رجل الغابة والأمير (3)
شعرَت حاشية الملك بالدهشة،
وكان الأمير المُزيف أكثرَهم دهشةً على الإطلاق، على الرغم من أنه حاول إخفاء ذلك.
وقال للملك: «جلالة الملك. لقد تبيَّن لكم الآن أنني كنتُ صادقًا فيما قلتُه لكم.
وأنا مُتأكد من أن هذا الخادم قادر على أن يرعى الآن الذئاب التي في الحديقة
مِثلما تمكن من رعاية الدببة بنجاح، ويُعيدها إلى أقفاصها سالمةً طالما أنَّ
جلالتكم تقومون بتهديده بقطع الرأس في حال الفشل، كما فعلتم في المرة السابقة.»
وبناءً على ذلك، طلب الملك من
الأمير الشاب أن يحضر إليه، وأمره هذه المرة أن يذهب بالذئاب ليرعاها في الغابة
ويعود بها إلى أقفاصها عند حلول المساء كما فعل بالدببة يوم أمس. وقال له بنبرةٍ
صارمة: «وإذا لم تفعل ذلك فسوف أقطع رأسك لا محالة.»
حاول الأمير البائس عبثًا أن
يُوضِّح للملك استحالة القيام بذلك، لكن الملك لم يكن يُريد أن يسمع منه أيَّ شيءٍ
سوى كلمة نعم، ولكنه قال له: «يُمكنك أيضًا أن تُحاول ذلك الآن. وإذا رفضتَ
الانصياع لأوامري في القيام بهذا العمل أو فشلت فيه فسوف أقطع رأسك لا محالة.»
وهكذا وجد الأمير الشاب نفسَه
مُضطرًّا إلى فتح أبواب أقفاص الذئاب في حديقة القصر لتقفز جميعُ الذئاب التي فيها
إلى الخارج وتمُرَّ من أمامه بسرعةٍ وهي تتوجَّه نحوَ الغابة كما فعلَتِ الدِّببة
من قبل. وقبل حلول المساء حاول تتبُّع آثار الذئاب لكي يُعيدها إلى أقفاصها بدون
جدوى. فجلس على جذْع شجرةٍ يبكي ويندب حظه العاثر.
وبينما هو على هذه الحالة،
ظهر أمامه من جديدٍ هذا الرجل العملاق وسأله، كما فعل في الليلة الماضية، عن سبب
بكائه. فروى له ما حدث، فأعطاه على الفور مرةً ثانية جرسًا سحريًّا صغيرًا، وقال
له: «عندما تريد أن تأتي إليك الذئاب طائعةً لتعود بها إلى أقفاصها، قُم بدقِّ
الجرس ثلاث مراتٍ مُتتالية، وستجدها تسعى إليك بكل قُوَّتها وتسير خلفك إلى حيث
تُريد.» وما إن قال الرجل العملاقُ ذلك حتى اختفى من أمامه بنفس السرعة التي ظهر
بها. وبقِيَ الأمير وحدَه.
وعندما قاربت الشمس على
المغيب، دقَّ الأمير الشاب الجرس ثلاث مراتٍ متتالية. وشعر بفرحةٍ عارمة لرؤية
الذئاب تندفِع نحوَهُ من كل الاتجاهات وتبدأ في السير وراءه بهدوءٍ نحوَ أقفاصها
في حديقة القصر.
صُعِق الأمير المُزيَّف لرؤية
ذلك، لكنه تصرَّف كما لو أنه كان يعرف مُسبقًا بأنَّ خادمه يستطيع بسهولةٍ القيامَ
بمِثل هذه الأعمال المُستحيلة، ولذلك اقترح على الملك هذه المرة إطلاق الطيور
البرية من أقفاصها أيضًا وتهديد الأمير الشاب بقطع رأسه إذا لم يتمكن من إعادتها
جميعًا إلى أقفاصها في صباح اليوم التالي.
وبِناءً على ذلك، وفي صباح
اليوم التالي أمر الملك الأميرَ الشابَّ بأن يُطلق جميع الطيور البرية من أقفاصها،
وبأن يُعيدها بسلامٍ إلى أقفاصها مرةً ثانية قبل حلول المساء.
وفي اللحظة التي قام فيها
الأمير الشاب البائس بفتح الأقفاص، انطلقت على الفور جميع الطيور البرِّية دفعةً
واحدة، وشكَّلَت غيمةً كبيرة في السماء سرعان ما غابت بين أشجار الغابة الباسقة.
وقال الأمير الشاب لنفسه:
«مِن المؤكد أن هذه المهمة ستكون مُستحيلة بالفعل؛ ذلك أنه حتى ولو حصلتُ على
الجرس السحري الصغير فستكون الطيور وقتها بعيدةً جدًّا وغير قادرة على سماع صوت
الجرس.»
وهكذا جلس الأمير الشاب على
جذع الشجرة يندب حظه العاثر والمصير البائس الذي ينتظره في نهاية اليوم.
وبينما هو على هذه الحالة،
رأى من بعيدٍ الرجل العملاق يخرج من بين أشجار الغابة ويقِف أمامه مرةً أخرى
ليسأله عن المتاعب الجديدة التي تُقلقه في هذا اليوم. فروى له قصته الحزينة
والمَخاوفَ التي تنتابُهُ في حال الفشل في إعادة الطيور البرية إلى أقفاصها. فقام
المخلوق العملاق بإعطائه على الفور جرسًا سحريًّا صغيرًا للمرة الثالثة وقال له:
«عندما تُريد أن تعود الطيور البرية إلى أقفاصها، فما عليك سوى أن تدُقَّ هذا
الجرس الصغير ثلاث مراتٍ متتالية.» وهذا ما حدث بالفعل، فما إن بدأ الأمير بدَقِّ
الجرس بلُطفٍ حتى بدأت أسراب الطيور تظهر في السماء وتتجمَّع حوله. وقام على الفور
بالتوجُّه بها نحوَ أقفاصها في حدائق القصر بدون أي مشكلة.
وفي هذه المرة، وبعد ذُيوع
صِيته والكلام عن مواهبه العجيبة في أرجاء القصر، تجمَّع العديد من حاشية القصر
والعاملين فيه في حدائق القصر ينتظرون عودة هذا الخادم المُدهِش مع كافة الطيور
البرِّية إلى أقفاصها. وكان يقِف في مقدمة هذا الجمع المُنتظِر الملك بنفسه.
وما إن دخل آخِر طيرٍ بري إلى
قفصه بأمانٍ وسلام حتى تقدَّم الملك من الأمير الشاب وقال له بصوتٍ جهوري: «مَن
أنت حقًّا حتى تستطيع أن تَسحَر هذه الطيور والحيوانات البرية وتحمِلَها على
الانصياع لما تريد؟»
قال الأمير الشاب: «بما أنَّ
جلالتكم قد طلبتُم منِّي أن أُخبركم الحقيقة، فلا يُوجَد أمامي خيار سوى قولها.
سأُخبركم بكل شيء.» وروى الأمير قصته من أولها وكيف أنه أغضبَ والده الملك الذي
نفاه للأبد على إثر ذلك، وعن خداع خادمه له، وكيف ساعدَه الرجل العملاق، الذي أطلق
سراحه يومًا خلافًا لتعليمات الملك ونُفي على أثرها بسبب ذلك، على التخلُّص من
المكائد المُرعبة التي نصَبَها له خادمُه الماكر.
وبعد أن استمع الملك لكل هذا،
شعر بدهشةٍ كبيرة وأمر على الفور بوضع الخادم الماكر، الذي انكشف أمره أخيرًا، في
غياهب السجن. وكانت ابنة الملك أكثرَ الناس سعادةً بتطوُّر الأحداث وظهورِ
الحقيقة، بعد أن وقعت في حب الأمير الشابِّ سرًّا بينما كان الجميع يتوقَّعون أن
تتزوَّج الأمير المزيف. وافق الملك على الفور على زواج ابنته الأميرة من الأمير
الشاب، الذي طلب من الملك، كهديةٍ بمناسبة الزواج، إطلاقَ سراح جميع الحيوانات
والطيور في حدائق القصر من أقفاصها بشكلٍ نهائي لتستمتعَ بحياتها في بيئتها
الطبيعية في الغابات المجاورة.
وعاش الأمير بعد ذلك حياةً
سعيدة ورغيدة مع الأميرة. وعندما تُوفِّي الملك ترك لهما المملكةَ وكلَّ ما فيها
من ثرواتٍ وخيرات.
