر. وشعر الأمير
الشاب بنشوة الانتصار على حظِّه التعِس، فأخرج من بين ثيابه المزمار وأخذ يعزف
عليه ألحان الرُّعاة الجميلة وهو يقترب من القصر. وهكذا تمكن الأمير الشابُّ من
إعادة جميع الدِّببة إلى أقفاصها بأمانٍ وبدون أي متاعبَ كانت.
