خبر
أخبار ساخنة

أفلام كمالة | د. أحمد صادق | كمالة فيلم "شيء من الخوف" (2)


عتريس (محمود مرسي) وفؤادة (شادية) وهما يقفان أمام دارهما

كِمالة فيلم "شيء من الخوف" (2) | "شيءٌ آخر من الخوف"


مرّت سنواتٍ طويلةٍ على ليلة انكسار عتريس، ورغمَ أن الفلّاحَ ما زال مُهمَّشاً ويعيشُ ظروفاً حياتيّةً صعبة؛ إلّا أن الدُنيا كانت قد تغيّرت، فقد دخلت الكهرباء أغلبَ القُرى وباتت الهواتف الذكيّة في يد جميع الأهالي فانتقلت مجالس النميمة والتحاور بينهم إلى وسائل التواصُل الاجتماعي والرسائل  الإلكترونيّة بعد أن كانت في المقاهي والمصاطب.

لكن شيئاً واحداً كان ينمو ويتضخّم داخل عقولهم وبصائرهم: "الخوْف".

كان أهل الدهاشنة قد ظنّوا أن سقوط "عتريس" سيجعلُ الخوْفَ يختفي إلى الأبد، وأن أبناءَهم وأحفادَهم سيعيشونَ أحراراً لا يخافونَ إلّا الله، لكنهم اكتشفوا بعد سنواتٍ طويلةٍ أن "عتريساً" قد يموت أمّا "العتريسيّة" فقد تعيش للأبد.

ذاتَ صباح استيقظت "الدهاشنة" على خبرٍ انتشرَ في الهواتف أسرعَ من انتشار النارِ في الهشيم: "السيّد الحاكم يزور الدهاشنة اليوم".

لم يكُن أحدٌ يعرف لماذا يأتي، قال أحدهم:

  • ربما سيفتتح المشروعَ الجديد.

وقال آخر:

  • ربما يأتي ليسمعَ شكاوى الناس.

فضحكَ رجُلٌ مُسنٌّ عرَكتْهُ الحياة كان يجلسُ أمامَ دُكّانه وقال:

  • الحاكمُ لا يأتي ليَسْمَع .. الحاكمُ يأتي ليُسْمَع.

سكتَ الجميع ولم يُعقِّبْ أحد، فقد كان الرجل العجوز يعرفُ شيئاً عن الحكايات القديمة لأنه حفيدُ أحد الذين عاشوا زَمَنَ "عتريس".

دخلَ موكب الحاكم المدينة في منتصف النهار: سيّاراتٌ سوداء - رجالٌ بملابسٍ رسميّة - كاميرات - لافتاتٌ كبيرةٌ تجهَّزت سريعاً تحملُ صورةَ الحاكم وعباراتٍ تُمجِّدُ عهده.

كان الناسُ مُصطفّين على جانبيْ الطريق الرئيس يُصفِّقون بأيْديهم خوْفاً لا فرحاً بينما تدقُّ قلوبُهم بعنف، وكان بينهم شابٌ وبجانبه زوْجته "فؤادة" (وقد سُميَّت هكذا تيمُّناً بجدّتها الكبرى بطلة الجزء الأول من الفيلم).

ومالَ الشاب على أُذُن زوْجته وقبلَ أن ينبَسَّ ببنت شفة وضعَتْ "فؤادة" يدها على فمه قائلةً بحَزم:

  • لا تهمس لي فالجدران أصبحت تسمعُ حتى ما لم تقُله.

في المساء، اجتمع بعض أهالي الدهاشنة في مقهىً قديم، كان التلفاز مُعلَّقاً على الحائط ويعرضُ خطابَ الحاكم الذي صاح قائلاً:

  • أيُّها المواطنون .. نحنُ نعيشُ عصرَ الحُريّة .. ولا مكانَ في بلادنا للخوْف .. ولكن بيننا مَن يُريدُ هَدم استقرارنا .. ولذلك فإن………

نظرَ الرجالً بعضُهم إلى بعض فقد انقطعَ التيّارُ الكهربائيُّ فجأةً وغرق المقهى في الظلام الحالك، ولكنه بعد دقائقَ عادَ ثانيةً ولكن خطاب الحاكم كان قد انتهى، فقال أحدهم:

  • انتهى الخطاب؟! .. هكذا سريعاً؟

فأجابه آخر:

  • لا .. لم ينتهِ بعد .. فقد وجّهَ لنا رسالةً ستظلُّ طويلاً داخل رؤوسنا.

واكتفى الرجُل بما قاله ولم يُفصِحْ عن مقصده، ولكن الجميع أدركوا ما قصده في اليوْم التالي بعد أن اكتشفوا اختفاءه عقب أن كتب على صفحته في الفيسبووك منشوراً مُبهَماً قالَ فيه:

"هُناك أُناسٌ يعيشون في السجن، وأُناسٌ يعيشونَ خارجه وهُم في خوْف منه دون أن يدخلوه".

بعد ساعاتٍ اختفى المنشورُ وصاحبه ثم اختفى كل من سألَ عنه.

وبدأَ الناسُ يتهامسون: لا تتكلَّم .. لا تسأل .. لا تتساءل .. لا تكتب.. لا تُعلِّق .. لا تقترب من أمورٍ شائكة .. الأفضل أن تصمت.

وكانت هذه الكلمات والعبارات هيَ أولى جُدرانٍ للسجن الذي وضعوا لبِناته الأولى بخوْفهم وسجنوا فيه عقولهم وأفكارهم قبل أن يسجنوا بداخله ألسنتهم وشفاههم.

في تلك الليلة، ذهبت "فؤادة" إلى بيْتِ جدّتها التي تجاوزت الثمانين، وعندما سُئِلت الجدّة عن أُمّها "فؤادة" الكُبرى أخرجت صندوقاً خشبيّ ًقديماً وأخرجت لحفيدتها صورةً بالأبيض والأسود كان فيها رجلٌ عليه أماراتٌ مُتجَهِّمة عابسة وامرأةٌ ذات ملامحَ جامدةٍ مُتبلِّدة وهُما يقفان أمامَ بيْتٍ ريفي، وقالت الجدّة:

  • أترين يا حفيدتي؟ .. هذان "عتريس" وأمّي "فؤادة" بعد أن أجبرها على الزواج منه .. لقد احتفظتُ بهذه الصورة طويلاً .. فبعض الأشياءِ لا تموت.

  • تقصدين يا جدّتي أن الحُبَّ لا يموت.

  • رُبّما .. ولكني أقصد أن الخوْفَ لا يموت إلّا بموْت صاحبه .. كان "عتريس" طاغية ولكن المشكلة أن الناسَ خافوا منه وصدَّقوا أنه أقوى منهم.

  • ولكنهم أسقطوه في النهاية.

  • نعم .. ولكنهم نسوا كيْفَ فعلوا ذلك! .. لم يكُن أوّلَ طاغية .. بل كانَ أوّلَ درسٍ لم يستوْعبه الكثيرون.

  • لقد فهمتُ ما تقصدينه يا جدّة .. "عتريس" القديم و"عتريس" الجديد وأي "عتريس لا يستطيعون قتلَنا جميعاً .. بل يحتاجون إلى خوْفنا .. يقتاتون عليه .. لا يكبرون إلّا به .. ولكن كيف السبيل إلى مواجهتهم؟ .. بالسلاح أم بالهرب؟

ابتسمت الجدّة المُخضرمة وقالت وهيَ تُربِّت على كتف الحفيدة:

  • بل بمواجهة أنفسنا أولاً .. علينا أن نواجه أنفسَنا بالحقيقة .. نواجه مخاوفنا أوّلاً .. لنتمكَّن من مواجهة الظالم والإجهاز عليه بعد أن نمنع عنه ما يقتات عليه ويكبر به.

عندئذٍ لمعت عيْنا "فؤادة" بعد أن أضاءت في خاطرها فكرةٌ خاطفة، فشرعت في تنفيذها فوْراً.

ودّعت جدّتَها وانصرفت، وما إن قابلت واحداً من أهل القرية حتى طلبت منه أن يُسجِّلَ - على هاتفها - بصوته فقط إجابةً على سؤالها: "ممَّ تخاف؟"، وتعهّدت له بعدم الإفصاح عن شخصيّته، ولمّا لمست منه تردُّداً وخشيةً على نفسه استدعت كل المارّين من حوْلها وجمّعتهم في حلقةٍ كبيرة وطلبت من كل واحدٍ وواحدةٍ أن يُجيبوا على سؤالها، وفتحت ميكروفون الهاتف وبدأت تسجّل الإجابة تِلوَ الأُخرى دون أن يُعرّف صاحب الإجابة نفسه، فتشجّعَ الناس وأدلى كل واحدٍ بدلوه، وفي النهاية جمّعت "فؤادة" (التي أعادت سيرة جدّتها "فؤادة" الكُبرى وبدأت المواجهة) عدداً مهولاً من الإجابات ضمّتها كلّها في تسجيلٍ واحد أرسلته من هاتفٍ مجهول (حتى لا يُكتَشَف أمرُها فيتمُّ التنكيلُ بها) إلى كل هواتف أهل "الدهاشنة".

وانتشر التسجيل الصوْتي كالنار في الهشيم وسمع الناس أصواتاً منهم تُمثِّلهم وهي تُجيب السُؤال بصوْتٍ خفيضٍ خجول وباختصار في البداية ثم ما لبثوا يُجيبون بصوْتٍ عالٍ شُجاع وبالتفصيل:

  • أنا خائف.

  • أنا خائفٌ جداً.

  • أخافُ على أكل عيْشي.

  • أخاف على زوْجي وأولادي.

  • أخاف على مستقبل أولادي.

  • أنا خائفٌ، لكنني لن أكذبَ بعدَ اليوْم.

  • أخافُ من عجزي عن تلبية طلبات عيالي.

  • أخافُ أن أموتَ وأنا صامتٌ جبان.

  • وأنا أيضاً .. أخاف من الاعتقال والتعذيب مرّةً أُخرى.

  • أخافُ من رصاصةٍ تُنهي حياتي دون أن يُحاسَبَ القاتِل.

  • أخاف من حساب ربي لأني عصيْته حين سكتُّ عن رد الظُلم.

  • أخافُ أن أختفي قسريّاً دون أن يعرف أحدٌ مكاني فيطويني النسيان بعد أن يُعاني أهلي.

  • أخافُ من الغُربة .. كنت مُغترباً في الخليج من أجل لُقمة العيش .. وعندما رجعتُ صِرتُ أشعرُ بالغربةِ في وَطني.

  • لم أعُد أشعر بشيءٍ في حياتي سوى الخوف .. الخوْف طغى على كل شيء .. صار يصبغ أيّامنا بألوانه القاتمة الكئيبة.

  • ……… 

ثم جاءت أصواتٌ أخرى .. عشرات .. ثم مئات .. ثم آلاف .. لم يكن أحدٌ يعرفُ مَن بدأ .. لم يعرف أحدٌ مَن تجرّأَ وتكلَّم .. لكن الجميعَ بدأَ يُشارك .. كان كل شخصٍ يُسجِّلُ جُملةً واحدة .. وفي ساعاتٍ قليلةٍ تُسمَعُ الجملةُ في كل مكان.

استدعى الحاكمُ مُستشاريه وقال غاضباً:

  • مَن بدأَ هذا؟

قال أحدهم:

  • لا نعرف سيّدي.

صرخَ الحاكم:

  • إذن اعرفوا!

قال آخر:

  • المشكلةُ ليست في شخصٍ واحدٍ يا سيادة الحاكم .. المشكلةُ أن الناس بدأوا يتحدَّثون دونَ خوْف.

  • إذن .. أوْقفوهم.

  • كيْف؟

  • كما أوْقفناهم دائماً من قبل.

  • لكنهم لم يعودوا يخافونَ بالطريقة نفسها .. لقد بدأت كرة الثلج في التدحرُج وأصبحت الآن ضخمةً للغاية ولن يكونَ بمقدورنا أن نوقِفَها.

في اليوْم التالي خرج الناس إلى الشوارع، لم يحمِلوا أسلحة، لم يُحطِّموا شيْئاً، لم يعتدوا على أحد، كانوا يحملون فقط أوراقاً صغيرة كتبوا عليها: "لا نريدُ أن نخاف".

وكانت الشُرطة تقفُ أمامَهم، وكان الجنودُ ينظرون إلى الناس، وكان الناس بدوْرهم ينظرون إلى الجُنود وفجأة تقدَّمَ الرجل المُسن صاحب الدُكّان الذي سخرَ من موْكب الحاكم قبل أيّام، ووقفَ أمام الجنود وقالَ بصوْتٍ جهوريٍّ سمعه الجميع:

  • يا أوْلادي .. نحنُ نخافُ منكم .. وأنتم أيضاً تخافون .. تخافون من الذين فوْقكم .. والذين فوْقكم يخافون من الذين فوْقهم .. وهكذا صنعنا جميعا ذلك الوحش .. نحن الذين نصنع ألف "عتريس" حين نخاف.

تنحّى الجنودُ جانباً وتركوا الناسَ تواصِلُ مسيرهم حتى وصلوا إلى قصر الحاكم الذي سمعَ أصوات جَلَبَتهم وهتافاتهم، فخرجَ إلى شُرفة القصر، ونظر إلى الشوارع حوْله، لم يرَ أتباعه، لم يرَ جنوداً، فقط رأى آلاف الوجوه الغاضبة التي زالَ عنها خوْفها، رأى آلاف العيون الساخطة التي تخلّت عن جُبنها، ولأوّل مرّة مُنذُ توليه الحُكم شَعَرَ هوَ نفسَه بالخوْف.

سألَ الحاكم مستشاره الواقف بجواره مُرتَعِباً:

  • ماذا يريدون؟

  • الحُريّة.

  • اعطوهم شيْئاً آخر.

  • لم يعُد يكفي .. لم يعودوا يهابونك .. أمّا الآن فقد عرفوا أنك تخافُ منهم.

في المساء عادت "فؤادة" إلى بيْت جدّتها، وضعت الصورة القديمة فوْق الطاولة، نظرت إلى وجه "فؤادة" الأولى، ثم دارَ هذا السِّجال بينها وبين جدّتها:

  • هل انتهى كل شيءٍ يا جدّة؟

  • لا يا ابنتي فالخوْف لا يموتُ مرّةً واحدة.

  • وكيْفَ يموتُ إذن؟

  • كلما خافَ إنسان مات جزءٌ منه .. والمعركة أطول من ذلك .. مواجهة الخوْف ليست النهاية .. علينا مواجهة الظُلم وعدم طاعة الظالم.

رفعت فؤادة رأسها، ونظرت إلى السماء، ثم أعادت النظر لتلك الصورة القديمة، لكنها لم تعُد ترى ذلك الـ"عتريس" ذو الملامح المُتجَهِّمة العابسة، رأته هذه المرّة وقد ارتسمت على وجهه علامات الخوْف وأمارات الجُبن.

وانتهت الحكاية، لكن الراوي قال:

لم يكُن "عتريس" رجُلاً واحداً، ولن تكونَ "فؤادة" امرأةً واحدة .. ففي كل زمانٍ ومكان يولَدُ "عتريسٌ" جديد ينتظِرُ "فؤادةً" جديدة .. حتى تقولَ الكلمةَ التي يخشاها دوْماً: "لا".



(لم تتم بعد .. وتتوالى الأحداث)

google-playkhamsatmostaqltradentX