خمسيني
آهٍ يا زَمان .. خَمسونَ عام .. والقَلبُ شاب
يا لَيْلُ زُل .. فالفَجرُ آتٍ بالجَواب
أفَقتُ على شروقِ الشَيْبِ بَغتةً
فقُلتُ له: "أهَلْ حانَ إيابي؟"
فأنطَقَني الفُؤادُ بكُلِّ عِزٍّ
أنا الشامِخُ مَدى طولِ العذابِ
خَمسونَ مَضَتْ كالحُلْمِ تَجري
وما تَعِبَتْ من السَيْرِ رِكابي
صَمَدتُ بوَجهِ أيّامي طَويلاً
وما أنزَلتُ للخَوْفِ حِجابي
وإن رَمَتني النوائبُ بالسِهامِ
شَدَدتُ عِقالَ عَزمي باحتِسابِ
لأجلِ صِغاري الأحباب عِشتُ
وأرخَصتُ الدُموعَ باحتِسابِ
هُمُ العُمْرُ النَديُّ ونورُ عَيْني
وسَهمي حينَ تَشتَدُّ صِعابي
أنا الخمسينُ قَد حَلَّتْ رِكابي
وما نَقَصَتْ من الدُنيا شَبابي
أرى عُمْرَ العِشرينَ يَموجُ فيها
ويُشرِقُ نَبضُهُ رَغمَ الغيابِ
نَعَمْ شابَ الزَمانُ وما شِخنا
ونورُ اللهِ حِصنٌ للشَبابِ
كَرَّستُ لَهُم حَياتي كُلَّ عُمْري
ليَبقى زَهرُهًم عَذبَ الرِضابِ
حَمَيْتُ حِماهُم من كُلِّ ريحٍ
وأبذُلُ مُهجَتي دونَ ارتيابِ
أبٌ يَقِفُ الزَمانُ له احتراماً
ويَسلُكُ دَربَهُ بَيْنَ الذِئابِ
فلا تَحسَبْ بأنَّ الشَيْبَ ضعفٌ
ففي أعماقِهِ عُمقُ الصَوابِ
أنا النَخلُ الأبيُّ يَظَلُّ عالياً
ولا يَنحَني لعَصفِ السِحابِ
رَأيْتُ الدُنيا تُحني الرَأسَ قَهراً
وقَلبي ثابِتٌ مِثلَ الهِضابِ
رَضينا بالقضاءِ فَلا نُبالي
بما فيها من المُرِّ المُذابِ
خَمسونَ والأحلامُ تَمضي سماءً
تُنيرُ الكَوْنَ من بَعدِ الضبابِ
أنا الخمسينُ والأحلامُ بِكْرٌ
ونَبضي لم يزَل عُمْرَ الشَبابِ
يا رَب احفَظ صِغاري فهُم حَياتي
واسبِغْ نورَكَ عَبْرَ الرِحابِ