خبر
أخبار ساخنة

لغة الآي آي | يوسف إدريس | الزوار (2)


من أقوال يوسف إدريس حول التدلل على الأحباب

الزوّار (2)

 

 

يوم العطلات والأعياد يرتفع الرقم حتى يصل إلى الخمسين .. وكان يبدو على مصمص أنّها في الوقت الذي تعتب فيه على فلانة الفلانية لأنّها لم تزرها، ما يكاد الزوار يغادرونها حتى تلهث تعبًا وحتى تغمغم ببرطمة لا يُفهم منها سوى الضيق الشديد بالزيارة والزوار، والمسألة بدأت بأن راحت سكينة تسأل مصمص عن الزوار إذا قدموا، من هم، وما هي درجة قربهم لها، وماذا يشتغلون. ولم يكن الأمر مجرَّد سؤال. دأبت سكينة على ملاحظتهم بدقة ومعرفتهم بالاسم، حتى لتطفح السعادة من وجهها حين تقول لمصمص بعد خروج زائرٍ: مش ده كان مصطفى ابن خالتك اللي بيشتغل في السكة الحديد؟

فتُبهت مصمص وتقول: اللّٰه .. وانتي إيه اللي عرَّفك؟

حينئذ تحس سكينة الناحلة الهادئة الساكنة بسعادة داخلية لا حدَّ لها .. غير معقول بالمرة أو مقبول فقد أصبحت لمجرَّد أنَّها عرفت من الزائر وخمَّنته وجاء تخمينها بالضبط مطابقًا للحقيقة.

ولكن هذه السعادة، بالتكرار، لم تعد تحدث. ووجدت سكينة نفسها مدفوعة إلى خطوة أخرى كي تحسَّ بنفس سعادتها السابقة. فبدأت تُقدِّم مساعداتٍ، وتسرع مثلاً وتُحضر كراسي لزوَّار مصمص، أو إذا أرادت الأخيرة أن تعزم عليهم بالقهوة أو الشاي أو الغازوزة أسرعت سكينة إلى البوفيه .. تُحضر الطلبات بنفسها .. وكانت مصمص تأخذ الأمر في أوله باعتبار أنَّه نوع من الطيبة من سكينة لا أكثر، ولكنَّها بدأت تعجب فعلًا وقد راحت سكينة تقوم بأعمال غير معقولة أبدًا؛ تأخذ الأطفال من الأمهات الزائرات وتداديهم أو تذهب بهم إلى دورة المياه، وتلعب مع الأبناء الكبار وتقول لهذا الزائر .. والنبي وحياتك ابقى سلّم على فلانة وفلان وكأنّهم أقرباؤها هي!

بدأت مصمص تستعجب، ومصمص لم تكن سهلةً ولا طيبة ولا مسكينة أبدًا، إنَّها جهنم الحمراء إذا انفتحت، وإذا رأت في الأمر ما يُريب .. وكانت سكينة قد زودتها في نظرها كثيرًا وبشكلٍ أصبح لا تفسير له ولا تبرير، تجلس مع الأقرباء والأصهار طوال الزيارة. ولا تُغادرهم للحظة وكأنّها منهم وعليهم. يتحدَّثون عن أدق أمورهم العائلية الخاصة فلا تخجل ولا تبتعد. بل أكثر من هذا بها وتناقشها مُناقَشة المتحمِّس الغيور، وتبدأ الآراء أيضًا .. وتنتظر مصمص على أحر من الجمر أن تحِس سكينة مرةً فتقوم أو تغادر الفراش، أو على الأقل تُولي انتباهها إلى الناحية الأخرى بلا فائدة، إذ كانت سكينة لا تفعل شيئًا من هذا أبدًا، بل تظل طوال الجلسة بأكملها، وبعد الجلسة أيضًا، تتحدَّث وتُعقِّب وتحاول أن تدخل مع مصمص في أخص الشئون وفي الغويط. ومصمص، تكظم وتكظم. فصحيح أنَّ سكينة تتدخَّل، ولكنَّها تفعل هذا وهي راقدة في نفس فراشها لا تغادره. بالعكس إنَّ زوَّارها هم الذين يجلسون على فراش سكينة، وبهذا يعطونها الفرصة للاندماج والتدخِّل.

بل تطور الأمر إلى ما هو أكثر، وبدآت سكينة تقتنص زائرًا أو زائرة من الجالسين على فراشها وتنخرط في حديث لا ينقطع معه أو معها، بحيث تنتهي الزيارة وهم لم يتبادلوا كلمة واحدة مع قريبتهم مصمص، وكأنّهم جاءوا لزيارة سكينة أصلًا.

ولقد تكرَّر الأمر مرةً ومرة، ومصمص صابرةٌ تكظم، إلى أن كان هذا اليوم الذي قرَّرت أن تنفجر فيه، وهكذا ما كاد آخر زائر في يوم الزيارة يخرج ويفرغ العنبر محتوياته المكتظة كقطار وصل إلى محطة النهاية حتى التفتت مصمص إلى سكينة التفاتة حادة، وقالت بصوتٍ بالغ العلو:

 - بقى اسمعي يا ...

واحتارت قليلًا .. أتقطع العشم والعلاقة والعيش والملح مرةً واحدةً وتقول يا بت يا سكينة، أم تكتفي بنهرها وتقول يا سكينة فقط، فإذا قالت لها يا سكينة فكيف تستطع أن تصبَّ عليها بهذه البداية ما يتفجِّر به صدرها الضخم العالي الأسمر من غضب وضيق، احتارت مصمص .. وكالبندقية صوَّبت عينيها إلى سكينة وكأنَّما لتزيد برؤيتها لها جرأتها وعنف انفجارها .. كانت قد قررت أن تُوقفها عند حدِّها، وأن تنذرها بأنَّها إذا استمرَّت في اقتناص زائرٍ أو أكثر من زوَّارها هكذا، فسوف تمرمط الأرض بزوَّارها. زوار سكينة إذا جاءُوا، والعين بالعين والسِّن بالسن والبادي أظلم.

صوَّبت مصمص عينيها إلى سكينة لتجدها راقدةً في سريرها نصف مُغطاة الجسد تحملق أمامها كمَن يجترُّ ذكرى لحظة سعيدة مرَّت .. وفجأةً اكتشفت مصمص الجهنمية أنَّ تهديدها الذي يكاد يفلت من فمها لا معنى له بالمرَّة. أجل هكذا. في وضمة مفاجئة اكتشفت مصمص أن سكينة لا يأتيها زوَّار ولا يُنتظر أن يأتيها أحدٌ .. وهكذا بعد أن كانت قد استدارت واستدار السرير لاستدارتها وقالت: بقى اسمعي يا ...

وحين التفتت سكينة بدهشةٍ ونوع من الذعر تسأل: نعم يا ست مصمص .. لم تُغِيّر مصمص رقدتها ولا رفعت عينيها عن وجه سكينة .. كل ما في الأمر أن صوتها انخفض فجأةٌ حتى كاد لا يُسمع.

وقالت: لا .. ولا حاجة .. ده كانت كلمة كدة وعدت!

قالت هذا وهي ترمق الفتاة بعينين مشتتتين فوق وجهها. يكاد يطفر منهما الدمع .. وظلّت مثبِّتةُ عينيها فوق وجه سكينة، لا ترفعهما، وكأنّها تراها لأول مرة .. رفيعة نحيلة مقطوعة من شجرة!

 

 

تــــــــــــــــــــمّــــــــــــــــــــــــــــــــت

google-playkhamsatmostaqltradent