خبر
أخبار ساخنة

سكتنا له .. دخل بحماره | معنى وأصل وقصة أمثال شعبية (8)

ابن أبي صادق
الصفحة الرئيسية

رجل يركب على حمار ويدخل على مجلس فلاحين منعقد في مقهى شعبي وأحدهم يقول له: "سكتنا له دخل بحماره"

سكتنا له .. دخل بحماره



معنى ومناسبة المثل:

يُضرب هذاالمثل الشعبي المصري عندما يتجاوز شخصٌ ما حدودَه، ويتمادى في تصرفاته غير المقبولة، مستغلًّا تسامح الآخرين وصمتهم عن أخطائه السابقة، أو يتعشَّم فيهم لدرجةٍ مبالَغٍ فيها.

فالمثل يُعبِّر عن حالة تبدأ بالتغاضي عن تصرُّفٍ بسيط أو تجاوُزٍ محدود، ظنّاً بأن الأمر لا يستحق الخلاف أو المواجهة، ثم يفهم الطرف الآخر هذا الصمت على أنه ضعفٌ أو عجزٌ عن الاعتراض، فيتمادى في تجاوزاته ويرفع سقف توقُّعاته في الآخرين حتى يصل به الأمر إلى ما لم يكُن أحد يتصوَّر قبوله.

أمّا الحمار في المثل فهو رمزٌ للمبالغة في التعدّي واقتحام المساحة التي لا يحق للمرء اقتحامها؛ فكأن صاحبَنا لم يكتفِ بالدخول بل أدخلَ حمارَه معه أيضاً!

ويُستخدَم هذا المَثَل في مواقفَ كثيرةٍ منها:

  • عندما يتسامحُ الإنسان مع إساءةٍ مُتكرِّرة فيتمادى المُسيء في إساءته.

  • عندما يُسمَح لأحد الأشخاص بمُخالفة القواعد دون اعتراض، فيبدأ هذا الشخص في تجاوُز صلاحيّاته وحدوده.

  • عندما يتنازل شخصٌ عن بعض حقوقه تجنُّباً للمُشكلات متغاضياً عنها فيطمع الآخرون في المزيد.

  • عندما يتدخَّل أحدُهم في شؤون غيْره ثم يتحوَّل تدخُّله إلى فرض السيْطرة وإملاء الأوامر إذا ما سكتَ له الغيْر.

وخُلاصة المعنى: إن التسامح إذا تجاوزَ حُدودَه ولم تصحبْهُ حدودٌ واضحة فقد يتحوَّلُ في نظر بعض الناس إلى دعوةٍ مفتوحةٍ للتمادي.

جنسيّة المثل وأصل منشأه:

المثل مصري الجنسية، وهوَ من الأمثال العاميّة المصريّة القديمة التي نشأت في البيئة الريفيّة حيْثُ كانت المجالس الشعبيّة والعادات الاجتماعية اليومية مصدراً لكثيرٍ من الحِكَم والأقوال المُتوارَثة، وهذا المثل يُضرب لمَن يغريه اللين فيتجاوزُ حدودَه، وهوَ أيضاً نصيحة للمتسامح بغفلة فإذا لم يضع حدوداً لتجاوزات الآخرين منذُ البداية فلا يتعجَّب عندما يجدهم يدخلون إليه بحميرهم. 

ومن اللافت أن المثل لم يفقد دلالته رغم اختفاء المشهد الاجتماعي القديم الذي يصوِّره؛ فالحمار الذي كان قديماً وسيلةَ انتقالٍ وحَمْلٍ شائعة في القُرى المصرية أصبحَ جُزءاً من صورةٍ بلاغيّةٍ ساخرة ما زالت مفهومة حتى اليوم.

قصة المثل:

تُروَى للمثل حكايةٌ شعبيّةٌ طريفة، تدورُ أحداثُها في إحدى القُرى المصريّة القديمة حيثُ كانَ أعيان القرية يجتمعون في مكانٍ معروف ويتناقشون في شؤون القرية وأحوال أهلها، وكانَ المارّون بهم يُراعون لهم مكانتهم الاجتماعية؛ فإذا مرَّ أحدُهم راكباً دابّته أو حماره نزلَ عنها احتراماً للمجلس وألقى السلامَ على الجالسين ثم واصلَ طريقَه.

وذات يوم مرَّ بالمجلس رجُلٌ كهلٌ فقيرٌ يركب حِماراً وكانَ من أهل القرية الذين يعرفهم المجتمعون، ولمّا اقتربَ منهم هَمَّ بالنزول عن حماره كعادة المارّة لكن الجالسين أشفقوا عليه وقالوا له:

  • خلّيك راكب يا عم .. مش لازم تنزل.

فشكرهم الرجُل وألقى السلامَ عليهم، ثم واصلَ طريقَه دونَ أن ينزلَ عن حِماره.

وفي المرّات التالية تكرَّرَ الموْقف، فكانَ الرجُل يمُرُّ راكباً حماره ويُلقي السلام على الجالسين فيتركونه يمُر دون اعتراض مراعاةً لفقرِه أو تقديراً لسِنِّه.

لكن الرجل - فيما يبدو - استمرأَ هذا وفَهَمَ تساهُلَهم على نحوٍ مُختلف واعتبره حقّاً مُكتسَباً لا مجرد استثناءٍ أُتيحَ له من باب المُجاملة.

وذات يوم وبينما كان أعيان القرية مُجتمعين كعادتهم، مَرَّ الرجُلُ أمامَهم، لكنه لم يكتفِ بإلقاء السلام وهو راكب حماره بل دخلَ وسَط مجلسهم بحماره وكأنه يدخُلُ إلى مكانٍ يخُصُّه!

فوجئَ الجالسون بهذا التصرُّف واعترضوا عليه وأخرجوه من المجلس، وقالَ أحدُهم ساخراً ومُستاءً:

  • سكتنا له .. دخل بحماره!

ومن هُنا ذاعتْ العبارة وأصبحت مَثَلاً يُضرَبُ لكل مَن يستغل تسامح الآخرين ويتعشّم بهم ويعتبِر سكوتَهم عن تجاوزاته إذناً مفتوحاً له بالتمادي.

أمثال مشابهة:

  • مَن أمِن العقوبة أساءَ الأدب: يُقال عندما يؤدّي غياب المحاسبة والردع إلى تمادي الإنسان في تجاوزاته.

  • إدّي له صُباعك ياكُل دراعك: يُقال فيمَن لا يكتفي بما تُقدِّمُه له من تنازلاتٍ أو مُساعدات بل يطمعُ في المزيد كلّما وجدَ منك تساهُلاً.

  • إنْ أنتَ أكرمتَ الكريمَ ملكتَه، وإنْ أنتَ أكرمتَ اللئيمَ تمرّّدَ: بيْتُ شِعرٍ يُنسَب إلى "المتنبّي" ويُستشهَد به في التحذير من إساءة بعض الناس فَهْمَ الإحسان واعتبارَه ضعفاً أو فُرصةً للاستغلال.

  • اللي يدّيك ضهره اقطع خبره: يُستخدم في سياق التحذير من الاستمرار في مُجاملة مَن لا يُقدِّر المعروف.

  • يا متعشِّم ف الناس خَلّي عَشَمَك ف الله، ده عَم عَشَم مات والناس خَدِت عَزاه: يُقال بغرض عدم تعليق الآمال والتوقُّعات على الناس لأن الاعتماد الحقيقي والدَعم بيد الله.

  • أحب اللي عشمان، بَسْ ما احبِّش اللي العَشَم قاتلُه: تعبير عن قبول الأمل البسيط المُعتدِل في الناس، مع رفض "العَشَم الزائد" الذي يُثقِل على الآخرين ويجلب التعاسة لصاحبه.

  • المثل الإنجليزي الشهير: Give him an inch and he'll take a mile، أي أعطه قدراً قليلاً من التساهُل، فيطلب المزيد ويتجاوزُ ما سُمِحَ له به.

تعليق "ابن أبي صادق":

هذا المَثَل يجعلُني أسخرُ من المواطن الذي يتعشَّم في المسؤولين الذين يسمحون له مرّة بالتعبير عن رأيه بداعي "الديمقراطيّة وحريّة الرأي"، فإذا بذلك المواطن الغافل يتصوّرُ أنه - قال إيه - بني آدم له مُخٌّ وفِكر فيأخذ راحته ع الآخر ويُبدي رأيَه ويُدلي بجردله فيما لا ينبغي بل ويدخُل بحماره أو حصانه (الذي هو لسانه) ويقول - دونَ لِجامٍ يكبحُ جماحه - ما لا يُرضي هؤلاء المسؤولون الكِبار الذين يغضبون منه فيُدخِلونه المُعتَقَل أو يتَّهِمونه بقِلّة الذوْق أو حتى الجنون ليُفهِمونه كَرْهاً أنه من غير المسموح لأمثاله من المواطنين الجرابيع أن يفتحوا أفواهَهم إلّا عند طبيب الأسنان أو في حضرة الضابط النوبتجي (قُدّام حظابط النبطشي)!!!

google-playkhamsatmostaqltradentX