سِر المُسافِر (2)
قال أورستو: «وهل لي علاقة بهذا السر؟»
قال المسافر: «نعم. وسوف تعرف عاجلًا أم
آجلًا مَن هما أبواك الحقيقيَّان.»
حدَّق أورستو في الرجل مَليًّا، ثم قال:
«أخبرني بما لديك إذن.»
قال المسافر: «لا، ليس هنا. اعقل حِصانك إلى
جذع الشجرة وتعالَ معي إلى الكهف حيث لا يسمعنا أحد، وتستطيع في الوقت نفسِه أن
تُراقب من هناك عربتَك وحِصانك.»
كان الكهف يبعد عن موقعهما خطواتٍ قليلة.
وقام أورستو بعقل الحصان إلى جذع الشجرة، وتوجَّه مع الرجل الغريب إلى داخل الكهف
الذي كان غارقًا في ظلامٍ دامس مع خيطٍ بسيط من أشعة الشمس يتسلل إلى داخله.
وسرعان ما بدأ الغريب حديثه.
قال: «هل تُحب أوجست ونينا كثيرًا؟»
أورستو: «كيف لك أن تسأل عن هذا. إنني لا
أستطيع مهما فعلتُ أن أرُدَّ لهما جميلهما طيلة حياتي مقابل هذا العطف والحنان
الذي لقيتُه منهما.»
قال المسافر: «بل تستطيع؛ لأنك سوف تُعيد
إليهما ابنتهما المفقودة التي حزنا عليها لسنواتٍ عديدة.»
صاح أورستو: «أين هي؟ هل تعلم أين هي؟»
أجاب العجوز: «نعم أعلم، وسوف أُخبرك ذلك،
ولكن مقابل أن تصفح عن الخاطف وألا تُحاول الانتقام منه.»
قال أورستو: «ومن هو ذلك الشقي البائس الذي
خطف الفتاة الصغيرة من والديها؟»
قال الرجل: «أنا.»
أفلتَت من أورستو صيحةٌ شديدة من هول
المفاجأة، ورفع يده يريد أن يهويَ بها على وجه الرجل من شدَّة الغضب، ولكنه عندما
رأى الشيب الذي يكسو رأسه وتذكر الوعد الذي قطعه على نفسه، أمسك نفسَه وأنزل يده.
وفي اللحظة ذاتِها، انفتح جدار خلفي في
الكهف، وخرجت منه حورية جميلة تُحيط بها الأنوار الساطعة. أشارت الحورية بأصبعها
نحو العجوز وهي تقول: «أورستو، هذا الرجل هو والدك.» لتختفيَ من بعدِها وينغلق
الجدار، ويعود الظلام يُخيم على الكهف كما كان من قبل.
شعر أورستو كأنه تلقَّى ضربةً بمطرقة على
رأسه. كان هذا والده الذي يقول الآن بأنه هو الذي خطف ابنة والدَيه بالتبنِّي.
وكان عليه أن يتلمَّس بيدَيه أطراف جسده عدة مراتٍ ليتأكد أن رأسه لا يزال فوق
كتفَيه. ومع ذلك شعر فجأةً في داخله بحبٍّ لا حدود له تجاه ذلك العجوز الذي افتقده
لسنواتٍ طويلة ويبدو الآن تجسيدًا حيًّا للبؤس والمعاناة. جثا أورستو على رُكبتَيه
وقال: «سامحني يا أبي لعدَم سماعي من قبلُ لنداء الدم الذي يجري في عروقي.»
عانق المسافر أورستو وضمَّه بشدة إلى صدره
وهو يقول: «بل أنا مَن يَجِب أن يطلب العفو والمغفرة، وليس أنت. أتوسَّل إليك أن
تنظر بعين الرحمة والعطف إلى أفعالي الخاطئة، التي أحاول الآن فقط أن أُصححها قدْر
ما أستطيع، وأن أضع كل شيءٍ في نِصابه الصحيح.»
قال أورستو: «على الرغم من أني بالكاد
أتذكرك، إلا أنَّ أُمي علَّمَتني أن أحترمك دائمًا.»
قال المسافر: «آه. أمك. لقد أحببتُها
كثيرًا.»
سأله أورستو: «ولماذا هجرتَها إذن؟»
قال الرجل: «اسمعني جيدًا يا بني، وآمُل أن
تفهم ما سأقوله لك. الإنسان لا يستطيع أن يُفلِح في معارضة قوانين الطبيعة.»
شعر أورستو بحيرةٍ كبيرة.
وروى المسافر قصته على النحو التالي:
«حين كنتُ صغيرًا، كنتُ أخاف الموت بشدة. لقد
أرعبني جدًّا هذا الشعور بأن كل البشر سيُلاقون يومًا نفس المصير؛ يُغادرون هذه
الحياة الدنيا إلى عالم القبور. لقد كنتُ مُستعدًّا لأن أبيع نفسي للشيطان لو
وعدَني بحياةٍ أبدية في هذه الدنيا.
وعندما قابلتُ أمك ووقعتُ في غرامها بجنون،
منعني هذا الخوف الوضيع من أن أطلب منها الزواج. وكنتُ أشعر بالقلق حيالَ فكرة أن
أموت قبلها وتتزوَّج هي من بعدي مرةً ثانية، وازداد هذا الشكُّ في عقلي المريضِ
حتى سبَّب لي قلقًا مُخيفًا.
وأخيرًا علمتُ أن هناك عند سفح الجبل المجاور
يعيش ساحرٌ ماكر يتنبَّأ بالغيب، فذهبتُ إليه حيث قال لي إنه يستطيع أن يضمن لي
حياةً مستمرة لمدة مائتَي عامٍ بشروطٍ مُعينة. شعرتُ بسرور بالغ لسماع ذلك، وقبلتُ
بكل الشروط التي ذكَرها على الفور. قال لي: «يجب أن تتزوَّج آنيتا (وهذا هو اسم
أُمِّك)، على أن تُعطوني أول ولدٍ تُرزَقون به. أنا أعيش في قصرٍ بلوري في أعماق
البحر الأدرياتيكي لا يُمكن الوصول إليه إلا عبر كهفٍ تحت الماء يُدعى رِواق
الدُّلفين. أحضِر الطفلَ إليَّ وستجدُني هناك بانتظارك. وهذا هو المفتاح، وهذه هي
خارطة الطريق.» وأعطاني مفتاحًا ذهبيًّا وقطعةً صغيرة من الجلد الملفوف مرسومًا
عليها طريق الوصول إلى القصر بطريقةٍ واضحة لا يُمكن معها لأحدٍ أن يضل.
ونظرًا إلى أنني لم أكن أعلم في ذلك الوقت ما
هو معنى حُب الأب لأبنائه، استسهلتُ هذه الشروط، وقُمتُ بالتوقيع على العقد الذي
أعدَّه الساحر بسرورٍ بالغ. كان جُل همي أن أتزوَّج آنيتا بأسرع وقتٍ ممكن وأن
أحصل بعدَها على حياةٍ طويلة معها. وقبل أن يسمح لي الساحر بالمغادرة قال لي:
«انتبِه جيدًا. إذا لم تُوفِ بشروط العقد كما يجِب فسوف تموت في الحال أنت وزوجتك
وابنك.»
تزوَّجتُ أمَّك بعد عدة أسابيع، وكانت أغلى
شيءٍ في حياتي. ولكن سرعان ما بدأت مُعاناتي. وعندما ولدَتك أُمك، لاحظَتْ أنني لم
أُظهِر الفرح المُعتاد في مثل هذه المناسبات الجميلة كما كانت تأمُل. ولم أستطع أن
أُخبرها بأمر عقدي مع الساحر، وما كنتُ لأُخبرها، وأخذتُ أفكر بتعاسةٍ في أن هذا
المخلوق الصغير المسكين الذي هو أنت، والذي كنتُ لأُضحي من أجله بسعادةٍ بكل شيء،
سوف يَدفع ثمن السنوات الطوال التي ساومتُ عليها من أجل نفسي. كان حُبي لك يا بُني
بلا حدود. وعندما كبرتَ واشتدَّ عودك، نسيتُ تقريبًا كل شيء عن العقد المُرعب.
وبدا لي كما لو أنني أكثرُ الناس حظًّا على وجه الأرض. كنتُ أكسب القليل من المال
بالكاد يكفينا معًا للبقاء على قيد الحياة، ولكن ذلك لم يُهمَّني. كنتُ أرى نفسي
غنيًّا من خلال عينَيك الجميلتَين اللتين كنتَ تنظر دائمًا بهما نحوي عندما بدأتَ
تُناديني بأبي.
وهكذا مرت سنوات قليلة بسرعة. وفي إحدى
الليالي، ظهر لي الساحر وذكَّرني بالعقد الذي بيننا. هدَّدني وزوجتي بالموت وبموتك
أنت أيضًا إذا لم آخُذك إليه في الحال. وفي صباح اليوم التالي، استيقظتُ لأكتشف
أنك كنتَ مريضًا وتشعُر بالحُمَّى. وفهمتُ على الفور هذه الرسالة التحذيرية. شعرت
بالخوف الشديد لدرجة الجنون، وقمتُ على إثر ذلك بكتابة كلماتٍ قليلة لزوجتي
العزيزة آنيتا قلتُ فيها إنني ذاهب للبحث عن فرصة عمل أفضل، وبأنني سأعود يومًا ما
عاجلًا أم آجلًا.
انطلقتُ نحوَ الحقول لا ألوي على شيءٍ حتى
وصلتُ إلى هذا الحي ولمحتُ فتاةً صغيرة تلعب في فِناء البيت. وقررتُ فورًا أن
أخطفها وأُقدِّمها للساحر الماكر عوضًا عنك، وأن أعود بعد ذلك ثانيةً إلى زوجتي في
البيت. وبكل أسف، هذا ما فعلته.
وعندما رآني الساحر قادمًا وأنا أُمسك
بالطفلة الصغيرة قال لي: «لو تأخَّرتَ ساعةً أخرى واحدة فقط لكانت هذه نهايتكم
جميعًا.»
بدأت الطفلة في البكاء. وحاولتُ عَبَثًا
تهدئتها. وطرَق الساحر على الجدار البلوري لقصره ليُظهر أمامي دميةً جميلة ناطقة
هدَّأَت من روع سيسيليا. هذا هو الاسم الذي كنتُ أُناديها به حتى اليوم.
سألني الساحر: «ماذا كانت ردَّة فعل زوجتك
عندما أخذتَ منها الطفلة الصغيرة؟» كنتُ خائفًا وما كان عساي أن أقول له غير أنها
لعنَتني وأقسمَتْ بألَّا تراني ثانيةً.
قال الساحر: «آه. كنتُ أتوقَّع منها أن تقول
ذلك. والآن دعني أُقدِّم إليك معروفًا آخر.»
سرَتْ في أنحاء جسمي قشعريرة باردة عند سماعي
ذلك وتلعثمتُ وأنا أقول له: «شكرًا يا سيدي، أنا لا أرغب بالفعل في أكثرَ من
الحياة لمائتي عام التي وعدْتَني بها.»
