فيلم "الصعود إلى الهاوية" (1)
نبذة:
يُعد هذا الفيلم واحداً من أبرز أفلام الدراما / التشويق / الجاسوسية في تاريخ السينما المصرية، وقد عُرض في 2 أكتوبر عام 1978 في ذِكرى نصر أكتوبر 1973، مُستنداً إلى قصة حقيقية من ملفات المخابرات العامة المصرية عن الجاسوسة الحقيقيّة "هبة سليم"، مع إجراء بعض التغييرات الدرامية على الشخصيّات والأحداث.
واللافت في الفيلم أن عنوانه "الصعود إلى الهاوية" يحمل مفارقة مقصودة: فكلما ظنت عبلة أنها تصعد اجتماعيّاً وماديّاً وتحقق أحلامها، كانت في الحقيقة تهوي أخلاقيّاً ووطنيّاً نحو نهايتها.
طاقم الإبداع الفنّي:
الإخراج: كمال الشيخ.
الإعداد : صالح مرسي.
السيناريو والحوار: ماهر عبدالحميد وصالح مرسي.
الإنتاج: شركة آمون (سامي عامر).
التصوير: رمسيس مرزوق.
الموسيقى التصويريّة: طارق شرارة.
المونتاج: سعيد الشيخ (شقيق المخرج).
الشخصيات الرئيسية والتأطيرية:
عبلة كامل (مديحة كامل): وهيَ شابة مصرية طموحة وطموعة تعيش حالة من التمرُّد على واقعها الأسري والاجتماعي، وتسافر إلى "فرنسا" للدراسة، تقع في فخ "الموساد"، ثم تتحول تدريجياً من ضحيّة للاستدراج إلى مُشارِكة واعية في التجسُّس، قبل أن ينتهي بها الأمر إلى السقوط الكامل.
المقدم خالد سليمان (محمود ياسين): هوَ ضابط المخابرات المصرية الذي يتولى كشف شبكة التجسس وملاحقة عناصرها، ويمثل الجانب المقابل لـ"عبلة"؛ فهو يعتمد على الصبر والتحليل والمراقبة والتخطيط، بدل المواجهة المباشرة.
إدمون (جميل راتب): هوَ ضابط الاتصال الإسرائيلي الذي يتولى تجنيد "عبلة" وإدارة شبكة التجسس، وهو رجل شديد الذكاء يعرف كيف يستغل نقاط الضعف لدى ضحاياه.
المهندس صبري عبدالمنعم (إبراهيم خان): خطيب "عبلة" ويعمل ضابط مهندس في بناء المنشآت العسكرية المصرية، تستغل "عبلة" حبه لها في تجنيده، من دون أن يدرك في البداية حقيقة اللعبة التي أصبح جزءاً منها.
مادلين (إيمان): صديقة "عبلة" في فرنسا، وتصبح حلقة الوصل التي تقودها إلى "إدمون".
كامل عبدالعزيز (عماد حمدي): والد "عبلة"، وتمثِّل شخصيته جُزءاً من الخلفية الأسرية والنفسية ورمز الأصل والوطن والتي تساعد على فهم اضطراب علاقة البطلة ببيئتها الأولى.
ضابطان من رجال المخابرات المصريّة (نبيل نور الدين وصلاح رشوان): وهما يساعدان المقدّم "خالد" في عملية الكشف عن الشبكة.
ملخّص الأحداث:
تدور الأحداث إبّان حرب الاستنزاف (في الفترة بين هزيمة 1967 ونصر 1973) عندما تسافر "عبلة كامل عبد العزيز" إلى "باريس" للدراسة، هرباً من حياة أُسريّة مضطربة، وطمعاً في بناء مستقبلٍ مختلف، وهناك تتعرَّف على "مادلين" التي تقودها بصورة غير مباشرة إلى ضابط "الموساد" "إدمون".
يبدأ "إدمون" في استدراج "عبلة" من خلال إغراقها في حياة الرفاهية وإقناعها بأنه يعمل في مجالٍ دولي يسعى إلى السلام، ومع الوقت تستجيب لإغراءاته، وتبدأ في نقل معلومات عن المصريين الموجودين في "باريس"، ثم تكشف له معلوماتٍ تتعلَّقُ بخطيبها المهندس "صبري" وعمله في المواقع العسكرية المصرية.
تُستَغل المعلومات التي تصل إلى "الموساد" في استهداف مواقع عسكريّة مصرية، وحين تُدرِك "عبلة" أنها أصبحت تعمل لحساب "إسرائيل" لا تتراجع، بل يستمر "إدمون" في إحكام قبضته عليها من خلال المال والامتيازات والتهديدات غير المباشرة.
ثم تنتقل المهمّة إلى مرحلةٍ أخطر؛ إذ تُطلَب منها العودة إلى مصر والتقرُّب من "صبري" لتجنيده، وبالفعل تستغل حبّه لها، فيصبح جزءاً من شبكة التجسُّس.
في المقابل؛ تبدأ المخابرات المصرية في ملاحظة وجود تسريب للمعلومات العسكرية، ويتولّى المقدّم "خالد سليمان" التحقيق في الأمر حتى يصل إلى "صبري"، ثم يستخدمه لإرسال معلومات مُضلِّلة إلى الشبكة.
يسافر "خالد" إلى "باريس"، ويتتبَّعُ الخيْط الذي يقوده إلى "إدمون" ثم إلى "عبلة"، ويكتشف اتساع شبكة علاقاتها واتصالاتها.
وفي النهاية تُدبَّر عمليّة لإعادة "عبلة" إلى "مصر"، حيث يتم القبض عليها لتُحاكَم (وفيما بعد تصدر بحقّها عقوبة الإعدام).
وينتهي الفيلم بعوْدتها إلى "مصر" بعد سقوطها الكامل، في مشهد ذي دلالة رمزية قوية على العودة إلى الوطن بعد فوات الأوان.
وتُعَد الجملة الأيْقونيّة التي قالها ضابط المخابرات المصري للجاسوسة في مشهد النهاية وهو يُشير إلى أرض "مصر" قائلاً: "هي دي مصر يا عبلة" من أشهر العبارات والمشاهد في تاريخ السينما المصريّة.
الأفكار والقضايا التي يُناقشها الفيلم:
خيانة الوطن:
القضية المركزية في الفيلم هي الخيانة؛ فالمعلومات التي تبدو في البداية مجرد أحاديثٍ عابرة تتحوَّل إلى معلوماتٍ عسكرية تؤثر في أمن بلدٍ بأكمله.
كيفية صناعة الجاسوس:
لا يقدم الفيلم الجاسوس باعتباره شخصاً يولَدُ خائناً بالضرورة، بل يكشف كيف يمكن استغلال الطموح والاحتياج والغرور والفراغ النفسي والرغبة في الثراء لصناعة جاسوس.
الاستدراج النفسي:
أحد أهم عناصر الفيلم أن "إدمون" لا يبدأ مع "عبلة" بطلب معلوماتٍ عسكريّة، بل يبني علاقة طويلة معها، ويمنحها الثقة والمال والحياة المرفَّهة، ثم ينتقل تدريجيّاً إلى استغلالها.
المال في مواجهة الانتماء:
يضع الفيلم "عبلة" أمام معادلة أخلاقية قاسية: "هل يمكن للمال والرفاهية أن يصبحا بديلاً عن الوطن؟".
والإجابة التي يقدمها الفيلم مأساويّة؛ فالرفاهية التي حصلت عليها "عبلة" كانت في الحقيقة ثمناً لشيءٍ لا يُمكِن تعويضه.
الحُب عندما يتحوَّل إلى أداة ابتزاز:
يُستغل حُب "صبري" لـ"عبلة" في تجنيده، وهُنا يتحوَّل الحُب من علاقةٍ إنسانيّة إلى وسيلةٍ للتلاعُب والسيْطرة.
الأُسرة والبيئة الاجتماعيّة:
لا يُقدِّمُ الفيلم الأسرة باعتبارها مجرد خلفيّة للأحداث؛ بل يحاول أن يُفسِّرَ جُزءاً من شخصية "عبلة" من خلال البيئة التي نشأت فيها وشعورها بالاغتراب عنها.
الصراع العربي الإسرائيلي:
الفيلم وليد مرحلة شديدة الحساسية من الصراع المصري الإسرائيلي، ولذلك تتحوَّل الجاسوسيّة فيه من مغامرةٍ فرديّة إلى جُزءٍ من صراعٍ أكبر يتعلَّقُ بالأمن القوْمي والعسكري.
القيمة الفنيّة للفيلم:
تتمثَّل القيمة الفنيّة الأساسية للفيلم في أنه لم يعتمد على الإثارة وحدها، وإنما جعل التحليل النفسي للشخصيّة جُزءاً من التشويق.
فالمُخرِج (كمال الشيخ) يبني التوتُّر على مراحل: فتاة تبحث عن حياة أفضل، ثم امرأة تقع في شبكة من العلاقات، ثم جاسوسة، ثم شخص تحاول المخابرات المصرية تفكيك الشبكة المحيطة به.
كما أن الفيلم استفاد كثيراً من أداء أبطاله، وبالأخص "مديحة كامل" التي تحمّلت العبء الأكبر من العمل، و"محمود ياسين" الذي منحَ شخصية "خالد" هدوء رجل المخابرات الواثق، و"جميل راتب" الذي قدَّمَ نموذجاً مختلفاً لضابط "الموساد"؛ نموذجاً يعتمد على الذكاء والهدوء والإقناع أكثر من العنف والاستعراض.
وقد وصلتْ مكانة الفيلم إلى أنه اختير في المركز 75 ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في ذاكرة السينما المصرية في الاستفتاء الذي أُجريَ بمناسبة مرور 100 عام على عرض أول فيلم سينمائي في "الإسكندرية"، كما حصل عام 1979 على جائزة الدولة للإنتاج والإخراج والمونتاج.
والأهم أن الفيلم لا يجعل المخابرات مجرد جهاز يطارد الجاسوس؛ بل يجعل المطاردة نفسها لعبة ذكاء، بحيث تتحول المعلومات إلى سلاح، ويصبح التضليل جزءاً من عملية الكشف.
الخُلاصة:
"الصعود إلى الهاوية" ليس مجرد فيلم عن جاسوسة مصرية سقطت في يد "الموساد"، وإنما هو فيلم عن الانحدار التدريجي للإنسان عندما يسمح لضعفه وطموحه وغروره بأن تصبح أدوات في يد الآخرين.
وقوة الفيلم الحقيقية تكمن في أن "الهاوية" لا تظهر فجأة أمام "عبلة"؛ فهي تبدأ منذ اللحظة التي تقبل فيها أول تنازل صغير، ثم يأتي التنازل الثاني والثالث، حتى تجد نفسها في النهاية غير قادرة على العودة.
ولهذا ظل الفيلم واحداً من أهم أفلام الجاسوسيّة المصريّة، ومن الأعمال التي جمعت بين التشويق السياسي، والتحليل النفسي، والدراما الإنسانية، والبُعد الوَطني، فضلاً عن كوْنه محطةً فارقةً في مسيرة "مديحة كامل" و"كمال الشيخ".
إنه فيلم عن جاسوسية تبدأ بالمال، وتتغذى على الضعف، وتنتهي حين يكتشف الإنسان أنه لم يعُد يملك طريق الرجوع.
