الزوّار (1)
ما كاد آخرُهم يَخرج، ويفرغ العنبر محتوياته
المكتظة كالقطار المزدحم حين يصل إلى محطة النهاية، حتى التفتت «مصمص» (وهو ليس
اسم دلع ولكنه اسمها الحقيقي) إلى سكينة التفاتة حادة، وقالت بصوت عالٍ: بقى اسمعي
يا ...
واحتارت قليلًا هل تقول لها يا بت يا سكينة،
أم سكينة فقط .. وسكينة كان اسمها سكينة وهي سكينة فعلًا. وهو اسم قد يبدو
ريفيًّا، ولكنّها لم تكن ريفية النشأة أو الملامح. كانت من مدينة ما، واحدة من
عشرات مدننا أنصاف الكبيرة، مؤدَّبة جدًّا، خجولة جدًّا ورقيقة أيضًا. وكانت تحتل
السرير المجاور لمصمص المرأة الضخمة الكبيرة الصدر والثديين التي يميل لونها إلى
السمرة، ودائمًا ترتدي قميص نومٍ أبيض.
والسريران كانا في عنبرٍ واحد من العنابر
الكبيرة التي تحفل بها مستشفياتنا العامة والمركزية والجامعية والصدرية، العنبر
المعهود ذو الاثنين والعشرين سريرًا .. عنبر الحريم، يُسمُّونه .. له تومرجية
سليطة اللسان ومنفوخة الجسد مكوَّرة كالبطة. وتومرجي أعمش مفروض أن لا يدخل العنبر
وأن يَقتصر عمله على المطبخ ودورة المياه، ولكن أحدًا لم يُعلن يومًا هذا المفروض
وأحدًا لم ينفذه.
وكانت سكينة الضعيفة الرقيقة الحنونة تحسُّ
إذا أطلْتَ النظر إليها أو عمَّقته أنَّ هناك فعلًا أناسًا ضعفاء محتاجين إلى
الشفقة، كانت مريضةً بمرض مزمن، ولها في المستشفى ثلاثة أشهر، وأمنيتها الكبرى أن
تغادره وتخرج، ولكنَّهم لا يُخرِجُونها ولا يُصرِّحون لها بالخروج، ولا يفعلون هذا
بعنفٍ أو بحزم كما قد يَعتقد البعض، إنّهم يفعلونه بأنصاف الابتسامات أحيانًا وبهز
الرءوس والطبطبة أحيانًا أخرى .. وأحيانًا بمجرد القول: حالًا
.. إن شاء اللّٰه تخرجي .. أمَّا سبب بقائها أو إبقائها فهو أنَّ
مرضها من نوعٍ غريب يحلو للأستاذ أن يُحاضِر طلبته وأطباءه الصغار عليه .. وأن
يُريه لزملائه الكبار، كما لو كان يريهم قطعةً نادرة ضمن مجموعة أصداف أو طوابع
بريد يقتنيها.
وسكينة لم تكن مقطوعةً من شجرة .. كان لها
إخوة. في الحقيقة أخ واحد غير شقيق وأختان. وكان لها خالات وعمات وقريبات كأيِّ
إنسان منا وكل إنسانٍ. ولكن رغم هذا كله فلم يكن لها زوَّار بالمرة. طوال الأشهر
الثلاثة التي مكثتهم بالمستشفى لم يَزُرها أحد .. من يوم
أن أتى بها أخوها وأودعها العنبر لم ترَ وجهَه. تلك حقيقةٌ تعرفها هي .. ويعرفها
حتى الجميع، التومرجية السليطة اللسان تعرفها .. وقد تكون مشكلة الخروج تلحّ على
سكينة في أحيانٍ كشيء لا بدَّ منه ولا بدَّ من حدوثه ولا بدَّ أن تُكلَّم الطبيب
الكبير بشأنه، ولكن مشكلتها الأكثر حدةً في الواقع أن يزورها أحد .. أن تُغمض
عينيها وتفتحهما فتجد يدًا تُوقظها من النوم أو الغفوة وتقول لها: قومي يا سكينة
.. جالك زوَّار.
طوال أيام الجُمع والاثنين، والحقيقة طوال
أيام الأسبوع، يفد العشرات والمئات والآلاف على المستشفى ويوزَّعون على عنابره ثم
على أسرَّته، وقد يخص كل سرير زائر أو خمسة أو عشرة .. ما عدا سريرها هي، لم يكن
يُهوِّب ناحيته أحد، أو للدقة كان زوَّار جارتها صمص يتخذون سريرها كأريكة يجلسون
عليها، وهي من خجلها لا تعترض أو تأتي بحركة تسبب حرجًا لأحد، كانت تُغادر الفراش
نهائيًّا وتذهب تتمشى في الطرقة أو تخرج إلى شرفة العنبر القَذِرة هناك، حيث
تُتّخذ مستودعًا لأكوام الزبالة وقشر البرتقال والموز واليوسفندي الآتي لا بدَّ مع
كل زيارة.
وهناك .. في تمشيها هذا، كانت سكينة تحزن
وتنقبض وتحسُّ أنَّها مظلومة، وأن لا بد ثمة خطأ في الكون جعلها تبقى بغير زوَّار
.. إنّ أخاها باستطاعته أن يُخطئ مرة ويزورها، وكم زارتْ هي أخوتها وبنات خالاتها
وكان واجبهم في هذه الحالة أن يردُّوا الزيارة. ماذا حدث حتى جمد قلوبهم، وقساها؟
ماذا حدث حتى نسيها الجميع هكذا، ونسوا أنّها في مستشفى! ماذا حدث حتى تنقطع صلتها
هكذا بعائلتها وأقربائها وحتى صديقاتها وبالدنيا كلها؟ لم تكن تدري، حتى مجرد
إرسال خطاب، ما أرسل لها أحد خطابًا أو بعثَ بسلامٍ!
إحساسُ لم يكنّ يشاركها فيه أحد .. كانت أعمق
أعماق قلبها هي التي تَكتئب وتحزن فقط .. أمَّا كل ما على السطح من وجه وملامح فقد
كان يلتف دائمًا بابتسامة لا فرق بينها وبين مئزر الصوف الذي تتلفع به.
وطالت المدة ثلاثة أشهر .. وأربعة وخمسة،
والمرضى يتغيَّر معظمهم حتى لم يبقَ من القدامى سوى جارتها مصمص، والوضع على ما هو
عليه، وضع عجيب غريب. فهي صحيح ضيقة بالمستشفى والبقاء فيه، تريد بشقُّ النفس أن
تخرج وتغادره. ولكنَّها في نفس الوقت، وإذا ما سألت نفسها لا تَعرف أبدًا لَمن
وإلى أين تذهب وماذا بالضبط ستفعل .. لقد كانت قبل دخولها
تحيا مع أخيها تخدمه، في انتظار أن يتزوَّج هو، أو يأتيها هي عريس، ولكنّها مرضت
وكانت تقضي الليل كله تنهج وتكح حتى ضاق بها الأخ وانتهزَ أول فرصة أدخلها
المستشفى، ربما كي لا تُعالج بقدر ما يتخلَّص منها ومن حشرجات أنفاسها. بل إنّها
سمعت أنَّه بعد دخولها المستشفى تزوَّج وعزَّل من البيت .. وشقيقاتها كلهنَّ
متزوجاتٌ، وهي ليست جميلةً حتى يُرحِّب بها زوج أيِّ أخت، بل لقد ذبلت وكبرت حتّى
على الزواج، فإلى مَن تذهب وإلى أين؟
وضعٌ عجيب غريب، فهي ضيقة بالمستشفى ضيقًا لا
حدَّ له، ومستسلمة لهذا الضيق والحياة في المستشفى استسلامًا لا حدَّ له أيضًا،
كالسجين الذي يتوق إلى الخروج من السجن إلى الحياة والحرية، ولكنَّه حين يجد أنَّه
إذا خرج فلن يعرف ماذا ولا كيف يفعل بحريته تلك، يستسلم للسجن. يضيق به ويستسلم له
ويكاد يُجنُّ بين الضغطين.
ولم تأتِ المسألة فجأةً .. بل وإلى الآن لم
تفكر فيها سكينة تفكيرًا جديًّا أو تدبَّرت ما نعلت، ولكنّها هكذا جاءت .. مصمص
كانت زوجة أحد المعلمين الكبار الذين لا يقل عدد أقربائهم وأنسبائهم وأولادهم
ونسائهم وبناتهم عن المئات بأي حال من الأحوال، ولهذا كان لا يمر يوم دون أن يزور
مصمص لا أقل من خمسة أو ستّة زوَّار.
