خبر
أخبار ملهلبة

الجزر والمد | عبد الرحمن الأبنودي | قصيدة عمرها 41 عاماً ولكنها كاشفة في كل زمان

الصفحة الرئيسية



الجَزْر والمَد

 

 

خرج الشِتا وهلّت رَوايح الصيف

والسِجن ده الوقتِ يُردّ الكيف

ما انتيش غريبة يا بلدي .. وما انيش ضيف

 

لو كان يا "مصر" بتفهَمي الأصول

لتوقّفي سير الشموس وتعطّلي الفصول

وتنشّفي النيل ف الضِفاف السود

وتدوّدي العَنقود

وتطرُشي الرِغيف

 

ما عُدتي متمتّعة وانتي ف ناب الغول

بتندُغي الذِلّة وتجتري الخمول

وتئنّي تحت الحُمول

وتزيّفي ف القول

وبأي صورة ما عادش شَكْلِك ظَريف

 

دوس يا دوّاس

ما عليك من باس

واكتِم كُل الأنفاس

الضُهر مليء بالناس

اللي حبّيتهم دون ما يبادلوني الاحساس

وانا عارف إني ما باملكهُمش

لإني ما مضّيتهمش ف الكُرّاس

الناس اللي دَمَغْها الباطِل دَمْغ

اللي بتنضَح كِدب وتِطْفَح صَمْغ

اللي بتحشِّش .. وما بتحسِّش

واللي بتضحَك كُل ما تِنداس

دوس يا دوّاس

 

قُلْت لنفسي وانا آسِف

وانا ياما لنفسي باقول:

هَل ينفعوا دول لنَشيد مَعدول

واضِح ف العَرْض ووافي الطول؟

ف هذا الغيط الموبوء بديدان الهَم

هَل ح تفَتّح مِن تاني أزهار الدم؟

هل من تاني ح ترجّع صورة الشُعلة للبِرواز

والقُمصان تِتعاص ف الجاز

والطَرابيش ح تواجِه الجيش

وتعود تتفسّر كُل الألغاز

ف بَساطة وإعجاز؟

والّا ح تفضَل دَكاكين الدُنيا تسلّمنا كَف لكَف

وتعرِضنا على نَفس الرَف

وترمينا تحت الرجلين ف آخر الصَف؟

 

هَل ينفعوا دول قوّات سنوات الجَمْر؟

ينفعوا ياخدوا أمر ويدّوا أمر؟

هَل دول يرفَعوا راية؟

يوْصَلوا غاية؟

هَل دي نهاية؟

هَل تَصلُح تبقى بداية؟

 

وينِخ العَجْز بزَهَق الناس

أزهَق م الناس

فوحي يا روايح المُدُن اللي بتِرمي الأوْجاع

الاستمتاع بيكي مَشاع

وانتي هابّة من جورنان

أو وَجْهٍ عابِر أو مِذياع

 

والضُهر وسيف الصيف السّاطي

والناس الدود الزاحفين ف الواطي

حارسَاهم بَدْلَة ظُبّاطي

يا هَذا اللون

اللي متشَبّح ف أرجاء الكون

عُروض الأعداء الأندال

وموافقات الحُكّام الدون

بَحر الجُثَث الطافِح

جاي ورايح

بروايح نِتْنة وفَضايح

 

ويعلا ف بَرلماناتنا الموت

أوْسَخ صوت

تتعبّا شعوبنا ف صَفايح

تتحزِّم الأوْطان ف بالات

تندك ف شوالات

تترمي ف مواني المُدُن اللِصّة

وتخطَفها القُطورات

تتباع والعالَم سوق

لا يسمَع للشَعب المَخنوق

لا تِسمَح أصواتُه لأصْوات

قُلْت لُه: قَد ما تبقى حَقير

يحتفِل العالَم بيك

يكسيك

شهادات تقدير

 

جَفِّت الرَقصة الحبيسة

وعادِت الأُمّة التَعيسة

للسُبات

اتقلَب لون الأماكِن

كُلّه ساكِن

والهَدير الحلو مات

 

إبتَسَم صاحبي وقال لي: لسّه نايم؟

إلتَفَت نحو الكباري والميدان

لِسّه ف الأجواء روايح الدُّخان

والحجارَة والقزايز وبواقي المَهرجان

كام وَقَفنا م السِنين؟

تلاتين؟ .. تمانين؟

 

إلتَفَت صاحبي يقول لي: لِسّه نايم؟

قُمْت قايم

واتّجَهْت معاه لحِيث الاتساع:

كوبرى عباس اللي كان

ثُكنات الانجليز آخِر الميدان

الحرايق ف اللواري

الدِّما عَ الأرصفة

والجموع الهادرة زاحفة م الحوار

الغُبار خَلَق الصَفا

"مصر" رَعْد .. نور .. غَضَب .. وتِتْرَهَب

كُل لَحظة تتكَتَب

 

الجامْعة طالعة رايتها ضِلِّتها

هدّارة جباّرة صادقة ف نيّتها

بتّتِجِه يَمّ الوَطَن والموت

و"شُبرا" زاحفة تأكّد التَهديد

وتلَمْلِم التَبديد

وَصَلِت ميدان الفَجْر ف المواعيد

النَهْر والضَفّة

نبَتْ هِلال العيد

ومالِت الكَفّة

وصِحيِت الرَجْفة

"مصر" اللى لا لَحظة ولا صُدْفة

ثَوْرة ف ضَمير النور بتتكوِّن

رايات بدَم البُسطا تتلوِّن

سَدّوا الطَريق كيف المُؤامرة تفوت

فلتَسْقُط الخيانة

والقيادات الجَبانة

ندّاغِة الإهانة

كريهة الريحة .. كريهة الصوت

 

الغَضَب بيوالي إنشاد البَيان

والوجوه الصامدة في وِش الزَمان

والرَحابة ف الصُدور وف الليمان

غابِت الأُسَر الصَغيرة ف الوَطَن

إستَوى ع الأرض وَعْى

صِحْيِت الأُمّة ف هدير السَّعْى

الوَطَن مَفهوم وحِلْو ويتحضَن

 

إلتَفَت صاحبي يقول لي: لِسّه نايم؟

مِش مُظاهرات .. دى حاجات يفهَمها شَعْبَك

إقفل العَقْل القَديم وافهَم بقَلْبَك

رَقْصِة الزار القَديمة الفَرعونيّة

ع الخَصيبة السُنْدُسيّة

لَمّا يجتاحها الأَلَم

لَمّا تُغْمُرها الإهانة والقَدَم

تِسْحَق الإنسان وتِدْهَس القِيَم

 

إبتَسَمْت

رَقْصِة الزار القَديمة

الحَميمة

العَظيمة

لِحَد ما فَكّرناها ثَوْرة

فَرْق بين رَقْصَة وثَوْرة

لا هَيَّ جايّة فوق حُصان

ولا ف لَحظِة زَمان

ح تهِب نابْتة ف الغيطان

ولا رَقْصَة برِجْل حافية

ف مَهْرَجان

دُكْهَه هادية

تيجى هادية

وصوتها دامي

تِعْزِل الكَدّاب وتُقْبُض ع الحَرامي

تِعْرَف الناس مِش كُتَل

تِعْرَف الناس بالوجوه وبالأسامي

تيجي فاتحة القَبْر

نادغة الصَبْر

قابضة الجَمْر

تُنْصُب محاكِم الشعوب ف كُل قَصْر

تغيّر العَصْر

إلى آخِر الصَفَحات ف سِفْر الثَوْرة

 

إبتسَم صاحبي وقال لي: حاذر م الارتِفاع

سيبَك م الاندِفاع

حُفَر حكومتَك وِساع

إبتَسَمْت

جَفِّت الرَقْصَة الحَبيسة

عادِت الأُمّة التَعيسة

إختَفى كُل اللي كان

إختفَى كُل البَشَر

واختفى كُل المَكان

تَحْت سَنوَات الهَوان

 

وح اقول لَك إيه ..

هَمَس الصوت للصوت

ف البَرلَمانات الموت:

قال لُه: أزكُمها بريحتها

إوعى تِمَسِّكها صِحّتها

أو تِدّيها راحتها

إحقِنها بحِلْم

لَوْ اتحقّق .. إحنا اللي نموت

حِلْم الأفيون الوَهْم

اللي بِلا شَحْم ولَحْم

كَلِّمها عن أموال جايّة

وبنوك وبيوت

وصَحاري خَضْرا

وازْرَع شَجَرَة تِطْلَع ف الكاميرا

وقَبل ما تِمشي .. تموت

واتصَوَّر ماسِك بيضة

أو بتبوس بَقَرة أو تِصطاد حوت

واقفِل بابَك .. إحذَر حَد يفوت

إنسان هذا العَصْر يا ابنى خَوّان

لا يطيعَك إلا ان كان عِريان

وجعان

حاذِر يشبَع

إجْبَن قُدّامُه

كون قُدوته ف الجُبْن

إركَع قُدّام أعداءَك

يتعَلّم يركَع

عَلّمه يفزَع لَمّا ينخِفِض الدولار

زَىْ ما إنت بتفزَع

إنسان هَذا العَصْر يا ابني

شَرِه .. وحَقود

وجَحود

زَيّن لُه حَياة الدود

هَذا زَمانَك ومَكانَك

بالصُدْفة وبَعد عَناء مُهلِك

إنفَتَح الباب المَسْدود

خَلْف بلاهِة القُطْعان .. عِنْد

المَصريين هُمَّ اللي اختَرَعوا الحِقْد

خَلِّي الكُتْلَة عَجين

واطفي سِراج فَرْعون

إسْرَق

واستبدِل سَرِقاتَك بديون

خَلّي التَهريب إنجاز وَطَني

وكَرّمُه عَلَني

إرفِد كُل الشُرفاء وابقَى الأَشْرَف

إرْخي وشِد

لَكِن انشَف

مُمْكِن يعْمِلها خَروف أعجَف

 

والدُنيا ساعِتها ما تِعْرَفْشي

طالعة عَلينا من فين

فَجْأة يشوفوا خيانتَك

فَجْأة يكتِشفوا المَوْضوع

فَجْأة يحِسّوا الجوع

فَجْأة يصبَح خَرَس الأخْرَس مَسْموع

ويضيع صوتَك ف المَجْموع

وتُقَع ف الظَرْف ايّاه

شُفْت الشاه؟

 

هَذا زَمَنَك

ودَه أوّل مَرّة وآخِر مَرّة

ح يبقى وَطَنَك

إسْرِع .. إسْرِع قَبل الزَحْف المَجْنون

الشَعب المَصرى لَئيم جِدّاً

وما هوش مَضْمون

 

آهين يا رَفاقى

لَوْ كُنت اعْرَف أرجَّع البَكَرَة

واجيب بُكْرَة

أرسَي ف مَواني الحِلْم

مِن غير عِلْم

مِن غِير عَذاب .. ولا تَضْحِيات

ولا سُجون .. ولا دَم

واشوف نهاية الفيلم

الفيلم تافِه .. سَخيف

بَطَلُه المفَتّح كَفيف

شَريفُه هوَّ المُطارَد

ولِصُّه هوَّ الشَريف

 

ياما بَليدَة يا خَطْوِة التَوَاريخ

فَقيرِة الصورَة

وباهْظِة التَكاليف

تِتْعِسْني فِكْرِة إني ح اموت

قَبل ما اشوف - لَوْ حَتّى دِقيقة -

رجوع الدَّم لكُل حَقيقة

وموت الموت

قَبل ما تِصحى كُل الكُتُب اللي قَريت

والمُدُن اللي ف أحلامى رَأيت

والأحلام اللي بَنيت

والشُهَدا اللي هويت

والجيل اللي هَداني

والجيل اللي هَديت

قَبل ما املِّس ع الآتي

وادفِن كُل بَشاعِة الماضي ف بيت

ح اقولها بالمَكشوف:

خايف اموت مِن غير ما اشوف

تَغيُّر الظُروف

تَغيُّر الوشوش وتَغيُّر الصُّنوف

والمَحدوفين وَرا متبسِّمين ف أوِّل الصُفوف

خايف اموت وتموت مَعايا الفِكْرَة

لا ينتصِر كُل اللي حَبّيتُه

ولا يتهزِم كُل اللي كُنت اكْرَه

إتخيّلوا الحَسْرَة ..

إتخيّلوا الحَسْرَة!

 

يا كلاب الدَرْب السَعرانة

ما انتيش م الدَرب

ولا ربِّك نَفْس الرَب

يا دي المَماليك التُرْك الجَرْكَس

يا لابدين

وَرا كُل نَواصي التَواريخ

بوْدان مِن طين وعَجين

قابضين بإيديكوا العاج

وبصوابعكوا الصُفرين

عَلى كُل الوِزارات والإمارات

والإدارات .. والمَهارات

والجِنيهات .. والدولارات

والعِمارات .. والفَدادين

عَشَرات ومِئات السَنَوات

تتسَلّطوا ع الشَعْب المِسكين

 

الأجنبي ساكِنْ الدَّم يا مَصريّين

سَرَقوا السُّمرة مِن كُل جِباه الفَلّاحين

وعاصوا هدومهُم طين

وبكُل مَهارة مداريّين ناب الكَلْب

يا .... رب

ضاقت بيَّ الأشْعار

وحيطان الدار

كُل الأشياء حَوَاليَّ بتِهْزِمْني

حَتّى رَفاقي اللي بادّعي إني مِنْهُم

واللي بيّدعوا إنهم مِنّي

كُلّه حواليَّ بيهْزِمْني

لَكِنّي تَنّي باغَنّي

مِش مَهزوم الصوت

وما دَبِّش ولا ح يدِبِّش فيَّ الموت

الموت مِش مُمْكِن ح يجيني

غصبٍ عَنّي

 

ومَهْما عَيَّروني بكُل ذَلِك

حَقيقِة الأَمْر ف الآخِر تفوح

ما انيش ساكِن يا سيدي ف "الزَمالِك"

أنا ساكِن خَرابة ع السُطوح

وعمارة "صِدقي باشا" ف ضَهْري

فاهمين إيه مَعْنى عمارة "صِدقي" ف ضَهْري؟

مَعْنى إن عمارة "صدقي"

ف نفس الميْدان

بتطُّل عَلى النيل القاسيان

وعَلى الشاعِر ابن النيل الغَلْبان

اللي بيحْلَم يفتَح للفَجْر بيبان

ويقيد للفَجْر نيران

ويقْرا للفَجْر بَيان

وعمارة "صِدقي" لِسّه عَظيمِة الشان

ما زالِت تِحْمِل نَفْس الاسم

ونَفْس الهيبة

غابِت ف غُبار الثَوْرَة يومين

لَكِن رِجْعِت م الغيبة

تِنْظُر لي: ياجَرْبوع السُكّان

يا ابن الكَفْر الحافي العِريان

تِسْخَر مِن كُل الصِدق ف "صدقي"

وكُل الخيبة

فات التاريخ .. ولَف لَفّاتُه

لا "صِدقي" مات ولا ابتِساماتُه

المَصبوغين بدَم مَن ماتوا

ما ماتوا غير الرِجال اللي جَمَعْهُم هِتاف

وقَلْب لَمْ خاف

ووَطَن يقَرْقَش لُقْمَة سٌودا حاف

تاواهُم النيل المُريب الصَمْت

وبَلَع حِكايتهُم مُرور الوَقت

والسِجن وسنين الجَفاف

تِعبان مُخيف النيل

والجُحْر الضِفاف

م "الجيزة" عَدّى النيل

وفات ف "الزَمالِك"

والليل مُريب حالِك

وطَل "صِدقي" م العِمارة الصَفْرا

سَكْران بِلا خَمْرة

وميّة النيل حَمْرا لون الدَّم

حَمْرا لِحَد الوّقْت

ما زِلْت اشوفها كُل ما طَلّيت

مِن فوق سُطوح البيت

وكام ذَليل يا نيل وصُبْحَك عِشا

وكام بَليد الحِس يا مَلْطَشة

لَزْق القَفا ورَكْل الِجَزم أَدْمَنْت

طاطيت واسْتَسْلِمْت

للحاكِم الصُّدْفة

الحاكِم الجيفة

أبو سِحْنة مُخيفة

.. وخايفة

الحاكِم المُنْهار

الساكِن الأَسْوار

الحاكِم المَحروس

بألف ألف جاسوس

الحاكِم اللي صوتُه عَوْرة وعار

مَأساتنا: إن الَخَونة بيموتوا

بدون عقاب ولا قَصاص

مأساتنا: إن الخَوَنة بيموتوا وخَلاص

بدون مَشانِق ف الساحات

ولا رُصاص

 

عَلى كُل حال

"صِدقي" ما زال

"صِدقي" عَلى قيد الحياة

بيفَجّر الدَّم النَبيل

ويبطِش بالاستِقلال

ويمرّغ الجِباه

تَحْت الجِزَم والخيل

ويفتَح الكوبرى عَلينا

كُل صُبح وليل

والانجليز ما زالوا بيقَهْقَهوا

ويضرَبوا .. ويسجِنوا الشَباب

عَلى كوبري "عَبّاس" والميدان

ومَجْلِسين الشورى والنوّاب

وصَحيح معاكم إن شَعْبِنا غافي

لَكِنّه ما زال حافي

وكُل ما بَلَدُه ِاتْخَرَب

وكُل ما وَطَنُه اتْنَهَب

وكُل ما عَرَق السنين

اتفَك واتباع واتسَلَب

وكُل ما تاهِت الحَقيقة

تَحْت أَطْنان الأكاذيب ف الخُطَب

أظُن دَه كافي لشَحْنُه بالغَضَب

وأكيد بيكتِشِف السَبَب

وأكيد .. أكيد ف كُل يوم

بيتوَلَد ـ ف السر ـ مِن جِديد

ويِحن للمَوَاعيد

ومِش بعيد

بُكْرَة تلاقيه تاني ف "أسوان" الصِعيد

ف "اسكندرية" و"بورسعيد"

وف "السويس" وف "طنطا" و"المنصورة"

بيقَطّع الصورة

يهتف للاستِقلال وللحُريّة

ويحرَق الثُّكنات الانجليزيّة

ف ميدان "الاسماعيليّة

 

الدَّم يرسِم ع البَدَن

خَريطِة الوَطَن

ويَحّرر الزَمَن

م الخيانة والعِمالة والعَفَن

ويحبِط المؤامرة

مؤامرة "صِدقي ـ بيفن"

 

 

عبد الرحمن الأبنودي

google-playkhamsatmostaqltradent