لغة الآي آي (1)
لم تكن بالضبط صرخة، ولكنّها كانت الأولى بعد مُنتصَف الليل بقليل، تصاعدت، غير أدمية بالمرة، حتى الحيوان مُمكِن إدراك كُنهِ صوته، ولكنّها بدت لأول وهلة جمادية ذات صليل، كعظامٍ تتكسَّر وتتهشَّم، تُمسكها يدا عملاقٍ خرافيِّ القوة، وبنية صارمة لا رحمة فيها تُدشدشها .. فجأة وفي المنزل الهادئ المظلم الفاخر الإظلام، السابح في سكون مسود تلمع فيه حواف الموبيليا الأنيقة الموزعة بعناية وذوق، بيت ساكن نائم يرفل في رائحته الليلية الخاصَّة التي تُميِّزه عن أي بيت، وفي الحي المترف الذي تتثاءب نوافذه وأضواؤه واحدة وراء الأخرى ويئوب إلى الرقاد على ضجة المدينة ووسطها المستيقظ كغمغمة غارق في الأحلام.
وفي وسط هذا كله، ومن مكان لا تستطيع تحديده
أو تعرف إن كان يمتُّ حتى إلى الحي، تصاعد ذلك الشيء الغريب الغامض الأول، مفاجئًا
وكالطعنة الملتاثة، حافلًا بأنين التمزُّق، وكأنَّه صادر من حنجرة تتمزَّق أحبالها
الصوتية لتُصدر الصوت ويكاد يُمزِّق طبلة أي أذن يقع عليها.
ودونًا عن سكان الحي والبيت، بدا وكأنّه
الكائن الوحيد الذي سمعه. كان مغمض العينين لا يزال بينه وبين النوم مشكلة لا بد
لها من حلِّ. ومرَّ الصوت مفاجئًا غير مألوف من الصعب تبينه، ولكن جسده في اللحظة
التالية كان يَقشعرُّ بخوفٍ طِفليِّ مذعور، وإن لم يَستغرق زمنا، أسلمه إلى عينين
مفتوحتين لآخرهما، وقلق وعاصفة من الاضطراب، فالإحساس التالي الذي واتاه كان
إحساسًا بالذنب، شعور غامض يربطه بالصوت، ويؤكِّد أنَّ الصلة بينهما من صنعه
ومَسئوليته، وأنّ عليه وحده يقع التحمَّل للنهاية، وبالغريزة التفت، كانت زوجته لا
تزال على وضعها، فقط في اللحظة التي التفت فيها ماءت مواءً طال بعض الشيء، ثم
بإرادة نائمة انتقلت إلى جنبها الأيسر وقربت ساقها، ربما كان الأثر الوحيد الذي
أحدثه الصوت في جسدها المستسلم لأول مراحل النوم. وارتاح وبعض الشيء اطمأنّ وهو
يواجه الأمر وحده؛ فقد كان ظهورها على المسرح لحظتها كفيلًا بزيادة ارتباكه.
ما هذا الصوت ومن أين جاء؟
في لحظة مرَّ بخياله ألف احتمال، إلّا
الاحتمال الوحيد الذي كان يخاف مروره. لم يكن قد تغيَّر في البيت أو في الحي أو في
دنياه كلها شيء ما عدا ذلك الشيء الواحد الذي اغتمَّ له. ولا بدَّ أن يكون الصوت
الجديد من صُنع القادم الجديد، حتى ولو نفى عقلَه بشدة، وأبى أن يصدق.
ولم يشأ أن يُفكِّر أكثر، مجرَّد صوت وحدث،
المهم ألا يعود يحدث، ومرَّ بعض الوقت، أحال اللحظة إلى دقيقة، أو دقائق، ولا شيء
يتغيّر داخل الليل الساكن، والأمل يقوى.
ولكن وشوشة غامضة حدثت، اندفع منها إلى أعلى
فجأة صوت كالطوفان الهادر العمودي، له وقع العظام نفسها وهي تسحق وتتدشدش، صوت
أقرب إلى رعد تنفته السماء في ماسورة مكتومة، ما لبثت أن فتحت وسلكت في استغاثة
راعدة مولولة ممدودة يخاف صاحبها أن يُنهيها وكأنّما الموت عند نهايتها.
انتهى الأمر. لم تعد هناك فائدة.
كان هذا الصوت الثاني مزعجًا حقًا حتى إنّه،
مع علمه هذه المرة وتأكُّده من مصدره، لم يستطع كبح جماح ارتجافته، ليس خوفًا منه،
وإنَّما من الشيء المجهول المروع الذي يختفي لا بدَّ وراءه ويحدثه. مزعجًا ومحيرًا
إلى درجة لم يلحظ معها أنَّ رفيقة الفراش قد اعتدلت نصف اعتدالة والتفتت إليه
قائلة بهستريا مفاجئة: إيه ده؟ قول لي بسرعة وحياتك إيه ده! وحياتك بسرعة بسرعة
بسرعة.
وقبل أن يُفكِّر فيما يقول انخلعت عنه، ناظرة
إليه بشك متوحش: اوعى يكون هوه؟ وقبل أن يفتح فمه أردفت: أنا مش قلت. أنا مش قلت.
اتفضّل بقى. اتفضل بقى. أنا مش قلت.
وحقيقةً لقد قالت وعارضت وكل ما حدث كان رغم
قولها وإرادتها، هي وبالتأكيد الآن بسبيلها إلى إعادة ما قالته. وعليه أن يتذرَّع
بالصبر، ويقول لها كلامًا مُطمئنًا كثيرًا .. إنّها مجرد آهة .. آهة ستمر، ويعود كل شيء إلى سابق عهده.
أكان معقولا أن يعود أي شيء ليلتها إلى سابق
عهده؟ الكلام نفسه وربما الألفاظ نفسها.
وما فائدة الكلام، والكلام الذي دار كثير،
وقد كان ممكنا، مادام الوضع هكذا. زوجة حلوة قوامها كقوام المانيكان، وساقاها
حتى في الظلام يظهران من قميص النوم في إغراء لا جمهور له، وحتى شنال تواليت
وماكياج للنوم وعناية خاصة بالشَّعر، ودهان مخصوص للبشرة، وزوج هناك دائمًا بينه
وبين لحظة النوم مَشاكل لا بدَّ لها من حل، زوج امتلأت روحه بالتجاعيد، مثلما فقد
راسه الكثير من الشعر وعيناه القدرة على الرؤية .. ما دام الوضع هكذا. فقد كان ممكنا أن يدور الكلام نفسه وربما الألفاظ نفسها
حول أي موضوع، كالعادة، لا تلتقي عنده وجهات النظر. المهم أنهم أصبحا بشيء من
التحدي ينتظران الصرخة الثالثة، التي لن تجيء، كما يُؤكد الزوج. والتي لا بد أن
تأتي، كما تصرخ الزوجة. ومن المطبخ، هذه المرة كان المصدر واضحًا ولا شك في أمره،
انطلق مواء كمواء القطط، يحاول صاحبه كبته وخنقه فيخرج مضغوطًا ثاقبًا إرادته
فيبدو كما لو كان رجل قد قرر بجماع ما يمتلكه من قوة، وبسبق إصرار، أن يتأوَّه كما
يريد، ولتَقُم القيامة بعدها، انطلق صفير مُعذَّب مُتألَّم مُتظلِّم باكِ غاضب
كافر مستغيث بائس مؤلم زاهد .. آي، آي، آي، آي، طويلة وقصيرة، ممدودة
ومبتورة، عالية بكل قواه يرفعها، منخفضة بجماع إرادته يخسفها، مجروحة دامية، لاسعة
كالنار في العين، كاوية كصبغة اليود في الحلق .. حارقة كآثار الحامض المركَّز.
فتحت الزوجة فمها تصرخ في هوس من تأكُد
قولها، وانتظرت أن تنتهي الصرخة لتطلق صرختها هي، ولكن انتظارها طال، وبدأت رغمًا
عنها تسمع، ومن الذهول استمرَّ فمها مفتوحًا وأذناها - بأمر قوة قاهرة - تُصغيان،
ثم بدأت ترتجف وتقترب من زوجها وتمسك بيده لتوقف الرجفة، ونفس اللحظة التي كانت قد
قرَّرت فيها أن تطلق لفزعها العنان وتستغيث صارخة، انتهت الصرخة فجأة، وكأنَّما
انكسر الجهاز الذي يُصدرها.
وكان الصمت الذي حلَّ تامًا ساحرًا كالدواء
الشافي المعجز لو لم يحلَّ، وفي اللحظة التي حلَّ فيها، وعلى تلك الصورة الكاملة،
لفقد أحد أو الجميع عقولهم.
قالت الزوجة بعد جرعة صمت سخية: كدة يا
حديدي؟ كدة؟
وأجاب بهمس، مُناه ألّا يصدر: أرجوك يا عفّت
.. أرجوك!
ولكنّها لم تستجب. بفحيح أكثر انخفاضًا
وإلحاحًا سألته: بس أنا عايزة أعرف. أرجوك أنت .. أنا ح اجنن عايزة أعرف .. ما
وديتوش لوكاندة ليه؟ ما سبتوش يتحرق مع أهله ليه .. عملت كدة ليه. أرجوك قولي بس
.. عشان ما اجننش!
كيف يُخبرها وهو نفسه لا يدري لماذا أَقدم
على ما اقدم عليه. كان قد اتخذ قراره من زمن وكفّ تمامًا عن مساعدة أهل «زينين)»
وتوظيفهم والتدخل لقضاء المصالح. إنَّ أهل بلده هؤلاء لا يكاد يبرز من بينهم واحد
حتى يتسابقوا إلى جذبه إلى أسفل وإغراقه في حل مشاكلهم. مشاكل لو تفرَّغ لها
لاحتاج لأضعاف أضعاف عمره، فلا يوجد إنسان إلَّا وله مشكلة حادة ملحة تطلب الحل
وتستحثه، ومائة ألف نسمة في زينين وما حولها، بمائة ألف مشكلة، بقرار حاسم باتر
منه أن تبقى له حياته الخاصة ومشاريعه وطموحه وأن ينفض عن نفسه هذه الأيدي الكثيرة
التي تُريد إنزاله وجره إلى حيث هم، وكأنّما لا يُطيقون رؤية البارز العالي ولا
يستريحون حتى يبرك مثلهم ويعجز.
ولكن السكرتير جاءه قرب الظهر قائلًا: إنَّ
أبا فهمي وعمه بالخارج، وأنّهما يُريدان رؤيته. وحياته ليس فيها إلّا فهمي واحد،
أول، وربما آخر، طفل أو إنسان يعترف الحديدي لنفسه أنَّه أذكى منه. كان فهمي إذا
وقف ليجيب وقد عجز الفصل عن الإجابة التفت الحديدي بكليته ناحية، يتأمّل ملامحه
الشاحبة، ووجهه المليء بالعظام الناتئة، والذي تكسوه مع هذا غلالة من مهابة خفيفة،
مهابة التفوق أو العبقرية، وكل كلمة يَنطقها كان يتأملها وتبهره، حتى الطريقة التي
ينطقها بها، فكل كلمة كانت الصواب بعينه، كل كلمة بالضبط ما يجب أن يُقال وما يعجز
الجميع عن قوله، فهمي كان يقولها ببساطة ودون أي جهد، في ذلك الفصل من المدرسة
الإلزامية، ذي الجدران المتساقطة الطلاء، الكاشفة عن الطين الذي بُنيت به الحيطان،
الفصل ذي السبورة الكالحة البالغة الصغر، وكأنما هي سبورة خاصة لتلميذ واحد،
المزدحم بعشرات الطواقي الصوف والبيضاء القطن وأحذية الإخوة الكبار أو ربما الآباء
والقباقيب والحقائب القماشية التي صنعتها كل أمّ لابنها، أو خيطت على المكنة فوق
البيعة مع الجلابية، الأيام الأولى التي كان الحديدي يتعرَّف فيها على مدخل العالم
المقروء المكتوب ويُحاول أن يحذق مبادئ أسراره، وفهمي رفيق تلك الأيام ومثلها
الأعلى .. أيكون أهله هم مَن يَنتظرونه بالخارج.
وأمر بدخولهم.
ومن باب الحجرة دخل ثلاثة أو أربعة أناس من
حجمٍ قصير تخين واحد. ورابعهم مثنيٌ على نفسه لسبب مجهول. أجال بصره فيهم. إنّ
ملامح فهمي محفورة في ذاكرته لا تمحى أو تموت. وأجال بصره مُحاولًا أن يعثر على
مَن يصلح ليكون أبًا لفهمي أو عمه .. ولكن ملامحهم بدت غريبة حتى على أهل زينين
بشكل عام.
-
أمَّال فين
فهمي؟
وتسابقوا في ارتباك عظيم يُجيبون، وينتهُون
إلى الإجماع على الإشارة للشخص الرابع المثني على نفسه.
-
ده!
-
أيوة يا بيه!
-
أنت؟
-
أيوة يا بيه
.. هو!
-
أيوة .. يا ...
ورفع رأسه يواجهه رغم بقائه متنيًّا. وحدَّق
الحديدي طويلا فيه كمَن يفتش في كومة من قش قديم عن إبرة ملامحه لطفل صديق كان أعز
عليه من نفسه.
-
انت فهمي؟!
-
أيوة .. يا
... فاندي!
جاءه الجواب من وجه المومياء الخارجة لتوِّها
من القبر أو المستعدة توًّا للدخول فيه، وجه منقبض بالألم، وكأنَّما ثبتت ملامحه
عنده وحنطت عليه!
-
أنت فهمي أبو ...
-
أيوة .. أبو
عنزة يا بيه .. ده كان معاك في المدرسة .. بس حضرتك مش فاكر.
أمعقولٌ هذا؟ من الطفل المرتَّب النظيف الذي
تُحيط بوجهه مهابة النبوغ، ومن العينين اللتين يطلُّ منهما الذكاء النفّاذ والقدرة
المعجزة على الإدراك، أين هذا من ذلك الرجل الذي يبدو عجوزًا محطمًا تجاوز
الخمسين، المظلم القسمات كالأرض البور، المطفأ العينين لضيقهما كشريط اللمبة حين
يحمر من تلقاء نفسه ويقصر ويحترق لدى فراغ الكيروسين.
وأحسَّ بفجيعة ذات طعم خاص. كان دائمًا
متأكدًا أنَّه سيلقى فهمي يومًا ما، وكان يعد العدة لهذا اللقاء الحافل. إن قدرًا
كبيرًا من الرهبة التي يحسها لفهمي مبعثه أنّه كان يتخيل دائمًا أنَّ فهمي سيظل
متفوقًا عليه وعلى الآخرين. وأنَّ الذي باستطاعته أن يتفوَّق كطفل لا بد باستطاعته
أن يتفوق كشاب ثم كرجل. ولم يكن أبدًا يتصور أنّ اللقاء سيتم على هذه الصورة،
وأنَّ الطفل الذي في ذاكرته سيمخض عن هذا الرجل. كان يدخر الحظة التي يُقابله فيها
كلامًا كثيرًا يُريد قوله، وكيف أنَّه إذا كان قد أصبح الأستاذ الدكتور الحديدي، أكبر
مرجع في الكيمياء العضوية في الشرق، وإذا كان قد أصبح رئيس مجلس إدارة مؤسسة كبرى،
ومرشحًا أكثر من مرة للوزارة، وعضوًا في عشرات اللجان والهيئات العلمية في الشرق
والغرب، فجزء كبير من هذا الفضل يرجع لفهمي، فقد كان الصوت الذي ظلّ لأكثر من
ثلاثين عامًا من الزمان يلهب طموحه ويدفعه للتفوق حتى ينتصر، ولو مرة واحدة، على
الطفل العبقري، الذي ظلّ يُحافظ عليه في ذاكرته كصور القدِّيسين التي لا تمس. وها
هو اللقاء، وها هو القديس.
-
أنت فهمي أبو
عنزة؟
-
أيوة يا بيه.
-
فاكر العنزة؟
-
عنزة إيه يا
بيه؟
العنزة التي سرَقها ليشتري لحسين أبو محمود
والد منصور الألدغ حقن الدواء ٦٠٦ التي قيل إنَّها بخمسين قرشًا، وأنَّها دواؤه
الوحيد. فقد كان فهمي شهمًا أيضًا، لا يتردَّد في الذهاب سائرًا على قدميه إلى
البندر أو بقاء الليل بطوله ساهرًا أو اليوم كله عاملًا كادحًا إذا أحس أنّ غيره
في حاجة إلى هذا العمل أو الجهد، خصال جعلت الجميع يدهشون ويفجعون لإقدامه على
سرقة العنزة. وإن كان السبب قد عُرِف والعمل قد اغتفر. إلّا أنَّه خرج منها بالاسم
لاصقًا به، ملغيًّا اسمه الحقيقي وحالًا محله.
-
أهلًا وسهلًا
.. أية خدمة؟
بالطبع فلا بد قد جاءوا، مثلما كان يجيئه
المئات في انتظار أن يُحقّق لهم بمفرده ومركزه المعجزة. كان سهلًا تخمين المطلوب
هذه المرة، فلا بد أنَّ فهمي مريض ولا بد أنّهم يريدون إدخاله المستشفى.
وحاول أن يتحدَّث إليه ويسأله عن مرضه
متنيًّا على نفسه في جلسته لا يرفع رأسه ولا يبدو عليه أن يسمع ما يُقال. وتهته
أبوه وعمه وهم يعتذرون عن صمته وكيف أنَّه دائم الحدوث، بل أحيانًا تمضي عليه أيام
كثيرة دون أن ينطق فيها بحرف، ولم يكن المرض في عقله أو نفسه وإنما كان في مثانته،
فَهِمَ منهم أنّها لا بدَّ بلهارسيا أدت إلى سرطان في المثانة، وأنهم لفوا وتعبوا
على جميع ((حكما)» المركز ومستوصفاته ومستشفياته وحلاقي صحته والعرب الذين يكوون
بالنار، و«يخرمون» بالمسلة. حتى قالوا لهم في مستشفى المحافظة في النهاية أن لا فائدة
من العملية، وأنَّه بحاجة إلى علاج بالأشعة في مصر. وأدحنا جينا لك يا بيه ربنا
يخلي لك أولادك ويمتعك بالصحة.
ومن غير دعاء، كان قد قرَّر أن يتكفّل
بالأمر. إنَّ الدَّيْن الذي في عنقه للكتلة البشرية المنكفئة على نفسها أمامه
ملفوفة بالملابس المهرأة، كبير، ولقد حان أوان رده وإيفائه.
كانت المشكلة أن يتخلَّص أولًا من «الجماعة»
التي ترافقه ويستصحبه إلى بيته ليقضي فيه الليلة. وفي الصباح واعتمادًا على صديقه
أستاذ الأشعة يُدخِله المستشفى؛ فقد كان عليه أن يدبر أمر ذهابه إلى البيت بطريقة
لا تجرح ذكراه في نفسه من ناحية ولا يظن معها من ناحية أخرى بوابٌ أو ساعٍ أنَّه
أخ له أو قريب، وكان عليه أن يتغلَّب على معارضة «عفت» زوجته، التي
لا بدّ سترفض إيواء شخص مثله، ولو ليلة واحدة، ولو لكي ينام في المطبخ أو في فراش
السفرجي.
ولقد تمَّ كل شيء كما قدَّر له الحديدي، إلّا
معارضة الزوجة، التي بقيت حتى بعد رضائها بوجوده في البيت وأمرها للسفرجي أن
يتكفّل به وبحراسته وإطعامه. وهكذا لكي يُقلَّل من وقت وجودها بالشقة، اقترح أن
يذهبا إلى المسرح، وحين عادا في منتصف الليل كان الهدوء المعتاد يخيم على البيت،
وكل شيء فيه هادئ، ونور المطبخ مُطفأ. وبعد نصف ساعة كانت عفت تستمتع بمراحل نومها
الأولى. وكان الحديدي مغمض العينين لا تزال بينه وبين النوم مشكلة مجلس الإدارة
الذي أجَّلت حكاية فهمي من اجتماعه ومن المشهد العاصف الذي كان قد أعده لكي يسحب فيه
البساط من تحت أقدام المدير العام ويجبره .. إمَّا الظهور بمظهر الغبي الأحمق الجاهل، وإمًّا، حفظًا لماء الوجه،
الاستقالة.
حين جاءت الصرخة الأولى.
وأعقبتها الثانية والثالثة.
وتكهرب جو البيت تمامًا، أيكون قد تورَّط في
خطأٍ أكبر دون أن يدري، وظنَّ أنَّه يأوي قطعة حديد خردة عزيزة، لتأخذ طريقها في
الصباح إلى الورشة، فإذا بها قنبلة بدأت تنفجر وتوشك أن تهدم البيت!
وعلى عجل أسرع إلى المطبخ حافي القدمين، كان
مظلمًا لا يزال، ولكن رائحة خانقة حامضة قابضة نفّاذة واجهته لدى فتح الباب. مدَّ
يده يُضيء النور، ولكن الشلل أصابها قبل أن تصلَ إلى المفتاح. فقد انطلقت من
المطبخ الضيق اهة صارخة ثاقبة، كعشرات من الإبر الحادة المسمومة انطلقت في كل
اتجاه. لا يُمكن أن يكون هذا صراخ آلم أو للتعبير عن ألم، ولا مجرد أصوات، إنّه
شيء مادي ينخر في الجسد، ويُصيب السامع بالحمى، فوق احتمال البشر.
أضاء النور وهو فعلًا خائف، ولم يلمح فهمي في
الحال، فقد وجد الفراش الذي منحوه إياه ممزقا مكومًا، والمطبخ بكل ما فيه مبعثرًا
ومدلوقًا، والمقشات منتزعًا قشها وريشها ومنثورًا، وعددًا لا يُحصى من بقع الدماء
الصفراء تصبغ الأرض وباب الثلاجة والمناضد البيضاء، والرائحة النتنة الخانقة لا
تزال هناك، لكأنّه كان ميدانًا لمعركة حامية الوطيس دارت بين إنسان أعزل وخصم جبار
غير منظور، لكأنّ الصرخات كانت صرخات رعب الإنسان من عدو خفيٍّ يسحقه بالضربات وهو
عاجز محاصر متألم مهزوم لا حول له.
ونظرة ثانية ألقاها على المطبخ، بعيني الزوجة
هذه المرة، أدرك بعدها فاجعة لم يكن يتوقعها أبدأ قد حلّت. وبحث عن فهمي فوجده قد
حشر نفسه بين منضدتين من مناضد المطبخ عاريًا تمامًا ليس عليه إلَّا فانلة مهرأة،
رأسه يتحرَّك في كل اتجاه، عيونه الميتة المطفأة تقدح بشرر أبيض، دائبة الحركة في
محجرها تبحث عن مُنقذ ومُخلِّص، وبكيانه كله كان يتَّجه إلى أعلى في يأس كامل كمَن
يدرك تمامًا أن لا نجاة. إنَّه ألم سرطان المثانة المروِّع، حين يزحف مع الليل،
حين تبدأ قطرات البول تتجمع بحمضها عبر الورم الخبيث الذي نفذ إلى كل المسالك،
ومرور القطرة على الورم المتهتّك المجروح، يسحق بالألم الذي يصدره كائنا حيًّا في
فخامة الفيل وبلادة إحساسه، ويجعله يجثو ويحفر الأرض بأظلافه، ويملأ الدنيا بهتاف
مروع صارخ .. إنَّه الألم الذي يُسمُّونه فوق احتمال البشر، فهو لم يُخلق لبشر،
ولم يُخلق البشر وتُزوَّد أعصابهم بتلك القدرة الهائلة الدقيقة على الإحساس، كي
يسحقها ويكويها ألم كهذا الألم.
أخرج فهمي من مكانه، ولا يزال رأسه وعيناه
وكل كيانه في حالة تلفت مسعور وبحث عن مفر، مشغول عنه وعن المكان والزمان والدنيا
كلها بما هو حادث فيه وبداخله، فيقف ويجثو، ويتمدد على بطنه ويركع، ويقوم هالعًا
واقفًا، ويفتح فمه استعدادًا للصرخة، وحتى يكتمها ويحتملها يحشو فمه بذراعه أو
بالمخدة أو المقشة ويغرز أسنانه فيها ويسيل الدم من الذراع ومن الفم، ومع نقاط
البول الكاوي.
