خبر
أخبار ساخنة

أفلام كمالة | د. أحمد صادق | كمالة فيلم "رد قلبي" (2)


أبطال الجزء الثاني من رد قلبي والصراع بين الطبقات العليا حيث سيارة المرسيدس والقيلا والثراء والشعبية في مصر

طبقات الشعب الكادحة كالأطباء والمهندسين والعمال والفلاحين يقفون بأسفل الصورة في حين أن الباشوات الجدد بالأعلى

كمالة فيلم "رد قلبي" (2) | "رُد ثوْرتي"



بعد أكثر من ثلاثون عاماً من الإطاحة بالملكيّة وقيام الجمهورية لم يعُد أحدٌ في "مصر" يتحدَّثُ عن الباشوات والبكوات فقد اختفت الألقاب القديمة من الأوراق الرسميّة لكنها - مثل القطط - لم تختفِ فعليّاً بل فقط غيّرت شكلها فتقمّصَتْها أسماءٌ جديدة فصارَ الثري أو الضابطُ  أو القاضي باشا والموظّفُ بك والحرفي باشمهندساً.

فقد تحوَّلتْ "المُكتسبات الثوْريّة" إلى نظامٍ طبقيٍّ جديد ولكن بنفس الأدوات والآليّات القديمة؛ حيثُ حلَّتْ "الرُتَب والمناصب العسكرية والحكوميّة" محل "الألقاب والملكيّة العقاريّة"، فأصبحَ ضُباط الجيش والشُرطة ورجال القضاء هم "الباشوات" الجُدُد الذين يمتلكون المُجمّعات السكنيّة الفاخرة والمشاريع الاقتصاديّة وحق الاستثناء والوَساطة في كل مجالات الحياة، بينما انحدرت باقي فئات المجتمع من أطباءٍ ومهندسين ومعلِّمين وعُمّال وفلّاحين وأبناء الأرستقراطيّة القديمة إلى طبقة "الكادحين".

أمّا القُصور والحدائق والأراضي - التي كان يمتلكها الباشوات الأرستقراطيّون ذاتَ يوْم - فتحوَّلت إلى مبانٍ حكوميّةٍ أو عماراتٍ أو أبراجٍ أو حدائقَ عامّة أو مشاريعَ لا يعرف أحدٌ على وجه الدقة لمَن تعودُ ملكيّتُها.

وفي إحدى تلك الأراضي أُقيمَت فيلّا عظيمة تُحيطها حديقةٌ غناءٌ رحيبة جلس فيها - أمام حمّام السباحة - صاحبها "علي" وزوْجته "إنجي" يتناولان فطورهما، كانا قد شارفا السِتّين عاماً واشتعلت رأساهما شيْباً ولكن أمارات الصحة لم تُفارقهما بعد. 

دخلت عليهما ابنتهما "إيمان" ودارَ بينهم هذا السِجال:

  • "إيمان": (وهي تقبّلهما مُبتسمةً) صباح الخير يا بابي .. بونجور مامّا.

  • "إنجي": جوود مورنينج يا حبيبتي. 

  • "علي": صباح النور .. إيه صاحية بدري كده ليه؟

  • "إيمان": نويت اروح الشُغل النهار ده.

  • "علي": (متعجِّباً) هوَّ النهار ده إيه؟! .. مش التلات؟! .. رايحة ليه؟! .. ما انتي بتروحي السبت بَس وبقيّة الأيّام رئيس الحَي بيمضي لِك حضور وانصراف .. إيشحال بقى عمِّك "حسين" المُحافِظ بجلالة قدره كلّمه ووصّاه عليكي.

  • "إيمان": (وما زالت تبتسم) ما انا عارفة بَس بصراحة كده رايحة أفتِّش على بُنا عمارة هنا جنبنا .. بصفتي مهندسة في الحي يعني.

  • "إنجي": (بلوْمٍ وعتاب) وليه المرمطة دي؟! .. ما احنا قُلنا انتي مش محتاجة تشتغلي أصلاً .. أو على الأقل اشتغلي مع باباكي .. ده صاحب أكبر مجموعة شركات مقاولات وتطوير عقاري في البلد!

  • "علي": قولي لها! .. ده انا فتحت المجموعة دي وشركة الاستيراد والتصدير ليكي انتي واخوكي مخصوص .. بعد ما أخدت رُتبة لوا وطلعت ع المعاش.

  • "إيمان": معلهش سيبوني براحتي .. وبعدين أخويا "فهمي" يبقى يمسِك الشركات دي بعد ما يخلّص خِدمته ف الجيش هوَّ كمان .. بصراحة أنا رايحة العمارة دي علشان سبب تاني غير التفتيش .. أصلي كُنت ف الحَي مرّة وقابلت مهندس دُفعتي اسمه "إسماعيل" كان جاي يطلّع ترخيص بناء لعمارة ماسكها وبصراحة إحنا كُنّا مُعجَبين ببعض أيّام الكليّة .. آآآآ .. وكده يعني.

  • "علي": مهندس ف عمارة ماسكها ولّا مالكها ولّا بتاعة والده؟ .. ووالده بيشتغل إيه؟

  • "إيمان": لأ .. مالكها إيه! .. ده أغلب م الغُلْب .. وبعدين أنا ح اتجوِّزه ولّا ح اتجوِّز والده؟! .. ده إنسان عصامي بنى نفسه بنفسه بعد ما أبوه مات وما ساب لهوش حاجة هوَّ واخوه الدكتور غير شقّة قديمة بالإيجار. 

  • "علي": (منزعجاً) وانتي إيه اللي يرميكي على واحد شحّات زي ده؟ .. إنتي ناسية انتي بنت مين؟! .. شايفة عمايل بنتِك يا هانم!

  • "إنجي": (تنظر له نظرةً ذاتَ مغزى ثم تطرقُ للأرض ساهمةً في شرود) ………… 

  • "إيمان": (تنتصب واقفةً في غضب وتتأهَّبُ للانصراف) وفيها إيه يا بابي .. ده مهندس متفوّق ومستقبله كبير ومتديّن ومن عيلة كبيرة ..  وعلى فكرة ح ييجي يقابلك يوم الجُمعة الساعة سبعة. 

  • "علي": (متوعِّداً) كده! .. طيّب .. خلّيه يشرّف .. لمّا نشوف.    

وفي الموْعد حضرَ المهندس "إسماعيل" لفيلّا "علي عبد الواحد" وقاده أحد الخدَم إلى البهو فجلسَ على الأريكة ينتظر ، وما لبث أن أتي خادمٌ آخر بفنجانٍ من الشاي فأخذ "إسماعيل" يحتسيه ببطء وهو يتلفّتُ حوْله مُستعرِضاً فخامة الأثاث والديكورات. 

وبعد هُنيْهةٍ جاءت الأُسرة تستقبله يتصدّرهم "علي" الذي كان يسير بتؤدّةٍ مُتجهِّماً وترتسم على ملامحه أمارات العظَمة والفوْقيّة:

  • "إسماعيل": مساء الخير يا فندم .. شرف عظيم إني شُفت معاليك.

  • "علي": (بوجهٍ مُتحجِّرٌ جامد) أهلاً.

  • "إيمان": آآآ .. آآ .. ده بابي يا "إسماعيل" .. وده أخويا الرائد "فهمي" .. ودي مامي "إنجي".

  • "إسماعيل": (وهو يمسح عرقه الذي تصبّبَ منه خجلاً) أهلاً وسهلاً .. اتشرّفنا .. على فكرة أنا عمّتي الله يرحمها كان اسمها "إنجي" برضُه .. (ينظُر لـ"إنجي") ربّنا يدّيكي طولة العُمر يا هانم.

  • "علي": (بصرامة) اتفضّل استريّح .. خلّينا ندخُل ف الموْضوع على طول.

  • "إسماعيل": واللهِ يا عمّي أنا يشرّفني اتقدِّم لبنت معاليك وكلّي أمل إنك توافق على جوازنا.

  • "علي": مفهوم مفهوم .. بس انت جاي لوحدك ليه؟

  • "إسماعيل": أنا والدي ووالدتي اتوفّوا .. بس ليَّ أخ  أصغر مني ما قَدَرش ييجي معايا النهار ده للأسف .. أصله دكتور ماسِك وحدة صحيّة في الوادي الجديد وبينزل "القاهرة" كل كام شهر.

  • "فهمي": طب ما يتنقل "القاهرة" بدل الشحططة دي!

  • "إسماعيل": للأسف علشان يتنقل محتاج واسطة كبيرة .. يا ريت معاليك يا "علي" باشا تكلِّم له حَد من معارفك ف وزارة الصحّة .. ولوْ "فهمي" باشا يعرف حَد برضه أبقى شاكر أفضاله.

  • "علي": (مُحاولاً تغيير دَفّة الحديث) ماشي ماشي .. وانتَ بقى تِقدر تفتح بيت وتعيّش "إيمان" ف نفس المستوى ده؟

  • "إسماعيل": (متلَعثِماً) آآ .. ما هو .. آه .. آآآآ .. إن شاء الله .. أنا عايش في شقّة كبيرة ف "العبّاسيّة" .. آآآ .. وباشتغل في شركة مقاولات كبيرة لها فروع ف كل محافظة تقريباً .. وإن شاء الله ح اترقّى قريّب ومُرتّبي ح يزيد بعد ما اناقِش رسالة الدكتوراه بتاعتي.

  • "فهمي": (بإسلوب استجوابي فَظ) يعني ح يبقى كام مثلاً؟ .. ولّا فيه أملاك بتجيب لك إيراد إضافي؟

  • "إسماعيل": (يعتدل في جلسته وينظر لـ"فهمي") لأ ما فيش أملاك .. بس بالنسبة للمرتب فهوَّ كويّس قوي .. أنا باقبض حالياً 50 جنيه وبعد الترقية ح يبقى حوالي 75 أو أكتر كمان .. آآ .. ده غير البدلات والحوافز والمكافآت.

  • "علي": وهوَّ كده كويّس؟! .. عموماً سيب لنا الكارت بتاعك علشان نسأل عليك .. (ينهضُ واقفاً) شرّفتنا يا باشمهندس.  

  • "إسماعيل": (يشعُر بالإحراج فيقوم) الشرَف ليّا .. أستأذِن حضراتكم .. و"إيمان" معاها عنوان الشُغل والتليفون علشان ما عنديش كروت .. السلامُ عليكم.

وانصرفَ "إسماعيل" فهرولَت "إيمان" باكيةً للطابق العلوي وأخذَت أمها في تهدِئتها ووعدها شقيقُها بالسُؤال عن "إسماعيل" وإقناع والدها به فكتبت له عنوان وتليفون الشركة التي يعمل حبيبُها بها.

وبعد يوْميْن دخلَ "فهمي" على أبيه في حجرة مكتبه وانفردا معاً في حديثٍ هام بصوْتٍ خفيض دون أن يسمعهما أحد:

  • شُفت يا بابا .. مفاجأة كبيرة!

  • خير؟!

  • أنا خليت واحد صاحبي في المباحث يسأل لي على عريس "إيمان" فـ…

  • وما رُحتِش ليه لابن عمّك "حسين" يعمل لك تحريّات عنه؟

  • ما انا رُحت له مكتبه ف القِسم لقيته مش فاضي فما حبِّتش أشغله بموْضوعي وقُلت اتصرَّف انا. 

  • ليه؟ .. كان بيحقّق مع مُجرم؟

  • لأ .. كان بيضرب واحد مُدرِّس ثانوي كسر عليه بعربيته ف الشارع فنزل اتخانِق معاه وضربه وجرّه ع القِسم علشان يأدِّبه .. سيبك م الكلام ده خلّينا ف المُهم ده الوقت .. عارف "إسماعيل" ده طلع مين؟ .. ده طلع ابن خالي "علاء".

  • (فاغراً فاه من الاندهاش) معقول؟! .. ابن البرنس "علاء" خالك!!!    

  • آه واللهِ .. أنا أوّل مرّة أعرف إن ليّا خال.

  • طَب اقفِل باب الأوضة وسُك ع الموْضوع ده وما تجيبش سيرة لحَد خصوصاً والدتك .. أصل ده سِر ما حدِّش يعرفه .. (وهو يشخصُ ببصره بعيداً ليتذكَّر) آخر مرّة شُفت فيها خالك ده يوم ما اتعيّنت حارس على أملاك جِدَّك الأمير "إسماعيل" ورُحت القصر أصادر أمواله ومجوْهراته واوقّع عليه الحَجْز وقابلت والدتك ساعتها واتفقنا ع الجواز بس قبل ما نمشي من القصر طلع لنا البرنس "علاء" من البلكونة وضرب عليّا نار من مُسدَّسه بس الرُصاصة جات ف كِتفي فطلّعت مُسدّسي ونشِّنت عليه لكن الطلقة صابته ف كِتفُه برضُه .. واتنقلنا احنا الاتنين للمستشفى بين الحياة والموت ودخلنا العمليّات .. ولمّا طلعت وفُقت م البِنج وعرفت إن البرنس "علاء" لِسّه عايش قُلت لزمايلي الظُبّاط يودّوه مستشفى السِجن علشان يكمّل علاجه ويقولوا لوالدتك إنه مات.

  • وبعدين؟

  • طلَع خالك من مستشفى السِجن وراح المُعتقل بتُهمة الشروع ف قَتلي وقَعَد هناك سنين ووالدتك فاكرة إن أخوها مات من ساعتها حتى ما رضيِتش تقول لكم إن لها أخ أصلاً علشان المشاكل اللي بينّا .. وبعد سَبَع سنين لمّا كنت مُلحَق عسكري ف سفارتنا ف "باريس" عرفت من عمّك "حسين" إنه طلع من المعتقَل وعمّك هدِّده بإنه ما يحاولش يدوَّر على اخته اللي هيّا والدتك وإلّا ح يعتقله تاني .. وبعدين اتجوِّز وخلِّف عيّلين ومراتُه ماتت وهيّا بتوْلِد العيّل التاني .. وكان قايل لولادُه إن اخته ميّتة علشان ما تحصلش مشاكل .. لغاية ما مات وسابهم لوحدهم  .. ما اعرفش إن الماضي لِسّه عايش!

  • طب ح نعمل إيه ده الوقت؟

  • ولا حاجة .. أنا ح اكلِّم وزير الإسكان يقول لأصحاب شركة المقاولات اللي "إسماعيل" ده شغّال فيها ينقلوه لمشاريعهم ف "سينا" .. ولازم اختك "إيمان" تقطع صلتها بيه نهائي .. أنا ح اسفّرها "أمريكا" تعمل الماجستير اللي كان نفسها فيه لغاية ما تنساه خالِص أو ح أجوِّزها لابن عمّك أهو ع الأقل من نفس مُستواها .. وعايزك لمّا اموت تحافظ ع السِر ده طول عُمرك. 

وهكذا تبودِلَت الأدوار وأُعيدَ توْزيعُها فانقلبت الطبقات وانعكست الدرجات وهُدِمَت حواجز وأقيمَت أسوار .. وانتصرَ باشوات هذا العصر الذين أعادوا فِعلَ ما كانوا يكرهون أن يُفعَلَ بهم …… حتّى الآن. 



(لم تتم بعد .. وتتوالى الأحداث)

google-playkhamsatmostaqltradentX