حالة تلبُّس (1)
حينما ضبط المنظر. لم يكن عميد الكليّة هو
الذي غضب والتهبت الدماءُ في عروقه، ولكنَه الطفل الذي وُلِد وتربّى في «سوهاج»
ومنذ أن بدأ يعي فهم أنَّه قد يكون مباحًا للرجل وعيبًا للشباب ومحرمًا تحريمًا
قاطعًا على الأطفال ولكنّه للنساء جريمة، أكثر من جريمة، قد يوازي هتك العرض، فما
بالك وهي ليست رجلًا ولا طفلًا ولا حتّى سيِّدة ولكنَّها فتاةٌ، بنت لا تتعدَّى
السابعة عشرة بأيٍّ حالٍ.
وحين وصل الغضب قشرة العقل المكتسَبة، وانفعل
العميد الذي فيه، كان أكثر ما ضايقه أنّها لا بدَّ في السنة الأولى، طالبة جديدة،
يعني بالأمس فقط كانت طفلةً في ثانوي. ورغم كل
غضبه لم يتحرَّك إلَّا حينما تحرَّك الوالد الذي فيه وتململ، وأدرك كالمدهوش،
أنّها تكاد تكون في سنٍّ ابنته «لمياء»، حينما فقط استدار مغادرًا النافذة في
طريقه إلى حيث أزرار الجرس الموضوعة في مكانها الخالد الذي يتوارثُه العمداء فوق
المكتب.
وربما لو كان في الحجرة أحدٌ .. أستاذ أو
لجنة أو حتى لو كانت في انتظار مقابلة كائن ما لكانت الحركة قد اكتملت وكانت يده
حتمًا قد وصلت إلى الزر. والساعي المرابط أمام الباب حضر والفصل لأسبوعٍ أو لأكثر
من الكلية أو حتّى الزجر والضرب قد حدث. ولكنّه
كان وحده في حجرة العميد الواسعة المهولة ذات النافذة الجانبيَّة الضيقة.
والحجرة تغري بالتريث، والنافذة الضيقة تغري بتدقيق النظر وفي
حالته كان الإغراء كبيرا بإعادة النظر.
وعاد إلى استمرار النظر.
الحجرة في دورٍ أوّل لا يرتفع عن الأرض
قليلًا. والفناء الخلفي الذي تطلُّ عليه النافذة الجانبية خالٍ تمامًا من الطلبة
فهو في العادة مكانٌ غير مرغوبٍ من الطلبة، والساعة اقتربت من الثالثة. واليوم
الدِّراسي انتهى، ولولا مراجعة جدول الامتحان لما كان هو نفسه قد بقي إلى هذا
الوقت ولما قام من النافذة منهكًا يتثاءب ويتمطَّى ويأخذ فكرة عن الجو بالخارج.
ولما شاهدها، تلك الطالبة الصغيرة التي ما إن بدأ عقله يتساءل
عمَّا أتى بها إلى هذا المكان المهجور، وبعد انتهاء الدراسة، حتّى كان الغضب قد
اجتاحه. وجدها بكل بساطة وتحت أنف نافذته تُخْرِج - بل أخرجت فعلًا — علبة سجائر
من حقيبة يدٍ مُستطيلة ضخمة، وعبثت بكراريس المحاضرات المختلطة بآدوات التجميل
قليلًا، وما لبثت أن أخرجت علبة كبريت أيضًا.
طالبةٌ واضح تمامًا أنّها لا بدَّ في السنة
الأولى. تُدخن وتحمل معها في الحقيبة علبة سجائر وعلبة كبريت؟!
هكذا من النظرة الأولى تفجّر الغضب.
ولكن النظرة التالية كانت نظرةً مذهولة
يستبعد تمامًا أن يُصدق أنَّ شيئًا كهذا يُمكن أن يَحدث، مؤجلًا التصديق إلى أن
يراها فعلًا وهي تُدخِّن .. خاصةً والفتاة كانت لا تزال مُمسكةً السيجارة في يدٍ
والكبريت في يد أخرى، وكأنَّما لم تُقرِّر بعدُ ماذا تفعل بشأنهما.
وتأمَّلها العميد، كانت طالبةً عادية، لا
يُمكن إذا رآها في مجموعة أن تستوقف النظر، شعرها مهوش على طريقة الجيل الجديد في
الأناقة، وعيناها ذابلتان، لا بد من المذاكرة والسهر، متكئة، تكاد تكون مستلقية -
بعد يوم متعبٍ حافل - على الأريكة التي لا يستعملها أحد، ولكن شبابها الفائر يكاد
يقفز من وجنتيها المحمرتين رغم قمحية بشرتها، ومن جسمها البارز في أكثر من مكانٍ
من ملابس الطالبة الرخيصة التي ترتديها.
وبوغت العميد حقيقة وهو يَلحظ فجأةً أنَّها
بأصابع اليد الواحدة .. أصابع تُلوِّن سبابتها آثار الحبر، قد فتحت علبة الكبريت،
وباليد الأخرى، بيدٍ ثابتة لا اضطراب فيها ولا خوف، وبحركات تلقائية ليس فيها من
مجهود الإرادة شيء، ثبَّتت السيجارة في فمها وأدارتها دائرةً كاملة بين شفتيها،
وكأنّما لتبلّل - كالمدخنين العتاة - فمَها (الفلتر)، وبنفس التؤَدة والتلقائية،
وبضربةٍ لا أثر للتدبير فيها، أشعلت العود ولم تقربه من السيجارة في الحال، أهملته
بين إصبعها قليلًا، وكأنما تستمتع برؤيته يحترق. ثم ما لبثت ببطء، ودون أن تنظر، وبعينين
هائمتَين في جدار الفناء البعيد، أن قرَّبت العود بحيث لامست شعلته طرف السيجارة
دون أن تحيد يمينًا أو يسارًا، وكأنّما يدها مدرَّبة على الطريق. وجذبت نفسًا
واحدًا اشتعلت بعده السيجارة. وبالدخان الخارج، بعد ابتلاعه، من فمها، أطفأت
العود، ثم ما لبثتْ أن ألقته في إهمالٍ غريب فوق عشب الممشى القريب.
وجُنَّ جنون العميد، إنَّها مُدمنة داعرة
الإدمان أيضًا، إنَّه هو نفسه يدخن ولا يفعل شيئًا كهذا، إنّه يشعل سيجارة كلشنكان
ويدخنها كيفما اتّفق، ولكن هذه، متى وكيف وفي أي بؤرة فسادٍ تعلَّمت كل هذا.
إنَّها حتى لا تُشعل الكبريت كالنساء التي قرأ مرةً أنَّهنَّ يُشعلن العود من
الناحية البعيدة خوفًا غريزيًّا من ناره على ملامحهن وشَعرهن، وفقط بعد الاطمئنان
إلى شعلته بعد خفوتها يجرؤن على تقريبه منهن، أمَّا هذه ال... الطالبة، طالبة أولى
هذه .. لا تخاف العود ولا النار، ويبدو أنّها لا تخشى شيئًا في الوجود .. إنّها لا
يُمكن أن تكون في السابعة عشرة .. سن ابنته .. لا بدَّ أنّها أكبر بكثيرٍ ..
بسنتَين لا بد، أو حتَّى بأيام .. إنّها جرثومة، إنّ الفصل أسبوعًا واحدًا لا يكفي
أبدًا .. الرفد النهائي هو ما يجب عمله، لا أقلَّ من الرفد النهائي.
ولكنه لم يعرف كيف حدث هذا، فقد وجد شيئًا
أكبر بكثيرٍ من كل غضبه وكل حماسه للضغط على الجرس واستدعاء الساعي واتخاذ بقيَّة
الإجراءات، شيئًا أجبره على أن يقف في مكانه لا يتحرّك وينتظر ويعاود الرؤية.
ورفعت الفتاة يدها إلى فمها مرةً أخرى،
ولكنَّها انتظرت قليلًا بفم السيجارة قريبًا من فمها، ثم بدا وكأنَّ الوقت قد حان،
وهكذا ببطء لا تلكُّؤ فيه أسبلت جفونها حتّى كادتا تُغلقان تمامًا، ثمَّ ضمَّت
شفتيها حتّى ضاقت الفتحة بينهما وتكرمش غشاؤهما، ومن الفتحة الضيقة أدخلت فم
السيجارة، وجذبت نفسًا، لا لم يكن جذبًا، كان امتصاصًا، ليس امتصاص دخان، لكأنَّه
رشف أعظم سعادات البشر، رشفة ببطء وباستعذاب وبملايين الأفواه، كل خليةٍ من
خلاياها بدت وكأنّما أصبح لها فم تجذب به وترتشف ويتموَّج جسدها كلها تموجًا غير
منظور، وعلى دفعات وكأنَّه عطشان يجرع أعذب الماء ويُريد أن يَستمتِع بكلِّ قطرة
من قطراته، حتّى إذا ما بدا أنَّ كل دقيقة فيها قد أخذت كفايتَها وظفرت بسعادتها
الخاصة، رفعت السيجارة عن فمها ببطءٍ وكبرياء، وعينين قد فتحتا ببخلٍ شديد،
وكأنَّها تخاف أن تهرب من فتحتيهما النشوة.
واستحال غضب العميد إلى لحظة صدمة مفاجئة
تكاد تتحول إلى ذعر .. خوف شديد أن يستمر في الرؤية، خوف الخائف على نفسه هو من
استمرارها، والفناء بدا له كالبقعة المهجورة المقطوعة عن العالم، يحفل بسكون،
وزمتة، ورائحة ربيع مقبل مخيف، وقرب أيام نهاية العام والامتحان، والفتاة كأنّها
جنية من جنيات الظهر، انشقت عنها خرابة الفناء فجأةً، متكئة - تكاد تكون مستلقية -
فوق الأريكة ذات الحديد المتراكم فوقه الزمن والصدأ، الناقص مقعدُه خشبة الوسط.
وبرهبة المذهول هذه المرة راح يترقّب كيف
تُخرج النَّفَس .. فمها المضموم أبقته مضمومًا هنيهة، ثمَّ فتحته نصف فتحة، وبحركة
فيها كسل أنثوي ضاقت له عيناه راحت توسِّع من فتحته قليلًا قليلًا، في نفس الوقت
الذي كان صدرها قد بدأ يتسع وكأنّها بسبيلها إلى التنهّد حُرقة ولوعة، ربما على
فراق تلك السحابة الدخانية الصغيرة التي فجَّرت في جسدها المستلقي تعبًا واسترخاء
حيوية وأضافت إلى صباها صِبًا يتسع حتَّى ليجذب الدخان إلى أعمق أعماقها، ليُلامس
أقصى أرجائها وليلتقي بكل جزءٍ من صميم صميمه لقاء الوداع. وفي نفس الوقت الذي يعود
فيه الصدر إلى وضعه الطبيعي وحجمه، يكون الدخان هو الآخر قد بدأ يخرج، من الشفتين
المنفرجتين أضيق أوسع انفراجِ .. تخرج دفعاته الأولى مرسلة على سجيتها دون ضغط أو
إكراه، تصنع دوائر لولبية وضبابات ثم تتلوها الدفعات الخارجة بالإرادة متأنّية
موجهة قد شحب دخانها وتغيَّر لونه وكأنّما امتصَّت منه كل النضرة والحياة.
