خبر
أخبار ساخنة

لغة الآي آي | يوسف إدريس | لغة الآي آي (2)


من أقوال يوسف إدريس عن عدم اهتمام القانون بحياة المواطن وعن فضوله بكيفيّة ممات ذلك المواطن

لغة الآي آي (2)

 

 

وشعر بضغط خانق يكتم أنفاسه، وبرغبة مجنونة أن ينطلق هادرًا لاعنًا نفسه وبلده وأناسها، واليوم الأسود الذي كُتِب عليه فيه أن يُولد منها، ويصبح عليه أن يحيا عمره كله يحمل عن أناسها همَّهم وفقرهم وعجزهم ومرضوم وأخيرًا آلامهم وبولهم، ولكن ما الفائدة ومَن يتلقّى لعناته واحتجاجاته. إنَّه لا يستطيع حتى أن يطلب من فهمي أن يكف عن الصراخ، أو يرغمه على البقاء في ركن بعينه من المطبخ، إلَّا إذا كان باستطاعته أن يأمر الألم الذي في داخله أن يكفّ، والشيطان الذي يمزق أحشاءه أن يهجع.

وسمع خطوات متردّدة في الصالة. ومخافة أن ترى الفاجعة الحادثة. أطفأ النور وأسرع عائدًا إلى حجرة النوم ليجد عفّت في منتصف المسافة.

-        هيه .. عملت إيه؟

-         قلت له يسكت!

-        وإن ما سكتش؟!

-        حا يسكت!

آي يأي يأي ياي ياي ياي ياي.

وأسرع خلفها إلى حجرة النوم التي فرَّت إليها مذعورة. وما كادت الصرخة تنتهي حتى وقفت تواجهه وتُهيئ نفسها للعاصفة المقبلة الهوجاء. ولكنّه أسرع، واستطاع رغم دفعاتها وتملصها أن يحتويها بين ذراعيه، ويقاوم إحساسه بالرعبة الملحة في الانهيار ويعترف لها بصدق واضح وملموس أنَّه أخطأ وأنّه ما كان يجب، وأنَّه يَطلب الصفح، وأن يكون صفحها على هيئة مساعدته في تدبير الحل للموقف، فهما في قلب الأزمة معًا، ولا سبيل أمامها إلا الاحتمال. وما تنزلوش ينام تحت عند البواب ليه؟ فضيحة والساعة اتنين. أروح أنا عند ماما. دلوقتي؟! أنا ما اقدرش استحمل. عشان خاطري. ما اقدرش .. أرجوكي .. غلطة وباعتذر عنها وبارجوكي إنَّك تساعديني وتستحملي. أستحمل ازاي يارب؟! استحمل ازاي؟

أي أي أي يي يي يا يا ياي  ...

-        آه يا مامي! ما اقدرش على كدة ما اقدرش!

وووووووه يييييييه ...

-        إيه ده. ده مش بني آدم، دول عفاريت، دول جن. الحقيني يا ماما أنا ح اجنن! وشيئًا فشيئًا بدأ الحديدي يحسُّ أنَّ ارتباطه بحجرة النوم وبالزوجة التي يحتضنها ويسكنها، بالبيت والحاضر كله يضعف وبتوتُّراته يتراخى وبوجدانه يستحيل إلى بحيرة هائلة ملساء على استعداد لاستقبال أدق الرذاذ الصادر عن فهمي.

فرتك مرتك شرتك دي دي دي دان ...

الألم لا بد قد ازداد بدرجة مخيفةٍ، خفَف عنه يا رب.

واج الواج الواج الواج الواج ...

وإلى جوار هذه القادمة من المطبخ، جاءت أخرى رفيعة طفلية من الحجرة المجاورة. ما كادت تسمعها عفت حتى، بقوة عاتية خارقة، خلّصت نفسها من تكتيفته وجرت خارجة إلى الغرفة الأخرى. ولكن الطفل، طفلها الوحيد قابلها قادمًا باكيًا مناديًا: يا مامي. واحتضنته وحملته وبتنمُّر وتوهُّج قالت للزوج: اسمع .. انت لازم تطرده حالًا دلوقتي يروح يشوف له مصيبة يبات فيها .. دا الولد قايم يرجف .. يا مصيبتي!

-        يا عفت أرجوكي .. أنا شرحت لك الظروف، الراجل ده عندي مهم قوي وما اقدرش أطرده.

-        مهم أكثر مني ومن فهمي ده؟!

-        مش أكتر، إنَّما مهم، كفاية تعرفي إني مسمِّي فهمي ابننا دن على اسمه .. دن الوحيد اللي خرجت به من طفولتي.

-        يا ح تطرده يا ح اسيب لك البيت وأنزل!

-        إنتي عايزة مني إيه؟ أركع لك؟ قلت لك أرجوكي .. أناح اجيب له دكتور يذيله مخدر دلوقتي ويسكته.

وانشغل بكليته في عملية استدعاء طبيب الإسعاف وانتظاره، ولم يدهش حين أخبره الطبيب أنَّ المخدِّر في حالة كتلك ضعيف المفعول لا ينجح عادة في تسكين الألم؛ فآلام هذا النوع من السرطان أقوى من المخدرات وكل المسكنات التي اخترعها الإنسان.

وكانت الفائدة الأهم للطبيب أنَّه أعطى الزوجة حقنة من عقار منوم، وبعد مدة قليلة نام فهمي الطفل في حضن أمه.

وأخيرًا أصبح وحده مع الصرخات القادمة من الأعماق. وكما قال الطبيب لم يكن المخدِّر قد أحدث تأثيرًا يُذكَر. المشكلة الآن أن يُعاد الاتصال .. أن يعود إلى نفس الحالة الوجدانية التي كان عليها قبل أن يصحو الولد وتثور الزوجة. إنَّه لا يَعرفها ويذكرها وهي قريبة دانية منها ولكنها ترف وتذهب، يتذبذب بينها وبين حالته العادية، يه يه يه يه يه تمندا مندا مندا هوندا بندا سارادات.

وأحسَّ براحة باهتة وبالأصوات تصل إلى مكان سحيق داخلي فيه وتنعشه في رقة وعذوبة، بالضبط هذا هو المكان. هنا يحسَّ بها تتجمع .. آهاته التي لم يطلقها أي باي يانا يا بوي.

يا بوي موجوعة تأتي للحديدي بالضبط على الوجع. يا بوي إنَّها ليست من لغة الحياة ولكنّها من لغة الأعماق والآي. إنّه يحس بها تُعبّر عن وجعه هو. منذ سنوات وسنوات وهو يُريد أن يقف في ميدان التحرير ويستجمع شجاعته. وبكل قوة وبالحر ما يستطيع يطلقها، عالية موجوعة صادرة رأسًا من الوجع مثلما يَفحل فهمي الآن، ولكنَّه في اللحلة الأخيرة يعدل ويضعف ويخاف أن يفر منه الناس ويتهموه بالجنون فيخمدها ويكبتها ويردها إلى حيث ترقد الكثيرات من زميلاتها المكبوتات المحبوسات.

آي آي آي فركش أن منكش أي بعقش أي!

الآن فقط يحس بها كلها، بآلامه، ويحس بها أبشع حتى من آلام فهمي وأوجاعه .. كل الفرق أنّه ليس له الحق في التوجُّع مثله، لن يصدقه أحد إذا صرخ وترك أعماقه تعبر عن نفسها المكتومة الوارمة المضغوطة، ألم بلا آهات. أضعاف أضعاف الألم.

الآن وهو وحيد مع نفسه وموجوع مثله وأعماقه مفتَّحة الأبواب أمامه يستطيعٍ أن يسأل نفسه: ماذا يُؤلمه؟ إنّه فوق القمة، كل الخط العريض الذي رسمه لحياته تحقق؛ زوج ورب أسرة وسعيد محوط بالرعاية والحب والاحترام أنّى يكون، فمن أين تجيئه الآلام التي لا تُطاق، حتى إنَّه ليحسد فهمي على حالته.

تُرى ماذا كان يفعل ويشعر لو حدث له ما حدث لفهمي وبدلًا من التعليم المتواصِل الذي هيَّأه له أبوه الصرَاف الذي كانوا يتندَّرون عليه ويسألونك وأنت ذاهب لتدفع المال: مال الحكومة واللا مال الصرَّاف، بدلًا من هذا أخرجه أبوه من المدرسة واشتغل فلاحًا كان هذا مصيره. أي إنسان في مكانه لا بد أن كان يُقبِّل يده ظاهرًا وباطنًا، أين هو وأين فهمي؟ هو الذي لا بد تختاره إذا طلب إليك أن تختار مائة يمثلون الصفوة في هذا البلد. المتمتع بكامل صحته وحياته، لا حق من حقوقه مهضوم ولا شعرة ظُلم تمسه أو تمس مركزه، أين هو من إنسان كفهمي تكفل الفقر بالقضاء على عقله وأحاله إلى واحد آخر من ملايين الفلاحين السذج، وتكفلت البلهارسيا بالقضاء على جسده .. فالمفروض أنَّه الآن ميت، وعمره مسألة أيام، وحياته كانت أبأس حياة، وشقاؤه كان من نوع يُضرب به المثل .. لو كان قد حدث له هذا .. تراه ماذا كان يقول عن «أله» المزعوم وأوجاعه؟

قال الحديدي لنفسه بلا تردُّد: كنت أكون أسعد.

كيف؟ المسألة ليست فقرًا وغنى أو تعليمًا وجهلًا، السؤال هو: هل أنت حي أم ميت؟ فهمي رغم كل شيء حي وعاش. أما أنا فلم أحي، والحياة أي حياة، أروع ملايين المرات من الموت، أي موت، حتى لو كان الميت مُكفّنًا في ملابس أنيقة، محتلًا أرقى المناصب، سعيدًا في حياته الزوجية.

ولكنك حي. أنا ميت، إنَّه ليس تلاعبًا بالألفاظ، إنَّها حقيقة، المقياس الوحيد للحياة أن تشعر بها، وأنا لم أشعر ولا أشعر بها، إنّني أقضي حياتي كعملية حسابية دقيقة هدفها الوصول .. وحين أصل لا أسعد لأنّ أمامي يكون ثمة وصول آخر.

إن فهمي قد عانى من الفقر، والبؤس، ولكنه كان يعمل مع الرجال يضحكون سويًّا، ويتشاورون في مشاكل العمل، ويستمتعون بمشوارهم إلى السوق، يفرحون لعود الفجل إذا أضيف إلى الأكلة، ولا أحد منهم يأكُل بمفرده؛ إذ الطعام ليس أن تجوع وتملأ بطنك. الأكل عندهم أن يحلَّ موعد الطعام ويلتفّون حوله في ترحيب. ويتعازمون ويُهزِّرون ويحسُّون أنَّهم يقومون باحتفال إنساني صغير، إنَّهم يفعلون هذا دون إدراك لكنهه ولِكُنْههم به، بهذه الأشياء الصغيرة المتناترة في طريق حياتهم يمتلئ كل منهم بإحساس يومي مُتجدّد، إنَّه حي، وإنَّ الحياة مهما صعبت حلوة.

أنا قضيت حياتي أجري وألهث، لكي أصل إلى القمة كما تُسمَّى .. كان عليَّ أن أظلَّ أصعد ولهذا كنت أُصادق أو تضمني المجموعة، لا لكي أستمتع بصداقتي ورفاقيتي لها، وإنّما على أساس سرعتها وعلى اعتبار أنّها أسرع من المجموعة التي هجرتها، وأظلُّ سائرًا معهم ما داموا يسيرون بنفس السرعة التي أريدها، حتى إذا أحسست أنّني بحاجة إلى سرعة أكبر هجرتهم إلى مجموعة أخرى، أو سرت بمفردي كي لا يعوقني معوق. وما توقفت مرة كي أواسي مُختلفًا أو آخذ بيد أعرج، معتبرًا أن ليس الذنب ذنبي أنّه تخلف أو أنّه خُلِق أعرج. ولقد ظللت أسرع وأسرع لكي أبدأ الحياة حين أصل ولكن لم يكن للوصول نهاية. بعد التخرُّج قلت العمل، بعد العمل الدكتوراه، بعدها الأستاذية، وحين أحسست أنها تستلزم الانتظار هجرتها إلى الشركات، قلت .. بعد الزواج، وحين تزوَّجت قلت .. نبدأ الحياة مع الأولاد، وحين خلَّفتُ قلت الأوفق حين يَكُبرون، وها أنا ذا لا أزال أجري مُسرعًا، وقد أصبح هدفي ليس الوصول إلى أي شيء، وإنما الإسراع في حد ذاته، تمامًا مثل الذي يَبدأ حياته بتوفير النقود كي يحسِّن مركزه المالي ويبدأ يحيا بعد الألف الأولى، وحين يصل إلى الأولى هدفه الثانية فالثالثة، إلى أن ينسى الهدف تمامًا، ويتحوَّل إلى بخيل مقتر هدفه جمع المال ليس إلا .

ياني ياني ياني ياني يا بوي.

أحسَّ بتوجع فهمي يُريحه راحة بدأت تُصبح عذلمى، وكأنَّ فهمي يتوجع لكليهما أو أكثر من هذا، كأنَّه هو الذي أتيح له أخيرًا أن يتوجع كما يريد وبكل قدرة استطاعته، إنّه الألم المتراكم عبر السنين .. ألم الحزن الدفين والاكتئاب. إنَّ الإنسان جُهز بتركيبه وأحاسيسه لحياة خاصة تُسمى الحياة الجديرة بالإنسان، وهو لا يستطيع أن يخرج عليها ويحياها حياة من صُنعه هو ومن ابتكاره إلّا وهو يتألم وآلامه تتضاعف، ولقد قسا العمر كله على طبيعته وكتم نداءات الأعماق المطالبة بمتع الحياة الصغيرة الكثيرة العادية التي تُعطيها طعم الحياة. قسا عليها ليجبرها أن تحيا بمُفردها.

أبو ... أموا ... أبوا ... أموا ... أبو .. واه ...

بالضبط يا فهمي، الوحدة للوصول، الوحدة للسرعة، الألم البشع لفراق الناس والبُعد عنهم .. الوحدة القاتلة التي تُربِّي الخوف من الآخرين وتُدمِّر الثقة بالنفس، الوحدة لكي نكون حرًّا أكثر ومنطلقًا أكثر وحيًا أكثر التقوقع فإذا بها تُؤدي إلى التوقع والرعب من الآخرين وتحديد الحركة وإحاطتها بعشرات القيود، همه يحمله وحده، ومرضه ينفرد به، وضيقه هو المسئول الوحيد عنه، الألم، أضعاف أضعاف الألم الذي يسحق فهيم ويدمره، وهو مُرغم على كتمانه، يخاف خوف الموت أن يطَّلع عليه أحد. فإنَّ تألُّم الرجل أو عاجته للفضفضة إلى الآخرين ضعف وعورة.

دي دي دي دي دي دي.

يا لَلمضحك .. إنَّه يحسُّ أنَّه ربما لأول مرة يذكرها في حياته .. سعيد، سعيد إلى درجة لا يصدقها العقل ولا يصدقها هو نفسه، إنّه حقيقة متأثر لأوجاع فهمي، ولكن فرحته هو لهذه اللحظة التي يحياها، أجل ربما أول لحظة يحياها. لا توصف. ومن الصعب أن يُدرك الأسباب، ولكن لا بد أنَّ أهمها أنَّه أخيرًا استطاع بوسيلة معقدة مركبة تعتمد على أعماق تُخاطب أعماقًا خلال لغة غير مفهومة، أخيرًا استطاع أن يتصل، وأن يُشارك، وأن يزاول عملًا من أعمال الأحياء، يزاوله بمتعة وسعادة، سعادة تدخله في حالة وجدانية لها صفاء لحظة الكشف لدى المتصوفين وعمق لحظة الخلق لدى العباقرة، لحظة ها هو يحس فيها أنّه قادر على الاتصال بكل إنسان وبكل شيء، بل قادرٌ على الاتصال بنفسه وبالتحديق مليًّا في أعماقه دون أن يرده الرعب المقيم مما قد يراه.

وكلَّما اندمج في حالته الوجدانية تلك، أحسَّ بنفسه تتفتح أكثر وتعمق، وتتقوى صلته بفهمي، حتى لكأنَّه يقرأ ما يجأر به في كتاب مفتوح، وأحسَّ أيضًا أنَّه ينجذب إلى مكانه ليصبح أقرب، انجذابًا مريحًا ممتعًا إلى درجة لم يدرك معها أنّه كان قد غادر الفراش ومضى يعبر الصالة في عدد كبير من محطات الممشى الضيقة. كل خطوة بمحطة، سمع، كالصوت البعيد يأتي للنائم، نافذة جار تفتح ويعقبها صوت زعيق ولا بد أنَّه كلمات سباب، سمعها، وكأنّها لا تمت إليه ولا تهمه، إنّه يرى حياته الآن بكل كبيرة وصغيرة حدثت فيها ولها مجسدة مجموعة أمامه، بحيث بنظرة واحدة يستطيع أن يرى نفسه تقريبًا من يوم ميلاده إلى يومه هذا.

الغريب أنه ينظر وكأنها حياة غريبة عنه، لا تربطه بها أو بصاحبها أدني علاقة، لا تربطه ذكرى بأي جزء فيها أو موقعة، وأغلب الظن أنَّه لا يذكرها. إنَّه لا يكره شيئًا في الدنيا قدر كراهيته لحياته تلك. إنَّه يمقتها، ولولا النداء القوي الصادر له من فهمي لحملها في التو وقضى عليها وعلى نفسه، ولكن النداء أقوى، إنَّه يتسرِّب إلى كيانه كله ويهز ميكل الحياة فيه ليوقظ حبه الغريزي لها، ومن الظلام الكثير الرابض يملأ الصورة، تبدأ تتسرَّب موجات كاشفة مضيئة، يجسر معها على التحديق والرؤية ليتابع نفسه وهو يجري ويجري، وحده، الناس تحيا وهو يجري، والشاشة مليئة بالصلات المقطوعة بالصداقات المبتورة، بأجزاء العلاقات، يقيم على الطريق مهدرة بإنسان لا يريد أن يرتبط بأحد، حتى لا يعطله الارتباط، ولا أن ينتمي لجماعة أو حتى لصديق؛ لأنّ في الانتماء فقدانًا لذاته الحرة وكيانه، والنتيجة جري سريع إلى قمة الوصول، هو في الحقيقة هرب سريع من الحياة، فالحياة هي الأحياء، وأن تنفصل عن الأحياء معناه انفصال عن منبع الحياة الأصيل، وفقدان طعمها ونوعيتها والتحوّل إلى الموت.

الخطأ الفادح الذي يُدركُه الآن، وعلى الضوء الباهر الصادر من أعماق فهمي إلى أعماقه يراه، أنّ الوصول لا قيمة له بالمرة إذا وصلتَ وحدك، أيَّة قيمة أن تصبح مَلِكًا متوجًا أو عالما حاصلًا على جائزة نوبل، وأنت محاط بصحراء جرداء، أيَّة قيمة لأي شيء في الدنيا، للمتعة نفسها أن تحس بها وحدك؟

وصحيح أنّه ليس وحده، فهناك زوجته وابنه وأقرباؤه، وإخوته، وبعض الأصدقاء، ولكنها ديكورات علاقات ليس إلّا .. إنّ حب الناس للناس، وارتباط الناس بالناس، لا ينشأ للزينة، وإنّما ينشأ لحاجة الناس للناس، الحاجة الماسة الملحَّة كحاجتك إلى الماء والهواء والتي بدونها لا تستطيع أن تعيش، وهو له إخوة وزوجة وأناس، ولكنّهم لا يمثلون مطلبً حيويًا بالنسبة إليه. إن في استطاعته، إذا اراد ان يحيا كما تعود بدونهم. قد يكونون هم في حاجة إليه .. ولكنَّه هو ليس في حاجة لأحد، أو بالأصح هو في حاجة حيوية ماسة، ولكنه بحسّ ويوهم نفسه مثلما أوهمها طول عمره أنّه ليس بحاجة إليهم .. ومن هنا ينشأ ألمه البشع .. من هنا بدأ، ويستشري السرطان الذي يقتل الضحكة على فمه، لأنَّه يحس أنَّه ليس بحاجة إلى الضحك، ويجمد العواطف في صدره لأنه يحس ليس بحاجة إلى أن يعطي الحب أو يَستقبله، من هنا تبدأ الماساة التي أحالته إلى ميت حي.

وجاءته صرخات فهمي، قريبة هذه المرة؛ إذ كان قد وصل إلى المطبخ، وجلس بجواره، جاءته بعد سكوت خُيِّل إليه أنّه طويل، وكان مجرَّد إحساس فهمي بوجوده بجواره خفف عنه الآلم .. جاءته الصرخات، اقرب ما تكون إلى البكاء، واحس بنفسه وكان بركانا باكيًا يوشك أن ينفجر، إنّه لم يبكِ في حياته منذ أن كان طفلًا، وها هو يحسَّ أنه يودّ لو ظلَ يبكي إلى أن توافيه المنية، إشفاقًا على نفسه، وهو أول مَن أدرك أنّها أكثر أهل الأرض جميعًا حاجة إلى الشفقة.

هات يدك يا فهمي، ضعها هنا على صدري، إنّه خاو كما ترى. أنا أعرف أنَّك مريض، وأحس بك وأريد أن أقاسمك الألم، ولكن لا أستطيع فقلبي من خشب، تركتكم جميعًا، أنت في زينين، وسعد في بنها، وعبد المحسن في أسيوط، وشلة الجامعة، وجمعية الكُتَّاب، وكل الناس، وظننتُ أنكم تسيرون في الطريق العادي، طريق الندامة .. وأن الطريق الأسرع، طريق السلامة، هو الطريق .. والنتيجة أني مُت من زمر، وظللتُم أنتم أحياء، أنا جثّة أقنع نفسي أنّني أنا الذي أزور عن الناس، في حين أنّهم هم الذين يَنزَوِرُون عني، وما حاجتهم إلى جثة، حتى زوجتي وابني أحس أنّهما لا يُطيقان رائحتي .. أنا أريد العودة يا فهمي، أريد البداية من جديد، أطلب فرصة أخرى فمَن يقبلني يا فهمي؟ مَن يقبل جثة، من يرضى بي، إنّي لا أجد في هذه اللحظة سواك يا فهمي، هل تقبلني .. هل تقبلني يا فهمي!

-        ما تعيطش يا محمود!

ولم يصبه الذهول مع أنَّ القائل كان فهمي، وكان أول كلمات ينطقها، ولم يَعجب أيضًا لأنه ناداه بمحمود، وكأنّما ذكَّره الاسم بالتختة المشتركة وبأيام زمان، كل ما أحسَّ به أنَّ رجاءه قد تحقّق، وأنه يقول: أشكرك يا فهمي .. أشكرك.

وانبطح الحديدي ببجامته على بلاط المطبخ وتناول يد فهمي يُقبَّلها، ويمسح بها دموعه السائلة التي لا تتوقف، وهو يُردِّد سامحني يا فهمي .. سامحوني يا ناس .. أنا غلطت وتعبت والألم فاض بي .. سامحني يا فهمي.

ولكن فهمي كان قد عاد، بآخر وأقوى ما عنده، يصرخ وآلامه قد اشتدَّت بغتةً .. وكانت نوافذ البيت جميعها قد فتحت من زمن وسكانها يصيحون رغم أنوفه للآهات المستغيثة .. ويستجيرون من الصوت الذي لا يرحم أبوابهم ونوافذهم مهما أغلقوا وأحكموا الإغلاق، الصوت الذي أيقظ العمارة ببوابيها وبهواتها وسادتها وداداتها، وبدأ يصل إلى العمارات المجاورة ويُوقظ سكانها، ولو استمرت الصرفات لربما كانت قد أيقظت العي الراقي بأكمله، ومَن يدري ربما المدينة كلها كانت قد صحَت .. ولكنّهم كانوا قد طلبوا بوليس النجدة .. وحضر وفتحت له الزوجة نصف نائمة، غير أنها استيقظت تمامًا حين قادتهم إلى المطبخ، ووجدت الحديدي راكعًا على الأرض يُقبِّل يد فهمي ويستغفره!

ورفعوا فهمي، وألبسوه، وحاول جنديان حمله فيما بينهما. ولكن الحديدي نهرهما، وتقدم هو من فهمي وحمله على كتفه، والمرض قد التهم لحمه ولم تبق له سوى العظام، وتشبَّثت عفت بزوجها سائلة إياه عمًّا يفعله بنفسه، إلى أين ذاهب؟ وابتسم لها، وأضاء وجهه كما تتعوّد بالابتسامة وقال: رايح في طريق تاني صعب شديد .. تيجي معايا؟!

-        أنا ما رحش وياك بالشكل ده .. انت اجننت؟

وأحاطت فهمي الصغير بيديها بينما استدار الحديدي بحمله الصارخ المولول، ومضى يتقدّم الموكب، ونظرات السكان وأهل الحي تتبعه وتحيط به تهمس وتسري بينها الهمسات الضاحكة .. لقد عاش في الحي سنتَين مرعوبًا أن يكتشف أحد أصله وفصله، وتبدو للأعين النائمة شَعرة واحدة تَكشِف عن الجذور والسيقان التي يمتُّ إليها .. ولا ريب أنَّ كثيرين من سكان الحي كانوا يفعلون مثله، فها هو يرى النوافذ والمدخل حافلة بكثير من الجثث.. وهو الآن يستعجل اللحظات التي يُغادر فيها الحي .. وقد أصبحت الرائحة لا تطاق.

 

 

(تــــــــــــــــــــمّــــــــــــــــــــت)

google-playkhamsatmostaqltradent