فيلم "شيء من الخوف" (1)
نبذة:
هوَ فيلم مصري درامي تدور أحداثه في زمنٍ ما (غير مُحدَّد) في قريةٍ ريفيّةٍ مصريّة تُدعى "الدهاشنة"، يفرض عليها «عتريس» سلطته بالقوة والإرهاب، فيتحوّل أهلها إلى جماعةٍ خائفةٍ عاجزةٍ عن مُقاومته، وفي قلب هذا العالَم المُظلِم تنشأُ علاقة حُبٍّ بيْن "عتريس" و"فؤادة".
ولا يكتفي الفيلم بتقديم حكايةٍ عاطفيّةٍ أو صراعٍ بين الخيْر والشر، وإنما يستخدم القرية بوصفها صورةً رمزيّةً لمجتمعٍ يخضعُ للاستبداد بسبب الخوْف، ويطرح السُؤال الأهم: "ماذا يحدث عندما يكتشف المظلومون أن المستبد ليس أقوى منهم إلّا بقدر ما يمنحونه هُم من خوْف؟"
عُرِضَ الفيلم في 3 فبراير 1969، وهو مُصوَّرٌ بالأبيض والأسود - رغم أن السينما الملوَّنة كانت موجودةً آنذاك - وهو اختيارٌ أسهمَ في خَلْقِ أجواءٍ قاتمةٍ تتناسبُ مع عالَم الفيلم وفكرته.
طاقم الإبداع الفنّي:
الإخراج: حسين كمال.
الرواية الأصلية: ثروت أباظة.
السيناريو والحوار: صبري عزت.
كتبَ الأغاني وشارك في الحوار: عبد الرحمن الأبنودي.
مدير التصوير: أحمد خورشيد.
المونتاج: رشيدة عبد السلام.
الموسيقى والألحان: بليغ حمدي.
الإنتاج: صلاح ذو الفقار مع المؤسسة المصرية العامة للسينما والتلفزيون والمسرح والموسيقى.
الشخصيات الرئيسية والتأطيرية:
عتريس (محمود مرسي): هوَ الشخصية المحورية في الفيلم، ويُمثِّل المستبد الذي يحكُم بالخوْف والقهر، وقد كان في طفولته مُختلِفاً تماماً؛ طِفلاً رقيقاً مُحبّاً للحياة والطبيعة، لكنه يتعرَّض لتحوُّلٍ قاسٍ بعد مقتل جده، الذي كان بدوره طاغيةَ القرية، وقبل موْته يوصيه بالثأر، فيتحوَّلُ "عتريس" تدريجيّاً إلى نُسخةٍ أكثر قسوةً من جَدّه.
وهنا تكمُن إحدى أهم أفكار الفيلم: "الاستبداد ليس بالضرورة طبيعةً يولَدُ بها الإنسان، وإنما يُمكِنُ أن يكونَ سلوكاً مُكتسباً تخلقه بيئةُ العُنف والثأر والترهيب.
فؤادة (شادية): هيَ الوجهُ المُقابل لـ"عتريس"، وتُمَثِّلُ الحُب والحريّة والكرامة والمُقاومة، وكانت تحب "عتريس" منذ الطُفولة، لكنها ترفضُ أن تقبلَ تحوُّلَه إلى طاغية، وتُدرِكُ أن حُبَّها له لا يُمكِنُ أن يعني خضوعَها له، ولهذا تتحوَّلُ "فؤادة" تدريجيّاً من حبيبة "عتريس" إلى رمزٍ للمُقاومةِ الشعبيّة، وتُصبِحُ مواجهتُها له أهم اختبارٍ حقيقيٍّ لسُلطته.
الشيخ إبراهيم (يحيى شاهين): هو إمام مسجد القرية، ويُمثِّل صوْتَ الدين والضمير والحِكمة داخل القرية، وهو أحدُ الشخصيّات التي تكشف أن مُقاومةَ الظُلم لا تكونُ بالقوّةِ وحدها، وإنما تبدأُ أيضاً برَفْضِ الاعترافِ بشرعيّة الظالِم.
حافظ (محمد توفيق): هو والد "فؤادة" وأحد أبناء القرية، ويجد نفسَه مُحاصراً بيْن الخوْف من "عتريس" والرغبةِ في حماية ابنته.
أُم فؤادة (آمال زايد): تُمثِّل الجانب الأُسري والاجتماعي في الحكاية، وتكشف حجم الضغط الذي يفرضه استبداد "عتريس" على حياة الناس الخاصّة.
إسماعيل ورشدي وباقي رجال عتريس (صلاح نظمي وأحمد توفيق وغيرهما): يُمثلون جهاز القوّة التابع للمُستَبِد؛ فـ"عتريس" لا يستطيعُ فَرْض سُلطتِه بمُفرده، وإنما يحتاجُ إلى مجموعةٍ من الأتباع المُنتفعين منه والذين يُنفِّذون أوامرَه ويمارسون الترهيب على أهل القرية.
محمود (حسن السُبكي): ابن الشيخ إبراهيم، ويُمثِّل العاطفة البريئة والشباب المتمرِّد على الاستبداد والراغب في التحرًّرِ من القهر.
ملخّص الأحداث:
تبدأ الحكاية في قرية "الدهاشنة" التي يعيشُ أهلها تحت سطوة "عتريس"، الذي يفرض عليهم الإتاوات ويستخدم رجاله لإرهابهم وإجبارهم على تنفيذ أوامره.
لكن "عتريس" لم يكُن دائماً على هذه الصورة، في طفولته كان "عتريس" طفلاً بريئاً، وكانت تربطه علاقةً طفوليّةً بـ"فؤادة"، ومع مرور السنوات ينشأُ بيْنهما حُب، ويبدو أن "فؤادة" ترى في "عتريس" الإنسان الذي يُمكن أن تُحبه، لا الطاغية الذي تخشاه القرية.
غيْر أن حياة "عتريس" تتغيّر جذريّاً عندما يُقتَل جَدُّه المُستَبِد فيسير "عتريس" في استكمال طريق الجد بل يُصبِحُ أكثرَ بطشاً وقسوة.
يكبر "عتريس" وتكبر معه سُلطته، ويصبح أهل "الدهاشنة" أسرىً للخوْف، ويزداد الأمر سوءاً عندما يُريدُ "عتريس" الزواجَ من "فؤادة"، لكنها ترفض أن تكونَ زوْجةً لرجُلٍ يُمارسُ القَهْرَ على أهلها.
ومع رفضِها يُحاوِلُ "عتريس" استخدامَ سُلطته لإخضاعها، لكن "فُؤادة" لا تستسلم، فيتحوَّلُ الصِراع بيْنهما من قِصّة حُبٍّ إلى صراعٍ بيْن قوّتيْن مُتناقِضتَيْن: "قوّة القهر والخوف" في مواجهة "قوة الإرادة والكرامة".
وفي النهاية تصل المواجهة إلى لحظةٍ حاسمةٍ حينَ تُدرِكُ القريةُ أن "عتريس" ليس قوةً خارقة، وإنما إنسانٌ يستمِدُّ قوّتَه من خوْف الناس منه.
وهُنا تأتي اللحظة الرمزيّة الكُبرى التي يتحوَّلُ فيها الخوْفُ من "عتريس" إلى خوْف "عتريس" نفسِه من سقوط سُلطته، وتصبح مقاومة "فؤادة" (فَتْحها لهاويس مياه الري الذي أمرَ "عتريس" بإغلاقه لتعطيش الأرض وتهديد أهل القرية في مصدر رِزقهم) نقطةَ البداية لتحرُّكِ أهلِ القرية، لتتأكَّد الفكرة المركزيّة للعمل: "حينَ يتوقَّفُ الناسُ عن الخوْف، يفقِدُ المُستبدُّ أهمَّ سلاحٍ يمتلكه".
الأفكار والقضايا التي يُناقشها الفيلم:
الخوْف بوصفه أداةٌ للحُكم المُستَبِد:
فالخوف ليس مُجرَّد إحساسٍ لدى أهل القرية، بل هو نظام حُكم، فــ"عتريس" لا يحتاج إلى وجوده في كل مكان؛ يكفي أن يعتقدَ الناسُ أنه قادرٌ على عقابهم حتى يُنفِّذوا أوامره بأنفسهم، وهكذا يصبح الخوف أكثر فاعليّةً من السلاح.
الاستبداد لا يعيش بقوة المستبد وحده
الطغيان لا يقوم على ديكتاتور فرد:
فالطاغية لا يستطيعُ أن يحكُمَ مُجتمعاً كاملاً بمُفرده بل يحتاجُ إلى رجالٍ يُنفِّذون أوامرَه، وإلى أشخاصٍ يخافون منه، وإلى صَمْتٍ جماعيٍّ يسمحُ له بالاستمرار، ولهذا فإن سقوط الاستبداد يبدأ عندما ينكسر هذا التواطُؤ القائم على الخوْف.
انتقال القهر من جيلٍ إلى جيل:
يُمثِّلُ "عتريس" نموذجاً لإنسانٍ ورثَ ثقافة العُنف بعد أن ترك له جدّه إرثاً مليئاً بالقسوة، ويُمثِّل أهل القرية منظومةً لمُجتمعات ورثَتْ الخوْف بعدَ أن تركَ لهم أهاليهم إرثاً مُفعماً بالرهبة، وسيستمر الأمر على نفس الحال إذا لم تُكسَر هذه الحلقة.
الحب في مواجهة السلطة:
العلاقة بين "عتريس" و"فؤادة" ليست مجرد قصة حُبٍّ رومانسيّة، إنها في جوْهرها صراعٌ بيْن: "الحب" الذي يحتاجُ لإنسانٍ حٌر و"السُلطة" التي تستلزمُ إنساناً تابعاً، فـ"عتريس" يُريد "فؤادة" لنفسه لكنه لا يعرفُ أن يُحبَّها بوصفها إنسانةً حُرّة؛ ولذلك يتحوَّل الحُب عنده إلى امتلاكٍ وقهر، أمّا "فؤادة" فتُصِرُّ على أن الحُب الحقيقي لا يُمكن أن يقومَ على الإكراه والاستعباد.
المرأة باعتبارها رمزاً للمُقاومة:
"فؤادة" ليست شخصيةً عاطفيّةً هامشيّة، بل هيَ القوّة التي تُواجهُ "عتريس" عندما يعجز الآخرون عن مُواجهته، ولهذا أصبحتْ تلكَ الشخصيّة واحدةً من أشهر الشخصيّات النسائيّة في السينما المصريّة؛ فهي لا تُواجه الاستبدادَ بالسلاح وإنما برفضِها أن تخضعَ له.
السُلطة حين تتحوَّلُ إلى غاية:
تعوَّدَ "عتريس" لاستخدام القوّة لتحقيق هدفٍ مُحدَّدٍ وهو السُلطة، وكلما ازداد نفوذُه ازداد خوْفُه من فقدان ذلك النُفوذ فيزدادُ قَمعاً فيزدادُ الناسُ خوْفاً، فتدخلُ القريةُ في دائرةٍ مُغلقةٍ مُفْرَغةٍ من: استخدام القوّة ← زيادة النفوذ ← الخوْف من فقدان السُلطة ← خضوع المحكومين وخوفهم ← المزيد من استخدام القوة .. وهكذا دواليك.
دور الفرد في قيادة الجماعة:
"فؤادة" (باعتبارها قائدةً لمُقاومة الديكتاتوريّة) تبدأُ وحدها تقريباً في مواجهة "عتريس"، لكن موقفها الفردي يتحوّل تدريجيّاً إلى وعيٍ جماعيٍّ لأهل القرية (باعتبارها صورةً مُصَغَّرةً للمجتمع المقهور) فينكسرُ حاجز الخوْف.
بُطلان ما بُنيَ على باطل:
يُجسِّدُ الفيلم رمزيّة العِقد الشرعي والاجتماعي المفقود بيْن الحاكم (الذي يلتزم بواجبه في الحُكم السليم) والشعب (الذي يتخلّى عن حقّه في مُراقبة ذلك الحُكم وتقويمه.
الأبعاد المعنويّة للأرض:
يُبرِزُ الفيلم العلاقة بين الفلّاح وأرضه، وكيف تكون قطرة الماء رمزاً للحياة والحرية، وكيف أن التعدّي على الأرض هوَ تعدٍ سافرٍ على كرامة الفلّاح ووجوده.
القيمة الفنية للفيلم:
يُصنَّفُ الفيلم ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية والعربيّة بفضل بناءه الدرامي المُحْكَم ورؤيته السياسيّة والاجتماعيّة العميقة، كما أنه جمعَ بين الحكاية الشعبيّة البسيطة وبيْن الرمز السياسي والاجتماعي العميق، ولهذا سيظلُّ عملاً فريداً تجاوزت دلالته زمن إنتاجه لتظلَّ قابلةً للقراءة في سياقات اجتماعيّةٍ وسياسيّة مُختلفة وفي عصورٍ مُتعاقبة.
الخُلاصة:
الحاكِم المُستَبِد قد يمتلكُ القُوّة، لكنه لا يستطيع أن يحكُمَ شعباً إلّا إذا ضمنَ خوْف ذلك الشعب؛ فإذا انكسر حاجز الخوْف، بدأت سُلطة المُستَبِد في الانهيار.
