سر المسافر (3)
قال لي: «نعم هذا مفهوم. أنت ستعيش مائتي
عام، ولكن هذا بشرط ألا تُحاول خطف سيسيليا منِّي لأن هذا يُشكِّل انتهاكًا للعقد
الذي بيننا. ولكني أريد أن أُقدِّم لك معروفًا آخر. وبما أن زوجتك قد طردتك ولم
تعُد تستطيع أن تعود إلى البيت، فيمكنك أن تمكُث هنا مع ابنتك لترعاها وتهتمَّ
بشئونها.»
أردتُ أن أرُدَّ ولو بكلمةٍ على ما قاله
الساحر، لكنه سارع بالقول: «هذه رغبتي. وهذا ما سيكون عليه الأمر. اعتنِ بالطفلة
هنا من أجلي، وعندما تبلغ الثامنة عشرة من العمر سأعود لآخُذها. وليكن معلومًا
لديك أنك إذا تركتها تهرُب، أو إذا حاولتَ أنت أن تفعل ذلك، فسوف تموت لا محالة،
مع العِلم أنه سيكون من المُستحيل بالنسبة لك أن تهرُب من هنا في كل الأحوال؛ لأن
قصري منذ هذه اللحظة مفصولٌ عن قاع البحر الأدرياتيكي، ويتنقَّل من مكانٍ إلى
آخَرَ وسط أعشاب البحر والمَرجان.» لقد كنتُ مُقتنعًا بصحة ما يقول؛ لأني كنتُ
أشعر بالفعل بالقصر يهتزُّ طيلة الوقت كما لو كنَّا على ظهر سفينة.
لن أُحاول أن أصِف لك مدى القلق، والندم،
وتأنيب الضمير الذي كان يُؤرِّقني طيلة الفترة التي كنتُ فيها مُحتجزًا في القصر.
لقد تركتُ زوجتي وطفلي، وخطفتُ طفلةً صغيرة من أُمِّها، ووقع كِلانا أخيرًا في
فخِّ ذلك الساحر الماكر. لكن كان ثمة شيء واحد كنتُ أجد فيه العزاء طيلة الوقت،
وهو سيسيليا الصغيرة التي ترعرَعَتْ على مَحبتي الشديدة لها كما لو كنتُ أنا
بالفعل والدَها. كانت جميلةً كالوردة. ولم يكن المكان ينقصه أي شيء من وسائل
الراحة، كما أن الساحر قدَّم لي كل الكتب التي أحتاجها لتعليم سيسيليا. لم أشَأ أن
أُخبرها أبدًا بعزم الساحر بالقدوم عند بلوغها الثامنةَ عشرةَ من العمر ليأخُذها
منِّي، وعملتُ جهدي لأقضيَ الوقت معها في أسعد حال.
وبعد رحلةٍ استغرقت عشر سنوات تحت البحر كنتُ
فيها مُطيعًا للساحر في كل شيء، استطعتُ على إثرها أن أحوز ثقة الساحر، فقام
بتثبيت القصر البلوري بقاع البحر ورواق الدلفين، وهكذا أصبح القصر أخيرًا مُرتبطًا
باليابسة. سمح لي بالخروج ثلاثة أيام في السنة حتى أستطيع أن أزور أصدقائي. أراد
الساحر أن يُدخِل السعادة إلى قلبي من وراء ذلك، وقد كان مُحقًّا في هذا. ارتديتُ
ملابس المسافرين هذه حتى لا يتعرَّف عليَّ أحد، وبما أن شعري قد شاب قبل أوانه فقد
أصبح من الصعب على الآخرين التعرُّف على شخصيتي في كل الأحوال. ومنذ ستِّ سنواتٍ
وأنا أخرج لمدة ثلاثة أيام في السنة من القصر البلوري. وفي المرة الأولى التي خرجت
فيها علمتُ بوفاة زوجتي آنيتا المسكينة، ولكن لم يقُل أحدٌ ماذا حلَّ بك وكيف
أصبحَت أحوالك يا بني.
كنتُ أبحث عنك في كل مرةٍ أخرج فيها من القصر
إلى اليابسة، وأخيرًا قررتُ أن أبحث عن والِدَي سيسيليا. كنتُ أشعر باليأس من
إمكانية الاهتداء إليهما. كان ضميري يُعذِّبني وأشعر بالندم الذي قصَم ظهري. كنت
أريد على الأقل أن أُعيد إليهما ابنتهما. وكان القدَر عطوفًا عليَّ في النهاية
عندما دعاني والداك بالتبنِّي — كما تعلم — لدخول المنزل.
والآن يا بني لا يُوجَد لديَّ أمنية سوى أن
أُساعدك في الظهور بمظهر المُقدِّر للجميل لهذين التعيسين اللذين اهتمَّا بك وقاما
بتربيتك، وعانَيا الكثير جرَّاءَ فَعلتي الخرقاءِ هذه منذ سنواتٍ عديدة. أُريدك أن
تذهب معي لترى ابنتهما وتعود بها إليهما في النهاية.»
كان أورستو يستمع لما يقوله والده بأقصى
درجات الانتباه.
بعدها قال: «ولكن ماذا سيحدُث لك بعد ذلك يا
أبي؟»
فأجاب المسافر: «وكيف لي أن أعرف ذلك؟ لكن
عمر سيسيليا قد قارب الآن الثامنة عشرة، ويجب أن تعود إلى والدَيها قبل أن يعود
الساحر ليأخذها.»
نهض أورستو وعانق العجوز، ثم أخذ منه
الإرشادات التالية لإنقاذ سيسيليا.
قال له العجوز: «تعالَ ظُهر يوم الغد حيث
يكون الساحر في ذلك الوقت نائمًا وأستطيع بذلك أن أساعدك. والآن يتعيَّن عليَّ أن
أُسرع في العودة إلى القصر البلوري لأنه لو استمرَّ غيابي أطولَ من الوقت المسموح
لي به، فسوف أتعرَّض أنا وسيسيليا لعقابٍ شديد.»
قال أورستو: «وداعًا يا أبي. سأكون في الغد
عند بوابة القصر المؤدية إلى رواق الدلفين. ولا تنسَ أن تترك لي الباب مفتوحًا.»
غادر العجوز المكان، وبدلًا مِن أن يذهب
أورستو إلى السوق تحوَّل بسرعة نحو البيت ووصلَهُ بعد وقت قصير.
وفي صباح اليوم التالي، قال أورستو لوالدَيه:
«لديَّ شعور بأنني سأتمكن اليوم من إعادة ابنتكما سيسيليا إليكما وهي في أحسنِ
حال.»
صاح الوالدان في وقتٍ واحد: «سيسيليا؟» وهما
ينظران إلى بعضهما البعض في حيرةٍ ودهشة كبيرة. ثم قالا: «لكن اسمها كان تيريسا.»
شعر أورستو بالأسف لزلَّة اللسان هذه وقال
بسرعة: «ربما تكون قد سُمِّيَت بسيسيليا حتى هذا الوقت. ربما تكون قد وجدت أبًا
آخرَ أحبَّها واعتنى بها وأعطاها هذا الاسم.»
ساوَرَ أوجست ونينا الشكُّ حول صحة ما يقوله
أورستو، ونظر كلٌّ منهما إلى الآخر في حيرةٍ واستغرابٍ شديدَين، ولكنهما لم يرغبا
في تثبيط معنويات ولدهما، فتركاه يفعل ما يُريد.
كان المدخل إلى رواق الدلفين محجوبًا عن
أنظار جميع الناس، لكن أورستو تمكن من العثور عليه بسهولةٍ بمساعدة الإرشادات التي
قدَّمها له والده. فقام بربط الفرَس إلى عمودٍ من المرجان وسار مُتوجِّهًا إلى
داخل القصر.
وبعد قليل، وجد نفسه داخل غرفةٍ بلورية كبيرة
تمتدُّ مباشرة نحو البحر. وتمكن عبر جُدرانها البلورية الشفافة المدعومة بأطواقٍ
فِضِّية قوية من رؤية جميع أنواع الحياة البحرية. حدَّق أورستو بذهولٍ شديد في
الأسماك الفضية والذهبية بزعانف لامعة وهي تسبح في المياه الزرقاء المُخضرَّة.
وأخذ يسير داخل الرواق لمدة ساعةٍ تقريبًا حتى وصل أخيرًا أمام بوابةٍ ذهبية قام
بفتحها بسهولة.
قاده باب بلوري إلى داخل دهليز يُؤدي إلى
الكثير من الغُرَف المفروشة بأثاثٍ باهظ الثمن. كانت رائحة البحر قوية لدرجةٍ
فظيعة بالفعل. وفي هذه اللحظة بدا له رأس أبيه بشعره الأشيب من خلال أحد الأبواب؛
فابتسم. وأمسك الرجل العجوز بيد ولَدِه وسار به نحو الشرفة.
طلَب من الشاب أن يجلس وينتظره لفترة من
الوقت. ثم سرعان ما عاد بصحبة فتاةٍ أصابت أورستو بالذهول من شدَّةِ جمالها. كانت
فتاة ذات جمالٍ خارق بوجهٍ بيضَوي وعيونٍ زرقاء تُشبه السماء، فيهما حزنٌ دفين.
ويتدلَّى شعرها الكثيف على شكل ضفائرَ ذهبية فوق عباءةٍ رمادية داكنة اللون. مدَّت
يدها إلى أورستو بطريقةٍ ودِّية وقالت له: «أعلم أننا سنُحب بعضنا بعضًا كأشقَّاء؛
لكوننا تبادَلْنا آباءنا وأُمهاتِنا عندما كنا صغيرَين. خُذني إلى أبي وأمي لنعيشَ
معًا في سعادةٍ واطمئنان.»
وهكذا انطلق الثلاثة مُتوجِّهين نحو البيت،
ولكن أورستو كان يُحملق طيلة الوقت في الفتاة التي سحَرَتْهُ من النظرة الأولى في
الوقت الذي كان فيه الرجل العجوز يبتسِم طوال الوقت؛ مما أزال عن وجهه آخِرَ
علامات الحزن، وبدا كما لو أنه عاد شابًّا من جديد.
قال لهما عندما وصلوا إلى نهاية رواق
الدلفين: «اسمعا يا ولدَيَّ، سأُودِّعكما الآن، وربما لن ألقاكما بعد الآن.»
قال الشابُّ والشابة في دهشةٍ وبصوتٍ مُرتفع:
«ماذا تقول؟ ألن تذهب معنا؟»
أجاب العجوز: «أخشى أنني لا أستطيع ذلك. أريد
أن أُجنِّبكما رؤية مشهد موتي.»
قالت سيسيليا: «ما هذا الذي تقوله؟ لن أُغادر
من هنا إذا كان هذا يعني أنك ستُواجه أيَّ نوعٍ من الخطر نتيجةً لذلك. لن أُغادر
هذا البيتَ دونك يا أبي.»
عبَّر العجوز عن أسفه لإسهابه في الحديث،
وقال في النهاية: «حسنًا إذن. سوف أذهب معكما ما دُمتما تُريدان ذلك.»
خرَجوا جميعًا من القصر البلوري إلى اليابسة،
وما إن غادروا رواق الدولفين حتى سمِعوا انفجارًا ضخمًا يُصِمُّ الآذان دمَّر
القصر بما فيه ونثر حطامه في قاع البحر.
شعر العجوز بالخوف الشديد وشحب وجهه والتصق
بسيسيليا التي أخذت تبكي وهي تقول: «ما الخطب يا أبي؟ هل عاد إليك المرَض من
جديد؟»
قال العجوز بصوتٍ واهن: «لا لا. أنا بخير.»
قام أورستو وسيسيليا بمساعدة العجوز على
امتطاء ظهر الفرس، وأمسكا بخطام الفرس وسارا به نحو البيت. وصَلوا أخيرًا إلى بيت
أورستو وسط عاصفةٍ من القلق، وفرح الجميع بعودة سيسيليا إلى البيت فرحًا شديدًا
وإن شابَ هذا الفرحَ شيء من الحزن لمرَض والد أورستو الشديد. وقاموا بوضع العجوز
برفقٍ في الفراش، ولكنه سرعان ما فارق الحياة في الليلة ذاتِها.
وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة قال للشابِّ
والفتاة اللذَين كانا يجلسان بالقُرب من الفراش يبكيان سوءَ حال والدِهما: «إن
انتقام الساحر سيَطالني لا محالة ما دمتُ انتهكتُ شروط العقد الذي أبرمتُه معه،
ولكننا سنموت جميعًا في يومٍ من الأيام عاجلًا أم آجلًا. وأنا أُفضِّل أن أموت
الآن، بعدما تمكَّنتُ من إعادة الأمور إلى نصابها، على أن أعيش حياةً مليئة بالندم
والأسف. وصيَّتي الأخيرة هي طلبُ الغفران من والدَي سيسيليا، وأن أسمع منهما
بأفواههما موافقتهما على زواجك من ابنتهما؛ لأنني أعلم تمامًا بأن كلًّا منكما
يُحب الآخر.»
وهكذا كان أن تحوَّل الحُب الأخوي الذي
وعَدَت به سيسيليا أورستو إلى حُبٍّ رومانسي حقيقي، بدأ منذ أن وقع أورستو في
حُبِّ سيسيليا منذ اللحظة الأولى التي وقع فيها بصرُه عليها.
نادَوا على أوجست ونينا لإلقاء النظرة
الأخيرة على العجوز وهو يحتضر، فقبَّلا جبينه برفقٍ مؤكِّدَين له أنهما قد غفرا له
وسامَحاه، وأنهما سيكونان سعيدَين جدًّا لرؤية الشاب والفتاة مُتزوِّجَين كما
يرغب. وهكذا أسلم والدُ أورستو الرُّوحَ بسلامٍ وعلى وجهه علاماتُ الرِّضا
والسكينة التي غابت عن وجهه في الحياة.
شعر أورستو وسيسيليا بالحزن الشديد لموت
العجوز، وقد خفَّف من مُصابهما مشاعرُ الحُب التي جمعَتهما. وبعد أقلَّ من عام جرى
حفل زفافهما، وعاشا بعدها في سعادةٍ وطمأنينة دائمتَين.
