خبر
أخبار ملهلبة

ابن موت


صورة شخصية للدكتور نور الدين عباس

ابن موت

 

 

منذ أيّامٍ قليلةٍ تُوفيَ إلى رحمة الله تعالي زميلنا في العمل (بمركز القدس الطبّي) الدكتور / "نور الدين عبّاس" قبل أن يُكمِل السابعة والعشرين عاماً من عمره وهو نائمٌ في سلامٍ على فراشه .. أرجو منكم قراءة الفاتحة على روحه الطاهرة والتضرُّع لرب العالمين كي يتغمّده بالرحمة والمغفرة والدعاء لوالدته وأشقائه وأهله وأحبابه بالصبر والسلوان.

وقد استرعى اهتمامي إجماع كل مَن عرفه على وصفه بأنه "ابن موت"؛ حيث كان المغفور له – بإذن الله – مثالاً للأخلاق الطيّبة والتديُّن والمحبّة والتواضُع والمروءة والكرم والعطاء والبِر والتفاني في خدمة المرضى والبُعد عن الصفات الدنيويّة الكريهة كالحسد والنميمة والأنانيّة وحُب المال والإغراق في الانشغال بالدُنيا.

لماذا نمدحه بأن ننسِبه للموْت وقد كان – رحمه الله – مُحبّاً للحياة مُفعَماً بالحيويّة حالماً بالأماني والآمال التي تملأ عقل وقلب كل شابٍّ مثله؟:

  • هل لأنه نجح في اختبار الدُنيا مُبكِّراً وأنهى مهمّته سريعاً فكافأه الله بالبُعد عن شرور الدنيا التي كانت ستقابله قُدُماً فأشفق عليه – سُبحانه – من معاناتها واختباراتها الصعبة؟
  • هل لأنه امتلك قلباً رقيقاً وتمتّع بصفاتٍ أسمى من صفات الدنيا فكان حريّاً بهذه الدنيا أن ترفض أن يعيش عليها لأنه – بتلك الصفات اليافعة – أصبح لا ينتمي لها بل صار أقرب للموْت عن الحياة؟
  • هل لأنه امتلك من الشفافية الشديدة ما وضعه على حافة الانتظار طوال سنين عُمره القصير حتى يُلبّي نداء أبيه الذي سبقه للموْت – عندما كان صبيّاً – فسارع إليه للقائه ومؤانسته على الجانب الآخر؟

لقد قال المصريّون قديماً في أمثالهم: "ابن الموت فالِح"، وأظنه مثلاً سديداً، لأن المُتوفّى ينتقل بموْته إلى نعيمٍ أخرويٍ يبدأ في قبره، فيُفسح له فيه مدَّ بصره، ويصير في روْضةٍ من رياض الجنّة، فيكون بموْته قد استراح من شقاء الدُنيا وعنائها وسوء عِشرة أهلها فيكون من الفائزين والفالحين بإذن الله.

أن الموْتَ فاصلٌ قصيرٌ بين حياتيْن: أولاهما: هذه الحياة الدنيا القصيرة، وثانيهما: حياةٌ على ما ينبغي أن تكون عليه الحياة؛ حياةٌ كاملةٌ حقيقيّةٌ فيها نعيمٌ خالص وتلاقٍ وأُنسٌ صافٍ مع الأحباب، وأكبرُ وأهمُّ شيء في تلك الحياة في نظري: هو دوامها وبقاؤها على حالها بلا زوالٍ أو أفولٍ أو انتهاء.

إن الله – عز وجل – لم يخلقْنا عبثاً، ولم يظلمنا إذ جعَلَنا في هذه الدنيا الزائلة الجائرة؛ إنما خَلقَنا لحياةٍ أزليّةٍ سرمديّة، لا موْتٌ يُعكِّرها، ولا انقطاعٌ يُكدِّرها، وإن حياتنا الدُنيا هذه ما هي إلا مرحلةٌ في سبيل الوصول إلى الحياة الأبديّة، فلا يضُر أن تكون طويلةً أو قصيرة، أو ناعمةً أو بائسة؛ فالعيْش الحقيقي أمامنا في دار الخلود، والخيْر والنعيم في انتظار مَن كانت أياديه بالخير ممتدةً إلى الناس، بعد إيمانه بالحقيقة الكبرى التي لأجلها خُلق هذا الكونُ، وما فيه، ومَن فيه وهي: "لا إله إلا الله".

قبل شهورٍ؛ عصفت به أكثر من أزمةٍ صحيّة احتسب وصبر خلالها "د/ نور" على الكثير من الآلام والعذاب وكأن الله أراد أن يُعطيه فُرصةً تِلو الأُخرى لمحو ذنوبه القليلة في الدنيا قبل أن يُقابل وجهَه الكريم؛ مِصداقاً لرسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) عندما قال: "ما يُصيب المسلم من نَصَبٍ (تعبٍ) ولا وَصَب (وجع وألم)، ولا هَمٍّ ولا حُزن، ولا أذىً ولا غَمّ، حتّى الشّوْكةِ يُشاكُها، إلّا كفَّر الله بها من خطاياه"، وعندما قال أيضاً: "إذا مرِضَ العبد، بعث الله تعالى إليه مَلَكَيْنِ، فقال: انظرا ماذا يقول لعُوَّاده (لزائريه)؟ فإن هو – إذا جاؤوه – حمِدَ الله وأثنى عليه، رفعا ذلك إلى الله عز وجل – وهو أعلم – فيقول: لعبدي عليَّ إن أنا توفيْتُه أن أُدخِله الجنة، وإن أنا شفيْتُهُ أن أُبدل له لحماً خيْراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، وأن أُكفِّرَ عنه سيْئاته" .. صدق رسول الله.

كنتُ أحلُم – يا بُني – أن أكون مدعوّاً لفرحك في يوْمٍ من الأيّام، ولكني لم أكُن أتخيّل أن تُفاجأني سريعاً بحضوري لجنازتك المهيبة التي أرجو أن تكون – إن شاء الله – فرحاً حقيقيّاً عند لقاء ربّك العفو الرؤوف، فقد بدّل الله ما كنتُ أرجوه لك في الدُنيا بمصيرٍ أفضل كثيراً في الآخرة، وكما قال الشاعر "ابن الرومي" في رثاء ابنه: 

ولكنَّ ربِّي شاءَ غيرَ مشيئتي ... وللرَّبِّ إمْضَاءُ المشيئةِ لا العَبْدِ

عليك سلامُ الله مني تحيةً ...  ومنْ كلِّ غيْثٍ صادِقِ البرْقِ والرَّعْدِ.

اللهم إن عبدك "نور الدين" في ذِمّتك وحبل جوارك، فَقِهِ من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له وارحمه، فإنك أنت الغفور الرحيم.

google-playkhamsatmostaqltradent