خبر
أخبار ساخنة

أفلام كمالة | د. أحمد صادق | كمالة فيلم "الزوجة الثانية" (2)

ابن أبي صادق
الصفحة الرئيسية

شخصيات الجزء الثاني من فيلم "الزوجة الثانية" فاطمة وابو العلا وفي الخلفية حقول القرية يزرعها الفلاحون

كمالة فيلم "الزوجة الثانية" (2) | "الوريث الثاني"



بعد موْت العُمدة "عِتمان" تُصارح "فاطمة" شقيقه "عِلوان" بأن الطفل الذي ولدتْه - وقد أسمته "حسن" - هو في حقيقة الأمر ابنٌ لزوْجها الوحيد "أبو العِلا" لأنه قام بتطليقها قسراً وهو أمرٌ غير شرعي وبالتالي فإن زواجها من "عِتمان" باطلٌ من الأساس، وقامت "فاطمة" - بصفتها واصيةٌ قانوناً على "حسن" الوريث الوحيد لـ"عِتمان" على الورق الرسمي - بإعادة الأراضي والممتلكات التي استوْلى عليها "عِتمان" بالغِش والتدليس إلى أصحابها الحقيقيّين وأحرقت العقود والأوراق الدالّة على ذلك في نفس أسبوع وفاته، وتمَّ كل هذا بمباركة "عِلوان" الذي انتقلت إليه عموديّة القرية بصفته الشقيق الأصغر للعمدة القديم الذي وافته المنيّة، أمّا "حفيظة" فقد فقدت عقلها بعد كل ما حدث حتى وُجِدتْ ميّتةً بعدَ شهور في أحد الحقول حيْثُ كانت تهيمُ على وجهها، في حين آثر "أبو العِلا" وزوجته "فاطمة" وأولادهما أن يرحلوا عن تلك القرية إلى أقاربهم بمدينة "دمنهور" ليبدأوا حياةً جديدةً ينسوا فيها ما قاسوه.

وبعدَ عشرين عاماً لم تكُن القرية قد تغيّرت كثيراً، وإن تغيّرتْ بعضُ الوجوه وارتفعتْ بعضُ الجُدران واتسعتْ الطريق المؤدية إلى السوق، وذات يوْم استيْقظت القرية على خبر وفاة العُمدة "عِلوان" فبكوه كثيراً لأنه كان عادلاً ورحيماً بهم، ولكن الزمن بدأَ ينكص على عقبيْه مرّةً أُخرى فقد تولّى ابنه الأكبر "سليم" منصب العمدة خلفاً لأبيه، وكانَ "سليم" هذا جَشِعاً سيّءَ الطباع، لم يكُن يختلفُ عن عمِّه المقبور "عتمان" كثيراً، فجمعَ حوْله من الأتباع مَن يُعينه على المُضي قُدُماً في مسيرة عمّه المليئة بالاستبداد واستغلال النفوذ والطمع فيما للغيْر.

  ولم يُضِع "سليم" وقتاً طويلاً حتى استوْلى على أراضٍ شاسعة وممتلكاتٍ عديدة بعد أن مكرَ بالكثير من الفلّاحين البُسطاء واستغلَّ جهلهم وسذاجتهم أو حاجتهم لرهن أملاكهم عنده نظير أموالٍ يحتاجونها في معيشتهم، وعندما ذهبَ لتسجيل هذه الأراضي والممتلكات في الجمعيّة الزراعيّة لنقل حيازتها إليه فوجئ بأن السجلّات ما زال مُقيّداً فيها أن عمّه المتوفّى "عتمان" هو مالكٌ لعشرات الفدادين من الأطيان الزراعيّة، وتذكَّرَ "سليم" أباه الذي كانَ قد روى له أن "فاطمة" أعادت هذه الفدادين المنهوبة إلى أصحابها وأحرقت عقودها وأوْراقها، وفطنَ "سليم" إلى أن أصحاب هذه الأراضي تسلّموها وأقاموا عليها دون أن ينقلوا حيازتهم لها رسميّاً ظنّاً منهم بأن إحراق العقود التي تُثبت ملكيّة "عتمان" لها كان كافياً لعودة ملكيّتها خالصةً لهم. 

وخطرت لـ"سليم" حيلةٌ شيْطانيّة فقد قرَّر استخراجَ أوْراقٍ رسميّةٍ جديدة من الجمعيّة الزراعيّة تُثبتُ أن عمَّه "عتمان" هو مالك هذه الأراضي، وقام أيضاً بتزوير شهادة وفاة لـ"حسن" ابن "عتمان" ووريثه الوحيد في الورق الرسمي، كما زوَّرَ توْكيلاتٍ لصالحه من إخوته - باعتبارهم ورثةً شرعيّين لعمِّهم بعد الوفاة المزعومه لابنه "حسن" وموْت زوجته "حفيظة" وأخيه "علوان" - بالتصرُّف في هذه الأملاك أمام الجهات الرسميّة دون أن يعلموا بأمر هذه التوْكيلات حيث كان يعيش بعضهم في العاصمة وبعضهم خارج البلاد وانقطعت عنهم كل صِلة بالقرية التي نشأوا فيها، واكتفوا بالمبالغ التي كانَ يُرسِلُها لهم شقيقُهم الأكبر كل عام.

   وبالفعل نجحَ "سليم" من استصدار حُكمٍ بالتمكين من الأرض بعدَ أن اشترى من إخوته - بموجب التوْكيلات المزوَّرة - نصيبَهم وضمَّه إلى نصيبه فأصبحَ هوَ المالك الوحيد لكل هذه الأراضي. وعلِمَ أصحابُ الأراضي الحقيقيّون بما جرى عندما جاءتهم إنذاراتٌ بإخلاء الأرض وتسليمها إلى "سليم" المالك الرسمي لها، ورفضَ الفلّاحون تنفيذ أوامر الإخلاء وتجمَّعوا في الحقول لمنع رجال "سليم" من الاستيلاء عليها، فحاولَ "سليم" الاستعانة بخُفراء القرية لتنفيذ ما يُريد لكن المفاجأة أن بعض رجاله أنفسَهم كانوا من أبناء الفلاحين الذين اغتُصبَتْ أرضهم، وتطوَّرت المواجهة إلى شِبه انتفاضةٍ شعبيّةٍ فأُجبِرَ الخُفراء على التراجُع.

واجتمعَ الفلّاحون في دار أحد كبارهم وأخذوا يتشاورون في أمرهم، ولم يكن أحدٌ منهم يعرف ماذا يفعل إذ لم تكن لديهم العقود التي تثبت ملكيّتهم للأرض فقد تسلّموها منذ عشرين عاماً مطمئنّين إلى أن "فاطمة" قد أعادت إليهم حقوقهم وأن إحراقها للعقود القديمة قد أنهى الأمر إلى الأبد.

وقال أحدهم:

  • يعني إيه يا جماعة؟ .. إحنا زرعنا الأرض دي عشرين سنة ودفعنا ضرايبها وعوايدها طول السنين اللي فاتت .. وفيه مننا اللي ماتوا وورِّثوها لولادهم .. يقوموا ييجوا ده الوقت يقولوا لنا اخرجوا منها؟!

فردَّ عليه رجلٌ آخر:

  • ما هو "سليم" معاه حُكم محكمة واحنا معندناش ورقة واحدة نثبت بيها إن الأرض أرضنا!

وانفضَّ المجلس دون أن يصلوا إلى حلّ، لكنَّ أحد الفلاحين - وكان قد جاوز السبعين من عمره - قال قبل أن يُغادر:

  • أنا فاكر إن "أبو العلا" و"فاطمة" كانوا أصلاً من "دمنهور" .. يمكن يكونوا لِسّه عايشين هناك .. طب ما ندوَّر عليهم؟

وسافرَ بعضُ الرجال إلى "دمنهور" وظلّوا يسألون عن "أبو العلا" وأُسرته حتى عثروا عليهم في أحد أحيائها القديمة، وكان "حسن" قد أصبحَ شابّاً يافعاً مُتعلِّماً ورثَ عن أُمّه ذكاءها وإصرارها وعن أبيه بساطته وطيبته، وعندما شرحَ لهم رجال القرية ما جرى قال "أبو العلا":

  • إحنا خرجنا من البلد دي من عشرين سنة علشان نرتاح من وجع القلب .. هو احنا ح نرجع نفتح على نفسنا أبواب الهَمّ تاني؟!

لكنَّ "فاطمة" ردَّتْ عليه في الحال:

  • إحنا سيبنا البلد علشان نعيش في أمان مش علشان الظلم يرجع فيها ونسيبه ياكل حُقوق الناس.

ثم التفتت إلى ابنها وأكملت كلامها:

  • أنا مش عايزاك يا "حسن" تحارب "سليم" علشان عمّه ظلمنا ولا علشان أبوك اتحرم من بيته وأرضه زمان .. أنا عايزاك تروح تشوف الناس دي وتساعدهم ياخدوا حقّهم .. الأرض اللي اتردّت لاصحابها مش لازم تتسرق منهم من جديد.

وفي اليوْم التالي سافر "حسن" إلى القرية، وعندما وصل وجدَ الفلّاحين قد بدأوا في إخلاء بعض الأراضي خوْفاً من أن يتعرَّضوا للحبس أو الاعتداء إذا قاوموا تنفيذ الحكم، بينما كانَ "سليم" يتنقَّلُ بيْن الحقول يتبعه عددٌ من رجاله، وكان يأمرهم بتحديد حدود الأراضي التي أصبحت ملكاً له.

تقدَّمَ "حسن" نحوه وقال:

  • أنا "حسن" ابن "فاطمة" و"ابو العِلا".

تغيَّر وجه "سليم" حين سمعَ الاسم ولكنه تمالكَ نفسه وقالَ ساخراً:

  • أهلاً بابن العمدة القديم! 

فأجابه "حسن":

  • أنا مش ابن العُمدة ولا عُمري كنت ابنه .. يمكن كتبوني بإسمه صحيح بس ده ف الأوراق الرسميّة بَس .. لكن قُدّام ربّنا أنا ابن "ابو العِلا" .. أنا جاي ارجّع الأرض لاصحابها اللي قعدوا يزرعوها عشرين سنة وانتَ ده الوقت عايز تطردهم منها بورق إنتَ عارف كويّس إزاي طلّعته.

اقترب منه "سليم" وقال بلهجة تهديد:

  • خلي بالك من كلامك .. كل حاجة معايا رسميّة .. واللي عنده اعتراض يروح المحكمة.

ابتسم "حسن" وقال:

  • وده اللي  ح نعملُه.

بدأَ "حسن" في تجميع شهادات الفلّاحين والبحث في سجّلات الضرائب والعوائد القديمة ودفاتر الجمعيّة الزراعيّة ومُستندات الحيازة، كما أبلغَ النيابة عن تزوير "سليم" لشهادة وفاته كوريثٍ رسميٍّ لـ"عِتمان" وأيضاً عن تزوير توْكيلات أشقّاء "سليم" لأخيهم. 

وعندما حقَّقت النيابة في الأمر اكتشفت أن شهادة وفاة "حسن" التي قدّمها "سليم كانت مزوَّرةً بالفِعل وأن عدداً من التوقيعات المنسوبة إلى إخوة "سليم" لا تتطابق مع توقيعاتهم المعروفة وأن بعض التوْكيلات قد حُرِّرتْ في تواريخَ كان أصحابُها خارج البلاد وقتها، كما ظهرت تناقُضاتٌ بين تواريخ نقل الملكية وتواريخ الوفاة المُثبتة في الأوراق وتبيّنَ أن الفلّاحون هم مَن كانوا يُسدِّدون الضرائب والعوائد طيلة العشرين سنة الأخيرة. 

وهكذا انقلبت القضية من نزاعٍ بين العُمدة والفلّاحين إلى تحقيقٍ في تزوير مستنداتٍ رسميّة والاستيلاء على أملاك الغير، لكنَّ "سليم" لم يستسلم؛ فقد استدعى رجاله، وأمرهم بمنع "حسن" من دخول الأراضي، ثم حاول استمالة بعض الفلّاحين بالمال، وهدَّدَ آخرين بإلقاء القبض عليهم إذا استمروا في الاعتراض.

غير أن هذه المرّة كانت مختلفة؛ فقد اجتمع أهل القرية، وقرّروا ألّا يتركوا أحداً منهم يواجه الأمرَ وَحده، فحين جاءَ رجال "سليم" وجدوا عشرات الفلاحين يقفون في الحقول، رجالاً ونساءً وشيوخاً، لا يحملون أسلحة، وإنما يحملون أوراقهم وشهاداتهم، ويرفضون مغادرة الأرض التي عاشوا عليها طوال عمرهم.

وقال "سليم" غاضباً:

  • إنتم فاكرين إنكم ح تقدروا عليّا؟! .. أنا العمدة .. يعني الحكومة والقانون. 

فأجابه أحد الفلاحين:

  • إحنا مش بنحارب القانون يا عمدة .. إحنا بنحارب اللي بيزوّر القانون علشان ياخُد أرضنا.

وما أن أتمَّ هذا الفلاح عبارته حتى وجدَ الفلّاحون سيّارةَ الشُرطة تقتحم المكان وينزل منها بعض الجنود ليُلقوا القبضَ على "سليم" ورجاله تمهيداً لمُحاكمتهم.

ولم يكن سقوط "سليم" سريعاً وسهلاً كما كان سقوط عمِّه "عتمان" بل كانَ أشد قسوةً وصعوبة؛ إذ اكتشفَ "سليم" أن الأوْراق التي ظنَّ أنها ستحميه أصبحت هيَ نفسُها الدليل الذي يفضحُ جرائمه.

وفي نهاية المطاف أُبطِلَتْ التصرُّفات التي ثبتَ تزويرُها، وعادت الأراضي إلى "حسن" الوريث الرسمي لـ"عتمان"، بينما اضطر "سليم" إلى مواجهة تبعات أفعاله، وتمَّ عزله من منصب العُمدة وخسر ثقة أهل القرية وإخوته الذين قطعوا علاقتهم به.

أمّا "حسن" فقد تنازلَ للفلاحين عن تلك الأراضي وساعدهم في تنظيم أوراق ملكيّاتهم وحيازاتهم لها رسميّاً بعقودٍ موَثّقة، وساهمَ معهم في إنشاء جمعية تعاونية يتشاركون من خلالها في شراء المُعدّات والبذور حتى لا يضطر أحد منهم إلى رهن أرضه عند صاحب نفوذٍ إذا احتاج إلى المال.

وعندما عادَ إلى منزله في "دمنهور" وقفَ أمام أُمَّهُ وقالَ جذِلاً:

  • الحمد لله يا أُمّي الأرض رجعت لاصحابها.

فقالت "فاطمة":

  • الأرض رجعت يا "حسن" لكن خلّي بالك: الأرض ممكن ترجع في يوم ومُمكن تتاخِد في يوم تاني .. إنما المهم إن الناس ما تنساش حقّها وما تسمحش لحَد يتحكِّم فيها .. طول ما فيه ناس فاكرة إن العُمدة هوَّ الحق - مش اللي بيحافظ عليه - ح يفضل فيه "عتمان" وح يفضل فيه "سليم".

وفي القرية كانَ الفلّاحون يحرثون الأرضَ من جديد، بينما ارتفعت أصواتُهم بالغناء مع شروق الشمس، وللمرّةِ الأولى منذ سنواتٍ طويلة لم يكُن أحدٌ منهم ينتظر أن يأتيَ عُمدةٌ صالحٌ ليَمِنَّ عليه ويمنحه حقه.



(لم تتم بعد .. وتتوالى الأحداث)

google-playkhamsatmostaqltradentX