كمالة فيلم "القاهرة 30" (2) | "القاهرة 2030"
الشخصيات:
"محمود صابر": صحفي استقصائي في أوائل الثلاثينيات، يعمل في موقع إخباري مستقل، وينتمي إلى أسرة متوسِّطة الحال، ويؤمن بأن الصحافة رسالة وليست وسيلة للتكسب، ويطارد ملفّات الفساد مهما كانت العواقب.
"لارا منصور": مُذيعة تلفزيونيّة في أواخر العشرينيّات، تتمتَّع بجمالٍ لافت وذكاءٍ اجتماعي وقُدرة فائقة على قراءة نقاط ضعف الآخرين، بدأت حياتها من أسرة متواضعة، لكنها قررت ألّا تعيش مثل والديْها، وأن تصل إلى قمة المجتمع بأي ثمن.
"شريف الدمنهوري": رجل أعمال شديد الثراء، يمتلك مجموعة شركات عقارية وإعلامية، ويستخدم المال والعلاقات السياسية للحصول على الأراضي والمشروعات الكبرى وتحقيق المزيد من المكاسب.
"كمال الشربيني": وزيرٌ نافذٌ يُجيد الحديث عن الإصلاح ومحاربة الفساد، لكنه يُدير شبكةً من المصالح مع رجال الأعمال.
"نادر فوزي": رئيس تحرير موْقع "ضمير الوطن" الذي يعمل فيه "محمود"، صحفي قديم بدأ حياته صاحب مبادئ، لكنه أصبح يخشى على مصالحه أكثر مما يخشى على الحقيقة.
"إبراهيم عادل": موظَّفٌ كبيرٌ في "هيْئة المجتمعات العُمرانيّة الجديدة"، ويحتفظ بمعلوماتٍ عن فساد صفقة تخصيص قِطَع أراضٍ كبيرة لـ"شريف الدمنهوري".
أحداث القِصّة:
نحنُ الآن عام 2030 في إحدى القنوات الفضائية الخاصة، حيْثُ كانت "لارا منصور" تستعد لتقديم برنامجها المسائي "بلا خطوط حمراء"، وهو برنامجٌ اجتماعي وسياسي يحظى بنسبة مُشاهدة مرتفعة.
وقفت أمام المرآة في غُرفة الملابس، تتأمَّلُ مظهرَها، ثم التفتتْ إلى مُساعدتها وحاوَرتْها:
اتصلتم بمدير مكتب وزير التعليم عشان تتأكِّدوا إن الوَزير جاي؟
أيوة يا فندم بَسْ طلب من المُعِد إن الحلقة تكون عن إنجازات الوزارة فقط وما نجيبش سيرة عن موضوع زيادة مصاريف المدارس والجامعات الخاصّة أو عَجْز المُدرِّسين أو السناتر التعليميّة أو أي مشاكل تانية.
ماشي .. نخلّيها إنجازات بَس .. علشان خاطر عيون الإنجاز الخاص اللي بيني وبينه بعد الحلقة.
إنتي ما بتسيبيش فُرصة تعدّي من تحت إيدِك!
هيَّ بلدنا كده .. الشاطر اللي ينتهز الفرصة لمّا تيجي له.
كانت "لارا" قد بدأتْ حياتَها كمذيعةٍ في قناةٍ صغيرة، براتبٍ لا يكفي مصاريفها الشخصية، ثم اكتشفت أن الطريق إلى الشُهرة لا يمر بالضَرورة عبر الموْهبة أو الثقافة أو الاجتهاد، وإنما عبر الأشخاص الذين يمتلكون المال والنُفوذ، كانت تعرف كيف تجعل كل ضيْفٍ في برنامجها يشعُر أنها معجبةٌ بشخصيّته قبل أن تعجب بمنصبه فتحوِّلُ لقاءه معها إلى بداية علاقةٍ خاصّة تفتحُ لها أبواباً لم تكُن تحلُمُ بفتحِها، لم تكُن ترى نفسها امرأةً مُستغِلّة بل كانت تُردِّدُ دائماً أنها تبحثُ فقط عن مصلحتها لتصل إلى ما تُريد.
*****
في الجهة الأخرى من "القاهرة" كانَ "محمود صابر" يجلسُ في مكتبٍ صغير داخل مقر الموْقع الإخباري "ضمير الوطن" الذي يعملُ به، أمامه ملفٌّ به مُستنداتٌ وصورٌ جويّة وخرائطُ وعقودُ بيْع أراضٍ دخلت كردون المباني في العاصمة، كان الملف - الذي حصل عليه من "إبراهيم عادل" الموظفٍ المُهِمٍّ بـ"هيْئة المجتمعات العُمرانيّة الجديدة" - يتعلَّقُ بمشروعٍ عمراني ضخم حصلت عليه شركة رجل الأعمال الأشهر "شريف الدمنهوري" بعد تخصيص مساحةٍ كبيرةٍ من أراضي الدوْلة بسعر يقلُّ كثيراً عن قيمتها الحقيقية، ثم أعاد الرجل بيْعَ أجزاءٍ منها بأسعارٍ خياليّة مُحقِّقاً أرباحاً هائلة.
لكن القضيّةَ لم تكُن مجرَّد مخالفةٍ مالية؛ فقد كشفت المستندات أن تلك الأراضي - التي خُصصت لرجُل الأعمال هذا - كانت مرصودةً في الأصل لمشروع إسكانٍ لمحدودي الدَخْل، وأن آلاف الأُسَر كانت تنتظرُ الحصولَ على وحداتٍ سكنيّةٍ فيها.
دخلَ "نادر فوزي" رئيس التحرير المكتب وتناقشَ مع "محمود":
بتعمِل إيه يا "محمود"؟
ده ملف "الدمنهوري" .. عندي مستندات تثبت أنه أخد أراضي كبيرة بالمخالفة للقانون وبمساعدة مسؤولين كُبار.
أنتَ مُتأكِّد من الكلام ده؟
عندي المستندات كلّها .. من موظَّف كبير.
اسمع يا "محمود": "شريف الدمنهوري" ده مِش راجل أعمال عادي .. ده واصل .. يعني ممكِن يودّيك ورا الشمس.
(بغضب) قصدك يعني نطرمخ عليه؟!
لأ .. قصدي نفكَّر قبل ما ناخُد أي خطوة ممكن نندم عليها بعدين.
(ساخراً) يعني نحُط راسنا في الرملة زي النعام؟!
إنتَ لِسّه صغيّر .. مصيرك تتعلّم إن الصحافة مش بطولة مجانيّة وفَتْح صِدر بغشوميّة.
بَس برضه أنا مُصِر ع النشر .. على مسؤوليتي يا ريّس.
*****
كانَ رجل الأعمال "شريف الدمنهوري" يجلسُ في مكتبه الفخم المُطِل على النيل وإلى جواره الوزير "كمال الشربيني"، وأخذا يتجاذبان أطراف الحديث:
الموضوع بدأ يكبر يا "شريف" بيه .. فيه كلام كتير عن مُخالفات في تخصيص الأرض الجديدة بتاعتك.
(ضاحكاً) ولا يهمَّك يا معالي الوزير .. أنت عارف أن كل شيء تم بالأوْراق الرسمية وما فيش عليَّ أي مسؤوليّة.
لكن الصحافة بدأت تتحرَّك .. موْقِع "ضمير الوطن" نشروا النهار ده طراطيش كلام وقالوا إنهم ح يكشفوا كل الحقايق .. (يفتح تليفونه ويستعرض الموْقع الإخباري) اسمع كاتبين إيه: "أرض الفُقراء تتحوَّل إلى إمبراطوريّة عقاريّة .. مَن باع مستقبل آلاف الأسر المحتاجة؟"
ده اللي انتَ خايف منه! .. ها ها ها .. طب اسمع المكالمة دي .. (أخرجَ تليفونه واتصل بـ "لارا") آلو .. إزايِّك يا حُبّي .. واحشاني .. هههه .. باقول لِك إيه .. عايز اطلع معاكي ف حلقة بُكرة .. ضروري اتكلِّم عن حجم الإنجازات وفُرص العمل والاستثمارات بتاعة مجموعة الشركات بتاعتي .. إيه؟ .. بَس كده .. ده انتي تؤمُري .. واعملي حسابِك بعد البرنامج ح نسهر سوا ونقضّي الليلة مع بعض .. إممممّه .. سلام .. باي .. (ناظراً إلى الوزير) خلاص .. إنسى الصحافة نهائي .. اتفرّج على حلقة "بلا خطوط حمرا" بُكرة وادعي لي.
ها ها هاه .. ما انا سامعك بتتكلّم مع "لارا" .. البت دي صاروخ .. وعايزني بقى أدعي لك عشان برنامج الخطوط الحمرا ولّا السهرة الحمرا اللي بعد البرنامج؟! .. هههههه.
الاتنين .. ههههههه .. وكمان ح اعمِل حملة إعلانيّة بملايين ف موْقع "ضمير الوطن" بنفسه واخلّيهم ما ينشروش حاجة تاني.
*****
وفي اليوم التالي كانَ "الدمنهوري" في مكتبه يوقِّعُ شيكاً بعدّة ملايين من الجنيهات ويُسلِّمه إلى "نادر فوزي" مُقابل نشْر الحملة الإعلانيّة في موْقعه بشرط الاستغناء عن خدمات "محمود صابر" واعتذار الموْقع عن الأنباء المغلوطة التي نشرها، وبالفعل نفَّذَ "نادر" كل ما أراده "الدمنهوري" واستلم الشيك مُفضِّلاً مصلحته أوّلاً وأخيراً.
وفي المساء كان برنامج "بلا خطوط حمراء" بمثابة إعلانٍ تجاريٍّ طويل عن رجُل الأعمال الوطني "الدمنهوري" بك الذي عرضَ نجاح شركاته في مشاريع البناء في "القاهرة" وباقي المحافظات رغم محاربة حزب أعداء النجاح له ونشرهم أخباراً مغلوطةً عنه ليشوِّهوا صورة الاستثمار الوطني، وزعمَ "الدمنهوري" - دونَ أن يُقدِّمَ دليلاً واحداً على كلامه - أن "محمود صابر" يتزعَّم صحفيّي الصحافة الصفراء المشبوهة الذين قاموا ضدّه بعدَ أن رفضَ مساوماتهم وابتزازهم له، وقامت "لارا" بعمل مُداخَلةٍ تليفونيّةٍ مع "نادر فوزي" الذي أكَّد زوراً وبُهتاناً كلام "الدمنهوري"، وعقَّبتْ "لارا" بقوْلِها:
أظُن إن الدوْلة لا يُمكِن تسمح لأي شخص بإنه يستخدم حُريّة التعبير والديمقراطيّة لتدمير سُمعة مؤسَّساتنا ورجال الأعمال الشُرفاء.
وفي سهرتهما معاً بعد البرنامج طلبتْ "لارا" الثمن من "الدمنهوري": سيّارة فارهة وفيلّا مؤثَّثة وعقد شراكة بينهما على إنشاء قناةٍ فضائيّةٍ جديدة، وتمَّ لها ما أرادت بالفِعل.
*****
وبعدَ أيّام تم فصل "محمود" من نقابة الصحفيّين بعد التحقيق معه صوريّاً لنشر أخبارٍ كاذبة تُعكِّر الصفو العام، ولكنه لم يسكُتْ على هذا الظُلم فلجأَ إلى أحد زُملائه الذين يملكون منصّةً مُستقِلّةً تُدافع عن حُريّة الناس في المعرفة، وظهرَ "محمود" في بَثٍّ مباشِرٍ لفيديو من هذه المنصّة ومعه "إبراهيم عادل" الذي قرَّرَ أن يتكلّم عن كل شيء، وعرضَ الاثنان - على الهواء - المُستندات التي تُثبِتُ وجودَ مُخالفاتٍ في تخصيص الأراضي وبيْعها بثمنٍ بَخسٍ وبيان التحويلات الماليّة المشبوهة من "شريف الدمنهوري" إلى رئيس هيْئة المجتمعات العمرانيّة، وتحدَّثا عن كيْفيّة تمرير الصفقة وإبعاد كبار الموظّفين الشُرفاء المعارضين لهذا الانحراف المالي وإحلالهم بآخرين موالين بدلاً منهم.
ولم تمضِ سويْعاتٍ قليلةٍ حتى انتشرَ هذا الفيديو كالنار في الهشيم وتحوَّلَتْ القضيّة إلى حديث الرأي العام، ممّا أجبرَ النائب العام على فَتْحِ تحقيقٍ شاملٍ طالَ الجميع.
*****
بدأت التحقيقات الرسمية، وتمَّ استدعاء الوزير "كمال الشربيني"، والتحفُّظ على بعض أموال شركات "شريف الدمنهوري"، وإيقاف عددٍ من المسؤولين عن العمل بالوزارة لحين انتهاء التحقيقات.
أمّا "لارا" فقد تجاوزَتْ فضيحة تحريضها ضد "محمود" وخرجت منها بالسيّارة والفيلّا والقناة وارتفعت أسهمها كثيراً في الوَسَط الإعلامي، فتعاقدت مع مستثمرٍ جديدٍ لإطلاقِ منصّةٍ إعلاميّةٍ كُبرى، وأصبحتْ ضيْفةً دائمةً في مُعظم المؤتمرات والمُنتديات التي تتحدَّثُ عن تمكين المرأة والاستثمار والشفافية ومُكافحة الفساد، واستمرَّت في غَزْلِ نسيج شبكات علاقاتها المُتعَدِّدة بعدَ أن صنعت لنفسِها فلسفةً تُبرِّرُ بها كل تنازل، فهيَ لا ترى أنها تبيعُ جسدَها أو ضميرَها بل ترى أنها تستثمر في أهم سلعةٍ تمتلكُها وهي نفسها.
في حين لم يحصُد "محمود" من كل ذلك سوى جائزةٍ صحفيّةٍ مصنوعةٍ من زُجاج (وَضَعَها في دولابه) لتشهدَ على نزاهته واجتهاده لكشف قضيّة الأراضي الكُبرى، وظلَّ كما هوَ بعيداً عن الثراء في شقّته المتواضِعة وسيّارته القديمة وعمله الشريف في إحدى الجرائد الصغيرة باحثاً عن قضيّة فسادٍ أُخرى علّه يفوزُ منها بجائزةٍ أُخرى من الزجاج أو حتى الصفيح، فهو لا ينظُر لنفسِه باعتباره بطلاً خارقاً بل إنساناً يدفعُ ثمن تمسُّكِه بمبادئه فلا يضمنُ له صِدقُه انتصاراً ماديّاً أو اجتماعيّاً.
ويُسدل السِتار على القاهرة 2030 دونَ أن نعرفَ إنْ كانَ "محمود" سينتصر أو إنْ كانت "لارا" ستسقُط أو إن كانَ الوزيرُ الجديدُ سيختلفُ عن الوَزيرِ القديم.
في "القاهرة" 1930 كانَ "محجوب عبد الدايم" و"إحسان" يبيعا نفسيْهما من أجل وظيفةٍ وملابسَ راقيةٍ وحفنةٍ من الجنيْهات، وفي القاهرة 2030 أصبحت "لارا" تبيعُ الحقيقة من أجل سيّارةٍ وفيلّا وإمبراطوريّةٍ إعلاميّة.
في المائة عامٍ الأخيرة تغيَّرتْ التكنولوجيا وتبدَّلت الوجوه وأصبحت الفضائيّات بديلاً للمقاهي السياسيّة وأصبحت الهواتفُ الذكيّة وسيلةً للابتزاز بدلاً من الخطابات السِرّيّة والشكاوى الكَيْديّة، بعد قرنٍ كاملٍ من التقدُّم لم ينقل المُجتمع قدماً في خُطوةٍ واحدةٍ إلى الأمام وظلَّ شِعار "القاهرة" القديمة والجديدة والمُعاصِرة كما هوَ:
"بعضُ الناسِ يبحثون عن الحقيقة .. بينما يبحثُ آخرون عن الشخص الذي يستطيعُ شراءَها"!!!
