خبر
أخبار ساخنة

قصص للأطفال والشباب | رجل الغابة والأمير (1)


ملك الصرب يعود لقصره ومعه رجل الغابة مقيداً في السلاسل ليتم حبسه في زنزانة ثم يحرره الأمير الصغير

رجل الغابة والأمير (1)

 

 

كان يا ما كان، في قديم الزمان، كان ملكٌ عجوز يحكم بلاد الصرب. وذات يومٍ ذهب الملكُ في رحلة صيدٍ إلى الغابة، وعوضًا عن اصطياد طريدةٍ كالمعتاد اصطاد هذه المرَّة مخلوقًا غريبًا على شكل إنسانٍ يعيش في الغابة. كان شكل هذا المخلوق يختلف كثيرًا عن شكل باقي المخلوقات التي رآها الملك من قبل؛ فقد كان طويلًا وكبيرًا جدًّا وجسده مُغطًّى بالكامل بالفراء، ويتحرك مثل الحيوانات المفترسة ويُصدِر أصواتًا تُشبه الهمهمات والشخير.

شعر الملك بالفخر لتمكُّنِه من اقتناص هذه الطريدة النادرة، وأمر بأن تُنقَل إلى داخل القلعة، وبوضعها في زنزانةٍ خاصة. وأعلن الملك بعدَها أن كل من يتجرَّأ ويُحاول إطلاق سراح هذا المخلوق العجيب من الزنزانة سوف يُواجه عقوبة الموت لا محالة.

وبمحض الصُّدفة، كانت الزنزانة تقع تحت غرفة نوم أصغرِ أبناء الأمير. وكان هذا المخلوق العجيب يئنُّ ويبكي طوال الليل. وعلى الرغم من أن ابن الأمير حاول في البداية ألا يكترِث لما يسمعه من أنينٍ وبكاء، فإنه في النهاية لم يَعُد يستطيع التحمُّل أكثرَ ممَّا فعل، فنزل خِلسةً في أحد الأيام قبل طلوع الفجر إلى الزنزانة وفتح بابها وترك الأسير يهرب منها.

وفي صباح اليوم التالي، لم يعُدِ الملك وحاشيةُ القصر والخدم يسمعون أصوات الأنين والبكاء تصدُر من الزنزانة؛ ممَّا أثار استغرابَهم الشديد. وجعل الملك يشعُر بوجود شيءٍ غير طبيعي، فنزل بنفسه ليستطلِع أحوال الأسير الذي جلبَهُ من الغابة. وعندما اكتشف أن الزنزانة فارغة، انتابَته موجةٌ عارمة من الغضب الشديد، وطلب معرفة مَن الذي كان لديه ما يكفي من الجُرأة ليَعصيَ أوامره الملَكية.

كان جميع أفراد الحاشية في رُعبٍ شديد لمنظر الملك وهو يُزمجر ويتوعَّد الفاعل بأشدِّ العقاب، حتى إنه لم يتجرَّأ أحدٌ منهم على الكلام. وفي النهاية، تقدَّم ابن الملك الأمير الشاب واعترف أمام والده بأنَّ أصوات البكاء والأنين التي لم تنقطِع عن مسامعه طوال الليل حمَلَته على إطلاق سراح الأسير المسكين بدافع الشفقة والرحمة. ولمَّا سمع الملك ذلك من ابنه الامير الشاب شعر بأن دورَه قد حان ليشعُر هو نفسُه بالحُزن والأسى، لأنه وجد نفسه مُضطرًّا لقتل ابنه، أو يجعل من الأمر الملَكي بقتْل مَن يُطلق سراح الأسير مَوضِعَ سخريةٍ واستهزاء من الحاشية والرعية.

غير أن بعض مُستشاري الملك، بعد أن رأَوا مقدار القلق والخوف الذي يشعُر به الملك حيالَ مِصداقية وجدِّية الإعلانات الملَكية التي يُصدِرها، اقترحوا أن تنفيذ الإعلان الملَكي في هذه الحالة يُمكن أن يتحقَّق بكلِّ بساطةٍ إذا قام الملك بنفي الأمير الشاب بشكلٍ نهائي إلى خارج المملكة عوضًا عن قتله.

شعر الملك بسرورٍ بالغ لهذه الوسيلة التي أخرجته من هذا المأزق، خاصة أنها تُحافظ على حياة ابنه الأمير الشاب وعلى مِصداقية الأوامر الملكية التي يُصدِرها في الوقت نفسه. وهكذا أمر الملك بإبعاد ابنه الأمير الشاب خارج المملكة على ألَّا يعود إليها أبدًا، وفي الوقت نفسه حمَّل الابنَ عدةَ رسائل توصية والكثير من الهدايا والتُّحَف النفيسة إلى ملك مملكةٍ بعيدة في أقصى الأرض، كما أنه وجَّه بأن يقوم أحد خدَم القصر بمُرافقة الأمير الشاب. وفي صباح اليوم التالي، انطلق الأمير البائس وخادمه في رحلة النفي القسرية خارج حدود المملكة.

وخلال الرحلة الطويلة والمُضنية، شعر الأمير الشاب بعطشٍ شديد. وعندما رأى بئر ماءٍ من بعيد تَوجَّه على الفور نحوَه ليرويَ عطشه. وصدف أنه لم يجد عند البئر دلوًا أو أيَّ شيءٍ آخر يستطيع أن يغرف به الماء ليشرب، على الرغم من أن البئر كان مليئًا بالماء الرقراق. واقترح الأميرُ على الخادم، وقد اشتدَّ به العطش، أن يُمسِك به من قدمَيه بعد أن يتدلَّى في البئر ليتمكن من أن يشرب ويُطفِئ عطشه، وأن يقوم من بعدِها الأمير الشابُّ بالشيء نفسِه مع الخادم. وهكذا دلَّى الأمير الشابُّ نفسه في داخل البئر وأمسك الخادم بقدَمَيه كما طلب.

وعندما أطفأ الأمير عطشَهُ وطلب من الخادم أن يُخرِجه من البئر، قال الخادم: «حسنًا يا سيدي الأمير. أستطيع الآن أن أدَعَك تسقُط في البئر وتغرق، أو أن تُوافق على أن نتبادل الثياب والألقاب. عليك أن تُوافق منذ الآن بأن أكون أنا الأمير وبأن تكون أنت خادمي. وبعدَها سأقوم بإخراجك من البئر سالِمًا

وافق الأمير الشابُّ على ذلك على الفور بعد أن أدرك مدى حماقته عندما وضع نفسه تحت رحمة الخادم، وقال الأمير للخادم بأنه لا يُريد أكثرَ من أن يخرج من البئر سالمًا.

قام الخادم على الفور بإخراج الأمير من البئر، وتبادلا بعدَها الثياب. وعندما وجد الخادم الماكر نفسَه وهو يرتدي ثياب سيدِه الفاخرة، امتطى ظهر حصان سيِّده وتابع السير في الرحلة، بينما كان الأمير الشاب يسير بجانبه وهو يرتدي ثياب الخادم المُتواضِعة.

سارا على هذا المنوال إلى أن وصلا بلاطَ الملك في أقصى الأرض والذي كان الأمير الشابُّ يحمل إليه من والده، ضمن أشياء أخرى، رسائل التوصية.

ولم يكن أمام الأمير الشابِّ عند الوصول إلا الوفاءُ بوعدِه، وأخذ يُراقب كيف يجري استقبال الأمير المُزيَّف في البلاط الملكي بالمراسِم الملكية المُعتادة بوصفه ابنَ الملك، في حين تمَّ إرساله إلى غرفة انتظار الخدَم في القصر الذين استقبلوه وعاملوه بعدَم اكتراثٍ كواحدٍ منهم.

وبعد مُضيِّ فترةٍ من الزمن استمتع فيها بما فيه الكفاية من الرفاهية وكرَمِ الضيافة التي أغدقها الملكُ عليه، بدأ الأمير المُزيَّف يشعر بالخوف من قُرب نفاد صبر سيدِه تجاه كلِّ الإهانات التي كان عليه أن يتحمَّلَها. كما شعر بالقلق أيضًا بأن يقوم الأمير الشابُّ في يومٍ ما بالتخلِّي عن الوعد الذي قطعه على نفسه، ويكشف للملأ بأنه هو الأمير الحقيقي. وأخذ الخادم الماكر، وهو يشعر بهذه المخاوف التي يضيق بها الصدر، يُفكر بكل الطرُق التي يستطيع بها التخلُّص من سيدِه الذي خانه بدون أن يكون لها تداعياتٌ خطرة عليه هو نفسه.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent