خبر
أخبار ساخنة

أفلام كمالة | د. أحمد صادق | كمالة فيلم "الصعود إلى الهاوية" (2)


خالد سليمان بطل "الصعود إلى الهاوية" بعد أن أصبح لواء متقاعد ويحاضر في ندوة للمخابرات العامة عن الأمن السيبراني

كِمالة فيلم "الصعود إلى الهاوية" (2) | "قِمّة الهاوية"



وبعدَ أن سَعَلَ بشِدّةٍ طويلاً؛ تناولَ كأسَ الماء الموْضوع أمامه، ثم استكمل اللواء متقاعد "خالد سليمان" محاضرته التي يحضرها عشرات الضُبّاط في قاعة مؤتمرات المخابرات العامّة المصريّة قائلاً بصوْتٍ خفيضٍ يشوبه الوَهَن:

  • عفواً .. الكُحة مش سايباني بقى لها فترة .. بَس كتّر خير الدُنيا .. راجل زَيّي في التمانينات ومُدخِّن كمان كويّس إني عايش لغاية ده الوقت .. هههههه .. ربّنا يديكم الصحّة .. فيه حد عنده سؤال قبل ما ننهي الندوة دي؟

وقام من بين الحاضرين ضابطٌ شاب وتقدَّم حيث وُضِعَ الميكروفون على المنصّة الجانبيّة وقال: 

  • أنا الرائد "طارق مدكور" من إدارة الأمن السيبراني بالجهاز وكُنت عايز …  

وصاح "خالد" مُقاطِعاً:

  • الأمن الإيه؟ .. معلهش مش فاهم.

فأجابه "طارق" وهو يبتسم في تواضُع متفهِّماً:

  • إدارة الأمن السيبراني يا فندم ده فرع مُستجَد من أمن المعلومات هدفه فقط حماية البلد من الاختراق أو الهجمات الإلكترونيّة اللي ممكن تحصل عن طريق الإنترنت .. يعني الدولة الآن بتعتمد في كل مؤسساتها على الرقمنة والتشفير وحفظ البيانات الحسّاسة على خوادم ومواقع إنترنت خاصّة بالدوْلة .. مش في خزائن حديديّة أو أرشيف ملفّات ورقيّة زي زمان .. وعلشان حد يعرف البيانات دي لازم يبقى معاه تصريح أو كلمة سر متشفّرة .. لكن فيه لصوص أو قراصنة أو جواسيس خُبرا في الموْضوع ده وبيقدروا يفكّوا الشفرات دي ويخترقوا النظام علشان يسرقوا البيانات أو يسيْطروا على النظام كلّه .. إحنا بقى في المخابرات بنتصدّى للناس دول فنمنعهم من سرقة البيانات دي اللي ممكن يعرفوا منها أسرار النظام الاقتصادي أو العسكري عن طريق إننا نعمل برامج مُضادّة للاختراق ونُشرِف على إجراءات الدفاع الرقمي .. مش بَس كده .. ده احنا ممكن نعمل لهم كمين علشان نعرفهم وده اللي بنسمّيه كمين "صندوق العسل" (Honeypot) .. يعني مثلاً بنكتب ملف مُزيّف فيه معلومات مغلوطة غير حقيقيّة ونسمّيه "الخطّة الاستراتيجية للجيش المصري لعام 2026" بحيث يحتوي الملف على أكواد تتبُّع رقميّة ما حدّش يعرفها غيرنا .. ونرفع الملف ده على خادم شبكة (Server) تبعنا بيحتوي على ثغرة أمنية مُصطنعة ومُغرية للمختَرِقين .. فيقوم جاسوس مثلاً باختراق الخادم أو السيرفر وأوِّل ما يسحب الملف ده ويفتحه على جهازه بيتِم تفعيل أكواد التتبُّع ونعرف عنوانه وبياناته ونقدر نوْصل له بمنتهى السهولة من غير ما نراقبه ونسجّل له ونصوّره زي أساليب زمان .. سؤالي بقى: مش شايف حضرتك إن العالَم اتغيّر وإن تجربتك مع الجاسوسة "عبلة كامل" ما بقى لهاش أي قيمة نقدر نستفيد منها حالياً؟

فاقترب "خالد" من الميكروفون الموْضوع أمامه على المنصّة الرئيسيّة ورفعَ صوْتَهُ مُتحمِّساً وكأنه شابٌّ في الثلاثين قائلاً باندفاع:

  • غَلَط .. إيّاك تقلِّل من تجارب اللي سبقوك حتى لو كانوا أقل منك تطوّراً .. بل بالعكس لازم تتعلّم منهم .. يمكن تكون الأساليب والطُرُق هيَّ اللي اتغيّرت واتطوّرت .. لكن البشر لأ .. المصري - زَيْ غيره - ما بيتولدش خاين بطبعه .. والإسرائيليّين ما بيْدوَّروش على جاسوس علشان يجنّدوه .. الإسرائيليّين بيْدوَّروا على نقطة ضعفه الأوِّل وبيستدرجوه من خلالها .. فيه واحد بيغروه بالفلوس .. وواحد بيغروه بالجنس .. وواحد بيبتزّوه .. وواحد بيوْهموه بإنه ح يتعاون معاهم من أجل قضية نبيلة زَيْ منع الحرب مثلاً .. وواحد بيستغِلّوا يأسه وغضبه فبيتجسِّس على بلده انتقاماً من النظام اللي كان السبب في فقره وعيشته في ذُل وما بيقدرش يفرّق بين النظام والوطن .. والنوع الآخراني ده بقى كتير قوي للأسف .. يأس الشباب بيزيد يوم عن يوم .. على أيّامنا ما كُنّاش بنسمع عن غرق الشباب في مراكب الهجرة غير الشرعيّة .. اليأس دفعهم للموت .. إذن: "ما تدوَّرش على جاسوس .. دوَّر على واحد عنده سبب يبرَّر بيه لنفسه إنه يبقى جاسوس" .. فهمت؟

*****

وبعد أسبوع وصلت للرائد "طارق" معلومات تفيد بأن كميناً لإحدى "صناديق العسل" التي وضعتها إدارته قد أوْقعت بجاسوسٍ مُحتَمَل يُدعى "آدم منصور".

أمرَ "طارق" مرؤوسيه بجمع المعلومات عن المُشتَبه به، وجاءت نتيجة التحريّات كما يلي:

"المُشتَبَه به كان يعمل مهندساً بـ"شركة الاتصالات الوطنيّة العامّة" بمُرتّبٍ ضئيل، وكان دائمَ الشَكوى من ضيق الحال وقِلّة التقدير المادي والأدبي والمعنوي في وطنه، وكان يُقارن بين نفسه - باعتباره مهندساً ذكيّاً حاصلاً على دراساتٍ عُليا في علوم الحاسب (الكمبيوتر) - وبين لاعبي الكرة والفنّانين والراقصات والتيك توكرز التافهين الذين أصبحوا أثرياء ومشهورين وذوي نفوذٍ وسطوة.

وفجأة قدَّمَ استقالته من الشركة بداعي مرض أبيه واحتياجه للرعاية، ورغم أنه أصبحَ بلا عمل إلّا أن علامات الثراء ظهرت عليه بَغتةَ فعالج أباه بمستشفى استثماري كبير في آخر أيّامه قبل أن يموت ،ثم قام بشراء شقّةٍ جديدةٍ وسيّارةٍ فارهة، ……"

وعندما انتهى "طارق" من قراءة تقرير التحريّات تذكّر قوْل اللواء "خالد سليمان": "ما تدوَّرش على جاسوس .. دوَّر على واحد عنده سبب يبرَّر بيه لنفسه إنه يبقى جاسوس"، فقامَ من فوْره وأبلغَ رؤساءه بخطته في الإيقاع بالمُشتَبَه به، ثم قَنَّنَ إجراءات استجوابه ولكنه فضّل عملَ ذلك في هدوءٍ دون لفت الأنظار .

وفي المساء كان "طارق" يرن جرس باب منزل "آدم" الذي فتحَ له وقبل أن يسأله عن شخصيّته دفعَ "طارق" "آدم" برفقٍ ودخلَ ثم أغلق الباب عليهما وأبرزَ بطاقة هويّته وهو يقول:

  • أنا الرائد"طارق مدكور" من جهاز المخابرات العامّة.

أُسقِطَ في يَدِ "آدم" وجَمَد في مكانه وقال مُتلعثماً:

  • أأأ .. أهلاً يا باشا .. خير .. خير .. فيه .. فيه إيه؟ .. فيه حاجة؟

  • في هدوء كده ومن غير شوْشَرة .. عايزك في كلمتين .. أنا جاي لك لوحدي هنا .. بس العمارة كلها والشارع كمان مترشَّق ظُبّاط ومُخبرين .. فما تحاولش تعمل مشاكل وتعالى معايَّ دوغري أحسن لك.

  • حا .. حاضر يا فندم .. أنا .. أنا تحت أمرك.

  • الأوِّل وَرّيني الكمبيوتر بتاعك اللي دخلت منه على الشبكة بتاعة وزارة الدفاع.

  • لأ .. لأ .. أنا ما عملتش حاجة .. ما ليش دعوة .. أنا… 

  • ششششش .. أنا قُلت لك إيه .. ما تتعبنيش علشان ما اتعبكش.

واستسلم "آدم" لقَدَره وأرشدَ "طارق" للجهاز فتأكّد الأخير من أنه نفس الجهاز بنفس رقم الإنترنت (IP) الذي وقع في شِرك "صندوق العسل"، وتداعى "آدم" على كرسيه واعترف:

  • أنا كنت في مؤتمر دولي للاتصالات هنا في "القاهرة" واتعرّفت على صحفيّة إمريكيّة وعرضت عليَّ اشتغل من بيتي من خلال الكمبيوتر في شركة إنترناشيونال بمرتّب ضخم .. بس انا قلقت منها ورفضت .. فسابت لي رقم تليفونها وبريدها الإلكتروني علشان اتصل بيها لوْ غيّرت رأيي .. وبعد شهرين بابا - الله يرحمه - جا له سرطان البروستاتا واحتاج مصاريف علاج كتيرة .. إضطرّيت أتصل بيها واوافق على الشُغل بَس طلبت منها فلوس تحت الحساب .. قالت لي أبعت لها شويّة ملفّات خاصّة بالمشاريع الجديدة للشركة بتاعتي .. ولمّا بعتّها حوّلِت لحسابي عشر تلاف دولار .. ساعتها حسّيت إني غلطت لإفشاء أسرار شركتي فقدِّمت استقالتي وبلّغتها بكده علشان ما تطلبش مني حاجة تانية.

  • وبعدين؟ .. كمِّل.

  • لقيتها بتتصل بيَّ بعد كده وبتطلب مني أخترق شبكة وزارة الدفاع المصريّة واجيب منها ملفّات عن أسرار عسكريّة .. واللهِ يا باشا أنا رفضت ف الأوِّل بَس هيَّ هدِّدتني بإنها تفضحني بالملفّات اللي بعتّها لها قبل كده وبالرسايل اللي بيني وبينها.

  • ها؟

  • وحصَل اللي حصل.   

  • طلبِت منّك حاجة تاني؟

  • آه .. كانت عايزاني أبعت لها ملف أنظمة شفرات الاتصالات العسكريّة والأكواد الأمنية اللوجستيّة .. بس ما عرفتش أجيبه لحد ده الوقت.

  • طب ابعت لها رسالة إنك نقلت الملف في فلاشة معاك .. وقول لها تيجي "مصر" تاخُدها بنفسها بَس تجيب معاها 50 ألف دولار .. وابقى اتواصل معايَّ ع الأرقام دي وقول لي عملت معاها إيه .. ما تنساش إنك تحت عنينا 24 ساعة وتليفوناتك والكمبيوتر بتاعك متراقبين .. ولازم تتعاون معانا علشان تحسّن موْقفك ف القضيّة يمكن الحكم يتخفِّف عليك.

ونفَّذَ "آدم" ما طلبه "طارق" منه، ولكن تلك الصحفيّة لم تستجِب له وتعلّلت بأن وراءها ما يمنعها عن الحضور إلى "القاهرة" ولكنها ستُرسل له مَن يتسلّم الفلاشه منه ويُسلِّمه المبلغ المطلوب، وأبلغَ "آدم" الرائد "طارق" بتفاصيل الاستلام والتسليم من مكانٍ وزمان، فترصَّد "طارق" وزملاؤه لقاء هذيْن الجاسوسيْن ("آدم" والرجل الآخر)، وتمَّ القبض عليهما وإحالتهما للمحاكمة مع باقي أفراد شبكة التجسُّس التي أرشد عنها الرجل الآخر. 

وقبل أن ينصرف "طارق" إلى بيته جاءته رسالةٌ على هاتفه مفادها: "نرجو التوجّه لمقر العمل حالاً .. شخصٌ آخر وقعَ في صندوق العسل".       



(لم تتم بعد .. وتتوالى الأحداث)

google-playkhamsatmostaqltradentX