أنا الذي مات
سَأَلوني
لِمَ لَمْ أَرثِ أَبي
وَرِثاءُ
الأَبِ دَيْنٌ أَيُّ دَيْن
يتعجب
الشاعر من لوْم الناس واستنكارهم لعدم كتابته قصيدة رثاء لوالده فوْر وفاته، مُعترِفاً
بأن رثاءَ الأب هو واجبٌ مُقدَّسٌ ودَيْنٌ عظيمٌ في عنقِ كل ابنٍ بار، لكنه يعجز
عن سداده بسبب هوْل الصَدمة.
أَيُّها
اللُوّامُ ما أَظلَمَكُم
أَيْنَ
لي العَقلُ الَّذي يُسعِدُ أَيْن
يُخاطِبُ الشاعر اللائمين مُتَّهِماً إيّاهُم بالظُلم والقَسوة، ويتساءَلُ بحسرة: كيف تطلبون مني نظماً وشِعراً في هذه اللحظة، وأين هو العقل والتركيز اللذان يعينانني على التفكير والإبداع وسط هذا الحُزن الطاغي؟
يا
أَبي ما أَنتَ في ذا أَوَّلٌ
كُلُّ
نَفسٍ لِلمَنايا فَرْضُ عَيْن
ينتقلُ
الشاعرُ لمُخاطبةِ والده الراحلِ مُواسياً نفسه، فيقول إنك يا أبي لستَ أوّل مَن
يموت، فالموْتُ مكتوبٌ ومفروضٌ حَتماً على كل نفسٍ بشريّةٍ ولا مَفَرَّ منه.
هَلَكَتْ
قَبلَكَ ناسٌ وَقُرى
وَنَعى
الناعونَ خَيْرَ الثِقَلَيْن
يستمرُّ
الشاعرُ في تعزية نفسِه بذِكْرِ الحقائقَ التاريخية، فيُبيِّن أن أُمماً كاملةً ومُدُناً
عظيمةً قد أفناها الموْتُ سابقاً، بل إن الموْتَ لم يرحمْ حتّى خيْر البَشَر والجِن
(الثِقَليْن)، وهو الرسولُ "محمد" ﷺ الذي نعاه الناعون.
غايَةُ
المَرْءِ وَإِن طالَ المَدى
آخِذٌ
يَأخُذُهُ بِالأَصغَرَيْن
يُوضِّح
الشاعر أن نهايةَ الإنسانِ مهما طالَ عُمرُه وامتدَّت به السنون، هيَ أن يقعَ في
أسْرِ الموْتِ وينقادَ لتقديرِ الله، مأخوذاً بـ "الأصغريْن" (وهما القَلب
واللِسان) اللذيْن بهما قوامُ حياته وعقله.
وَطَبيبٌ
يَتَوَلّى عاجِزاً
نافِضاً
مِن طِبَّهُ خُفَّيْ حُنَيْن
يصفُ
الشاعِر مَشهدَ احتضارِ والده، حيْث يقفُ الطبيبُ المُعالِجُ عاجزاً تماماً أمامَ
قضاءِ الله وقَدَرِه، ويعودُ من مُحاولاتِ علاجِه خائباً بلا فائدة، مَثَله
كَمَثَل مَن عاد بـ "خُفَّيْ حُنيْن" (وهو مَثَلٌ يُضرَبُ للخيْبةِ والفَشَل).
إِنَّ
لِلمَوْتِ يَداً إِن ضَرَبَتْ
أَوْشَكَتْ
تَصدَعُ شَمْلَ الفَرْقَدَيْن
يصفُ
الشاعِرُ قوّةَ الموْتِ وبَطشه، مُشبِّهاً إيّاه بـ "يدٍ" إذا ضربت
بقسوةٍ استطاعت أن تُفرِّقَ بيْن النَجميْن القريبيْن جداً في السماء (الفرقديْن)
اللذيْن يُضرَب بهما المَثَل في شِدّة التَلازُم.
تَنفُذُ
الجَوَّ عَلى عِقبانِهِ
وَتُلاقي
اللَيْثَ بَيْنَ الجَبَلَيْن
يُواصل
بيانَ سطوةِ المَوْت، فيقول إن يدَ الموْتِ تخترقُ الأجواءَ لتصطادَ النُسور القويّة
الجارحة (العِقبان) في السماء، كما أنها تواجه الأسدَ المفترس (الليْث) في عرينه
بين الجبال وتقضي عليه، فلا يهربُ منها أحد.
وَتَحُطُّ
الفَرْخَ مِن أَيْكَتِهِ
وَتَنالُ
البَبَّغا في المِئَتَيْن
يوضِّحُ
أن الموتَ لا يُفرِّقُ بين قويٍ وضعيـف؛ فهو ينتزعُ الطائرَ الصغيرَ الضعيف
(الفرخ) من عُشِّه الآمنِ (أيْكته)، مثلما يصلُ إلى طائر الببغاء المُعمِّر الذي
قد يعيش مَائتيْ عام فيَقضي عليه.
أَنا
مَن ماتَ وَمَن ماتَ أَنا
لَقِيَ
المَوتَ كِلانا مَرَّتَيْن
يُعبِّر
الشاعر عن تلاحُمه الشديد مع أبيه، فيرى أن موْتَ والده هوَ موْته هوَ أيضاً،
وبسبب هذا الارتباط الروحي فإن كُلّاً منهما قد ذاقَ غُصّة الموْت؛ والده بالموْت
الحقيقي، وهوَ بموْتِ جُزءٍ من روحه حُزناً.
نَخْنُ
كُنّا مُهْجَةً في بَدَنٍ
ثُمَّ
صِرْنا مُهْجَةً في بَدَنَيْن
يتحدِّثُ
عن أصل نشأته، فيُبيِّن أنه ووالده كانا في الأصلِ نفساً وروحاً واحدة (مُهجة) حين
كانَ الشاعر نُطفةً في جسد أبيه، ثم تفرَّعا بعد الولادة فصارا روحاً واحدةً يعيشُ
بها جسدان مُنفصِلان.
ثُمَّ
عُدْنا مُهْجَةً في بَدَنٍ
ثُمَّ
نُلْقى جُثَّةً في كَفَنَيْن
يقول
إنه بوفاةِ الأب عادَ الشاعرُ يشعُر وكأن تِلكَ الروحَ المُشتركة انكمشت لتعيشَ في
جسده هوَ وحده حُزناً، على أمل أن تنتهي هذه الرحلة بوفاة الابن لاحقاً ليُصبحا جُثّتيْن
في كَفَنيْن مُنفصِليْن تحتَ التُراب.
ثُمَّ
نَحْيا في عَلِيٍّ بَعْدَنا
وَبِهِ
نُبْعَثُ أُولى البِعْثَتَيْن
يرجو
الشاعرُ امتدادَ ذِكرِهما وبقاءَ أثرِهما في الحياة من خلال ابنه "علي"
(حفيد الراحل) الذي يحملُ جيناتِهم، مُتمنّياً أن يُبعثوا معاً بصلاحه في الدُنيا
قبلَ بَعْثِ الآخرة.
اِنظُرِ
الكَوْنَ وَقُلْ في وَصفِهِ
كُلُّ
هَذا أَصلُهُ مِن أَبَوَيْن
يتأمَّلُ
الشاعرُ في فلسفة الوجود، داعياً القارئَ للنظرِ إلى هذا الكوْنِ الفسيحَ والبشريّة
المُمتدة، ليتذكَّرَ أن أصلَ هذا التنوُّعِ البشري الهائل يعودُ في النهاية إلى
أصلٍ واحدٍ وهُما الأبوان (آدَم وحوّاء).
فَإِذا
ما قيلَ ما أَصلُهُما
قُلْ
هُما الرَحمَةُ في مَرحَمَتَيْن
يتساءلُ
الشاعرُ عن الجوْهر الحقيقي للأبويْن، ويُجيبُ بأن حقيقتهما هي "الرحمةُ"
الخالصةُ التي تجسَّدت في قلبيْن ومَرحمَتيْن (عاطفة الأب وحنان الأُم).
فَقَدا
الجَنَّةَ في إيجادِنا
وَنَعِمنا
مِنهُما في جَنَّتَيْن
يُشيرُ
البَيْتُ إلى التضحية؛ فالأبوان يفقِدان راحتهما واستقرارهما في الجنّة ويبذلان جُهدهما
من أجل تربية الأبناء في الدُنيا، وبسبب هذه التضحية ينعمُ الأبناءُ في رعاية
وحنان الأب والأم (الجنتيْن).
وَهُما
العُذرُ إِذا ما أُغضِبا
وَهُما
الصَفحُ لَنا مُستَرضِيَيْن
يمتدحُ
الشاعرُ أخلاقَ الوالديْن، فهُما يُسارعان إلى قبولِ الأعذار إذا أخطأ الأبناءُ في
حقِّهما وأغضبوهم، بل ويقلبان الغضبَ صَفْحاً ومغفرةً بمُجرَّدِ أن يُحاولَ
الأبناءُ استرضاءَهما.
لَيْتَ
شِعري أَيُّ حَيٍّ لَم يَدِن
بِالَّذي
دانا بِهِ مُبتَدِأَين
يتساءلُ "شوقي" مُتمنيّاً المَعرفة: أيُّ إنسانٍ حيٍّ في هذه الدُنيا لا يُدين بالفَضْل والطاعة والاعتراف بالجَميل لوالديْه اللذيْن كانا سبباً في بِدءِ وجوده ورعايته أوّلَ الأمر؟
وَقَفَ
اللَهُ بِنا حَيثُ هُما
وَأَماتَ
الرُسْلَ إِلّا الوالِدَيْن
يدعو
الشاعرُ ربَّه أن يحفظَ مَنزلة الوالِديْن العالية، مُؤكِّداً أن اللهَ الذي كَتَبَ
الموْتَ على الرُسُل والأنبياء، جعلَ عاطفة الوالديْن وأثرهما مُخلَّداً لا يموتُ
في قلوبِ الأبناء.
ما
أَبي إِلّا أَخٌ فارَقتُهُ
وُدُّهُ
الصِدقُ وَوُدُّ الناسِ مَيْن
يصفُ
الشاعرُ طبيعةَ علاقته بأبيه، فقد كان له كالأخ الصديق المُقرَّب، ويؤكِّدُ أن حُبَّ
والدِه له كان حُبّاً صادقاً خالِصاً لا تشوبُه مصلحة، في حين أن وُدَّ ومحبةَ بقيَة
الناسِ قد يدخُلها الكَذِب والنِفاق (المَيْن).
طالَما
قُمنا إِلى مائِدَةٍ
كانَتِ
الكِسرَةُ فيها كِسرَتَيْن
يستحضرُ
الشاعرُ ذِكرياتِ البساطةِ والوًد مع والده، فيتذكَّرُ كَمْ من مرّةٍ جلسا معاً
على مائدة طعامٍ مُتواضِعة، يتقاسمان فيها كِسرة الخُبز الواحدة لتُصبحَ قِطعتيْن
دَليلاً على القَناعةِ والمُشارَكة.
وَشَرِبنا
مِن إِناءٍ واحِدٍ
وَغَسَلنا
بَعدَ ذا فيهِ اليَدَيْن
يُواصلُ
رَسْمَ مشهدِ الأُلفةِ البسيطة، مُتذكِّراً كيفَ كانا يشربان الماءَ من نفس
الإناء، ويغسِلان أيْديهِما معاً فيه بعد الفراغِ من الطعام، في عفويّةٍ تعكسُ عُمْقَ
الترابُط والتواضُع.
وَتَمَشَّيْنا
يَدي في يَدِهِ
مَن
رَآنا قالَ عَنّا أَخَوَيْن
يذكُرُ
الشاعرُ مَظهر تلاحُمِهما، حَيْثُ كانَ يسيرُ في الطُرُقاتِ مُمسكاً بيد أبيه،
لدرجةِ أن مَن يراهُما من بعيدٍ - لتقارُبِ سِنّهما أو لشِدّةِ وئامِهما - يظُنُّ
أنهما شقيقان وليْسا أباً وابناً.
نَظَرَ
الدَهْرُ إِلَينا نَظرَةً
سَوَّتِ
الشَرَّ فَكانَت نَظرَتَيْن
يشكو
الشاعرُ غَدرَ الزمان (الدَّهْر)، فيقولُ إن الزمانَ حسدهما على هذهِ الأُلفةِ
فنظرَ إليهما نظرةَ سوءٍ وحِقد، وتضاعفَ شَرُّ هذه النظرةِ لتُصيبَ الاثنيْن معاً
بفاجعة الفُراق.
يا
أَبي وَالمَوْتُ كَأْسٌ مُرَّةٌ
لا
تَذوقُ النَفسُ مِنها مَرَّتَيْن
يُخاطب
أباهُ مُجدَّداً مُقِرّاً بأن الموْتَ كأسٌ شديدةُ المرارةِ يتجرَّعُها كُلُّ
إنسان، ومن عَدْلِ الله ورحمته أن الجَسَدَ لا يذوقُ مرارةَ سَكَراتِ هذه الكأس
الحقيقيّةِ إلا مرّةً واحدةً في العُمر.
كَيْفَ
كانَتْ ساعَةٌ قَضَّيْتَها
كُلُّ
شَيْءٍ قَبْلَها أَوْ بَعْدُ هَيْن
يتساءلُ
الشاعرُ بمرارةٍ وألمٍ عن تلك الساعةِ الأخيرة (ساعة الاحتضار) التي قضاها والدُه
وهو يُعاني السَكَرات، مُؤكِّداً أن مصيبةَ تلك الساعةِ وهوْلَها جَعلا كل مصائبِ
الدُنيا قبلها أو بعدها أمراً سهلاً (هَيْناً).
أَشَرِبتَ
المَوتَ فيها جُرعَةً
أَم
شَرِبتَ المَوتَ فيها جُرعَتَيْن
يتابعُ تساؤله المفجوع حُزناً على والده: هل كانت وفاتُك سريعةً وخفيفةً فتجرَّعتَ الموْتَ جُرعةً واحدةً وارتحت؟ أم كانت بطيئةً وقاسيةً فتكبَّدتَ مرارةَ السَكَراتِ جُرعةً بعد جُرعة؟
لا
تَخَفْ بَعدَكَ حُزناً أَو بُكاً
جَمَدَتْ
مِنّي وَمِنكَ اليَوْمَ عَيْن
يُواسي
الشاعرُ والدَهُ المقبور طالِباً منه ألّا يقلقَ من فَيَضانِ حُزنه أو بُكائه عليه؛
لأن هوْلَ الفاجِعةِ قد أصابَ الشاعرَ بالذُهولِ الذي جَفَّفَ الدموعَ في عيْنه
(جمدَتْ العيْن)، مثلما انطفأت عيْن الأبِ بالموْت.
أَنتَ
قَد عَلَّمتَني تَرْكَ الأَسى
كُلُّ
زَيْنٍ مُنتَهاهُ المَوْتُ شَيْن
يتذكَّرُ
نصائحَ والدِه له في الحياة، فقد علَّمه أبوه الصَبرَ وتَرْكَ الحُزنِ المُفرِط
(الأسى)، مُدرِكاً الحقيقةَ الفلسفيّةَ بأن كُلَّ شيْءٍ جميلٌ أو حَسَنٌ (زيْن) في
هذه الدُنيا ستكون نهايتَه الموْتُ والزوال (شيْن).
لَيْتَ
شِعري هَل لَنا أَن نَلتَقي
مَرَّةً
أَم ذا اِفتِراقُ المَلَوَيْن
يتساءلُ الشاعرُ بحيرةٍ وتمنٍّ: هل هُناكَ أملٌ في أن نلتقي مُجدَّداً في دارِ البَقاء؟ أم أن هذا الفُراقَ هو فُراقٌ أبديٌّ لا رجعةَ فيه، يُشبِه فُراقَ الليْلِ والنهار (المَلَوَيْن) اللذيْن يعقُبان بعضَهما ولا يلتقيانِ أبداً؟
وَإِذا
مُتُّ وَأودِعتُ الثَرى
أَنُلَقَّى
حُفرَةً أَو حُفرَتَيْن