خبر
أخبار ساخنة

رغيف خبز ما بين أبو العتاهية والعقاد (2)

الصفحة الرئيسية

عباس العقاد يتكئ على عصاه وبجانبه الكتب والقلم واريشة ورغيف الخبز وامرأة جميلة تمسك كأس شراب


في الضرورات والكماليّات | العقّاد



مُقدِّمة عن القصيدة: 

القصيدة تُناقش مشكلة السعادة الإنسانيّة بطريقةٍ رمزيّةٍ ساخرة، فالإنسانُ يريدُ كُلَّ شيء: الخُبز (بقاء الحياة) + الوجه الجميل (الحُب) + كأس الشراب (اللذّة).

لكن حينَ يُجبَرُ الإنسان على الاختيار بينها يكتشفُ أن كل اختيارٍ يحملُ خسارةً لباقي الاختيارات، فهل السعادة الحقيقيّة هيَ مُجرّد امتلاك بعض الملذّات، أم أنها لا تكون سعادةً إلّا إذا اكتملت معاً ولم يُجبِرُنا القَدَرُ على التضحية بأحدها؟

أبيات القصيدة وشرحها:

رغيفُ خُبزٍ، ووَجهٌ

حُلْوٌ ،وكأسُ مُدام

الشاعر هُنا يضع أمام الإنسان ثلاثةَ أشياءٍ ترمُزُ إلى ثلاثةِ ألوانٍ من الحاجة والمُتعة: رغيف الخبز (يُمثِّل الطعام والحياة والبقاء)، الوجه الحلو ( يُمثِّل الحُب والجمال والرفقة الإنسانيّة)، كأس المُدام (يُمثِّل الشراب واللذّة والنشوة والهروب من متاعب الحياة).

وتِلكَ جَنّةُ عَدْنٍ

في مَذهبِ "الخيّام"

أي أن هذه الأشياء الثلاثة - في التصوُّر المنسوب إلى الفيْلسوف "عُمَر الخيّام" - تكادُ تُمَثِّلُ جَنّة الإنسانِ على الأرض: أن يجدَ ما يأكل، ومَن يحب، وما يمنحه لحظةً من المُتعةِ والنشوة.

قالوا: ونوديَ يوْماً 

ما تشتهي في يَديْكَ

دَعْ مطلباً منه فرداً

والباقيان لَدَيْكَ

يتخيَّلُ الشاعر أن يتمَّ تخيير الإنسان ما بيْن الأشياء الثلاثة، وأنه قيلَ له: اخترْ اثنيْن منها، واترُكْ واحداً فقط .. وهُنا تبدأُ المُعضِلة.

فحارَ بيْنَ رغيفٍ

إن فاتَهُ ماتَ جوعاً

أي أن الإنسان عندئذٍ سيحتارُ بيْن الخُبز وغيره؛ فالخُبزُ ليْس مُجرّدَ مُتعةٍ، وإنما ضرورةٌ للحياة، فإذا اختارَ الجمالَ والشرابَ وتركَ الخُبزَ فسوْفَ يموتُ جوعاً.

وبيْنَ وَجْهٍ مُنيرٍ

إن غابَ غابَتْ جَميعاً

أي أن الوجهَ الجميلَ هُنا ليْسَ مُجرّد جمالٍ فقط؛ بل هوَ أيضاً رمزٌ للحُب والحياة العاطفيّة، فإذا فقدَ الإنسانُ مَن يُحِب فقد يرى أن الطعامَ والشرابَ نفسيْهما يفقدان قيمتَهما.، أي أن غياب المحبوبِ يجعلُ بقية الملذّاتِ بلا طعم.

وبيْن كأسِ مُدامٍ

على الشقاءِ تُعينُ

أمّا الشرابُ فهو هُنا رمزٌ للمُتعةِ التي تُساعدُ الإنسانَ على تحمُّلِ شقاءَ الحياة، فهو ليْسَ ضرورةً كالخُبز، وإنما هوَ وسيلةٌ لتخفيفِ الألمِ والنسيان.

لوْلا خِداعُ مُناها

أفاقَ وهو غبينُ

أي لوْلا أن الإنسانَ يخدعُ نفسَه بآماله وأُمنياته لأفاقَ من هذه النشوةِ واكتشفَ أنه مَغبون (أي مظلومٌ مخدوع)، وفي هذا البيْتِ لمسةٌ خيّاميّةٌ واضحة: اللذّةُ قصيرة، والحياةُ شاقّة، والإنسانُ يبحثُ عن وسيلةٍ تُخفِّفُ عنه إدراكَه لفنائه في النهاية.

طالَ التَردُّدُ فيها

فمالَ عنها كَظيماً

أي أن الإنسانُ يظلُّ مُتردداً طويلاً في الاختيارات، ثم ينصرف عنها جميعاً وهو كَظيم (مُمتلِئ بالحُزن والغيْظ والهَم)، فالمشكلة أنه لا يستطيعُ أن يختارَ بسهولة؛ لأن كل واحدةٍ من الثلاث لها قيمتها.

سألتُ جَنّةَ خُلْدٍ

وما سألتُ جحيماً

وهُنا تأتي المفاجأة، فبعد كل هذا التفكير يقولُ الإنسان: أنا أُريدُ جنّة الخُلود لا الجحيم، أي أنه يبحثُ عن السعادةِ الكاملة لا عن الاختيار بيْن مُتَعٍ ناقصة، لكن هذا الطلب سيضعُهُ أمامَ المُفارقةِ الكُبرى في نهاية القَصيدة.

قالوا: فناداهُ صوْتٌ

يقولُ في غيْرِ رِفقٍ

كصوْتِ إبليسٍ لوْلا

ما فيه من فَرْطِ صِدقٍ

هُنا يظهرُ صَوْتٌ قاسٍ يُخاطِبُ الإنسان، وهذا الصوْت يُشبِهُ صوْتَ إبليس، لكن مع فارقٍ مُهمٍّ جداً: أن كلامَه صادق، وهذه من أجمل مُفارَقات القَصيدة التي تُريدُ أن تقولُ لَك: قد يأتيكَ الحقُّ في صورةٍ قاسيةٍ وغيْرِ مُريحة بيْنما قد يأتيكَ الوَهمُ في صورةٍ جميلةٍ ومُغرية.

أتِلكَ جَنّةُ خُلْدٍ

تَهذي بها يا حكيم

أي أن الصوْت يقولُ له ساخِراً: هل هذه هيَ جَنّة الخُلود التي تتحدَّثُ عنها وتُثرثِرُ بها أيُّها الحكيم؟!

بمَطلَبٍ إن عَداها

تَرتَدُّ وهيَ جَحيم

هُنا تكمُنُ الخُلاصةُ الفَلسفيّةُ للقصيدة التي تقول لك: إذا كانت جَنّتُك لا تكتملُ إلّا بالتَخلّي عن أحدِ الأشياءِ التي تجعلُ الحياةَ محبوبةً، فكيْفَ تكونُ جَنّة بل إنها تتحوَّلُ إلى جحيمٍ إذا كان ما تُريده من الجَنّةِ يستبعِدُ شيئاً عزيزاً عليك.



محمود عبّاس العقّاد



(لقراءة قصيدة "أبو العتاهية")

google-playkhamsatmostaqltradentX