خبر
أخبار ملهلبة

لقد هَرِمنا.. إرحمونا بقي (3) | فضائح مصر المهروسة لابن النكدي


أطفال صغار يعيشون مع أهلهم في المدافن يتقافزون ويلعبون فوق المقابر

لقد هَرِمنا.. إرحمونا بقي  (3)

 

 

وحمل "ضاحي" مرتّبه الضئيل ووضعه بحرص داخل محفظته التي ربطها بحبلٍ رفيع حول خصره كي لا تُنشَل منه كما حدث منذ بضعة أشهر، وركب الرجل العجوز حافلةً أخرى متوجّهاً لمستشفى التأمين الصحّي الذي يتبعه، وهناك وقف طابوراً آخر لصرف نصيبه من العلاج الشهري الذي يتناوله لمداواة أمراض السكّر والضغط والقلب وبعض أمراض الشيخوخة الأخرى ولكن الصيدلي المسؤول نظر مليّاً في دفتر التأمين الصحّي الخاص بعم "ضاحي" وقال :

- إيه ده يا حاج.. الإمضا بتاعة الأخصّائي مش واضحة.. روح له خلّيه يمضيها لك بوضوح.

- أيوه يا بني ما انت قلت لي كده الشهر اللي فات ومضيتها لك تاني من الطبيب الممارس.

- صدرت لنا تعليمات يا حاج بعدم الاعتداد بإمضا الممارس.

- ليه؟.. هوَّ مش دكتور وتبعكم برضه؟

- واللهِ الكلام ده تقوله لوزير الصحّة.. أنا هنا عبدٌ مأمور.

- خلاص.. خلّيك فاكرني بقى.. ح امضي الدفتر م الأخصّائي وارجع لك حالاً.

- بكره بقى ياحاج وعليك خير علشان ح اقفل الصيْدليّة ده الوقت.. الساعة بقت إتناشر.. وكمان مش ح تلاقي الأخصّائي.. زمانه خلّص حالاته ومشي.

- لا حول ولا قوّة إلّا بالله.. يعني ح اطخ المشوار ده تاني واقف طابور تاني بكره؟

- أومّال يعني ح اطلّع لك أمّي من تربتها تقف مكانك ف الطابور!

- لأ العفو يا باشا.

وآب عم "ضاحي" إلى قريته سالماً ولكنه كان في أشد حالات التعب للدرجة التي منعته حتّى من النظر بعتاب إلى الأطفال الذين أبوا إلّا أن يواكبوه بزفّتهم المعهودة إلى أن وصل منزله محاولاً أن يتجاهلهم وأن يتفادى ما يُقذَف عليه من طوب.

أخيراً استلقى "ضاحي" على سريره دون أن يبدّل ملابسه بالجلباب المنزلي الذي أحضرته له زوْجته، وطلب منها أن تتركه نائماً ليستريح على أن توقظه قبل المغرب كي يلحق بصلاة العصر قبل أن تنقضي، ولكنّه بعد فترة أفاق من نوْمه على صوت صريخٍ حاد ونواحٍ عالِ فوجد زوْجته تقف بجانبه وهي تزدرد ريقها الجاف وتبتسم ابتسامة النجاة قائلةً :

- الحمد لله.. انت بخير يا سي "ضاحي".

- إيه الصوات ده؟

- ده انا يا خويا.. أصلي عمّالة اصحّي فيك وانت ما بتصحاش.. قلت يبقى بعد الشر السر الإلهي طلع.

- يا وليّة انتي بتفوّلي عليّ ف وشّي.. أنا ناقصِك.. مش كفاية الواحد منّنا بقى له ييجي عشرين سنة ف رعب مستنّي اللحظة اللي ح يموت فيها.. ده انا باخاف أنام أحسن ما اقومش.. غوري اعملي لي حاجة اتسمّمها عقبال ما اتوضا واصلّي العصر.. وهاتي لي معاكي كوبّاية الضبّة من ع الحوض بتاع المطبخ.

- حاضر.. ح اسخّن لك السبانخ البايتة وابل لك شويّة عيش.. عايز حاجة تاني؟

- آه.. حطّي لي حبّة عسل وطحينة احلّي بيهم.

- أعمل لك شاي معايا.

- لأ.. ح اشربه لمّا اروح القهوة.

- ما ينفعش يا خويا تاخدني معاك القهوة بدل ما انا باقعد بالليل لوحدي زي قرد قَطَع كده.

- يا وليّه ما انتي بتروحي "لام فتحي" أو هيّ بتيجي لِك وتقعدوا تتفرّجوا ع التمثيليّات ف التليفزيون وتعيّطوا للصبح.. سيبيني بقى أفك عن نفسي شويّة.. وليكي عليّ يا ستّي أبقى ارجع بدري.

- طيّب.. ربّنا يخلّيك ليّ يا خويا وما يحرمنيش من دخلتك عليّ.

ومضت الأيّام تترى على هذيْن الزوْجين المسنّيْن بنفس الوتيرة والروتين ولكنها أبت إلّا أن تنغّص عليهما عيشتهما في آخر عمرهما الطويل ففي يوْمٍ من هذه الأيّام جاء مندوبٌ من القسم الهندسي بالوحدة المحليّة بالقرية لإبلاغ سكّان العقار ذو الثلاثة أدوار بإخلائه فوْراً لأنه آيلٌ للسقوط وتتحتّم إزالته تماماً حسب التقرير الفنّي للمهندس الاستشاري للوحدة، ورغم صلاحية المبنى المؤكّدة فقد صدر هذا التقرير الملفّق بعد أن أغرى صاحب العقار الطمّاع مهندس الوحدة الفاسد برشوةٍ هائلة لهدم العمارة المكوّنة من ثلاثة طوابق وبناء أخرى من عشرة أدوارٍ ليدر ذلك عليه الكثير من المال ، ولأن العقار كان قاصراً على سكن عم "ضاحي" وزوْجته فقط بالدور الثالث - بعد أن هاجر سكان الطابق الأوّل خارج البلاد إلى غير رجعة وتوفي آخر فرد من الأسرة التي كانت تقطن الدور الثاني - فقد رأى مالك العقار أن "ضاحي" هو العقبة الكؤود التي تقف في طريق تحقيق مشروعه المربح وأن عليه أن يزيلها من طريقه خاصةً بعد أن تجاهل "ضاحي" وزوْجته الأمر بالإخلاء وظلّوا في سكنهم بعد أن قدّموا تظلّماً للقسم الهندسي المركزي بمحافظة "الغربيّة" لإلغاء قرار الإخلاء والإزالة لسلامة المبنى وخلوّه من أية عيوبٍ إنشائيّة، ولم يضيّع المالك وقتاً بل انتهز الإجراءات المطوّلة لتشكيل لجنة هندسيّة من المحافظة لندبها في معاينة العقار وبعث الرجل الجشع عمّالاً استأجرهم ليقتحموا الدور الأوّل الخالي من السكّان ويخرّبوا بالأعمدة التي يرتكن و يرتكز عليها المبنى ليصبح غير آمن للسُكْنى فتقر اللجنة الهندسيّة إزالته، ورغم لجوء "ضاحي" لجيرانه من العمارات المجاورة لمنع العمّال من تقويض وتهديم أساس العمارة إلّا أنهم صدّوا عنه ولم يتدخّلوا لخوْفهم من صاحب العمارة المعروف بجبروته وبلطجته وآثروا السلامة مثلما اعتاد أن يفعل قديماً "جحا" المصري الذي كان يعزف عن المشاركة الإيجابيّة لدفع الظلم وردع الظالمين طالما كان هذا الظلم بعيداً عن... نفسه، وكذلك امتنعت الجهات الرسميّة (الشرطة والمجلس المحلّي) عن التدخّل بين الطرفين وأعلنت وقوفها على الحياد باعتبارها ليست طرفاً في النزاع بعد أن شرح مالك العمارة للعاملين بهذه الجهات وجهة نظرة المدعومة بحفنة آلافٍ من الجنيهات على سبيل الإقناع.

وهكذا لم يجد العجوزان من يغيثهما كما لم يجدا مكاناً آخر يأويهما فظلّا في مكانهما يدعوان ربّهما أن يريحهما ولا يعرّضهما للمعاناة والتشرّد في آخر أيّامهما ؛ فاستجاب الله لدعائهما بأن قدّر وشاء أن تنهدم العمارة فوْق رأسيْهما ذات صباحٍ من أثر التخريب المتعمّد فانتقلت روحاهما المتحرّرتان إلى رحابه تعالى أمّا جسداهما المنهكان من أثر جوْر أحفاد "جحا" المصري فقد تم استخراجهما من تحت الأنقاض ونقلهما إلى المشرحة ثم دفنهما بمدافن الصدقة ؛ فوجدا أخيراً مكاناً يجمعهما دون إزعاج.... سوى من بعض الأطفال والصبية الذين كانوا يسكنون مع أهاليهم المقابر والذين كانوا دائماً يستغلّون أفنية المدافن في اللعب واللهو والجري والقفز رافعين عقيرتهم بترديد بعض الأغاني الفولكلوريّة مثل "الفسيخة الميّتة" أو "ح يعيّط ح يموت ح يقلّد الكتكوت"، أو كانوا أحياناً يسارعون بمنتهى البراءة والتلقائيّة - في عجلةٍ منهم – لتلبية إلحاح الطبيعة المتمثّل في قضاء حاجتهم بالتبوّل خلف شواهد القبور أو أبنيتها.

google-playkhamsatmostaqltradent